وورلد برس عربي logo

ابتكار مادة ثورية لتجاوز حدود النحاس في الإلكترونيات

اكتشف كيف يمكن لمادة CoSi أن تحل أزمة النحاس في الرقائق الإلكترونية بتوصيل كهربائي أفضل وأداء أعلى مع ثبات حراري وكهربائي قوي مما يفتح آفاقاً جديدة لتطوير الحوسبة الحديثة عبر تقنيات متقدمة من وورلد برس عربي.

خريطة توزيع ذرات CoSi النانوية تظهر تداخل متجانس لكبريتيد الكوبالت والسيليكون في رقائق نانوية بسمك 50 نانومتر لتعزيز الموصلية في أشباه الموصلات.
التجانس اللافت للنظر لمادة سيليسايد الكوبالت. (تشن وآخرون، المواد الطبيعية، 2026)
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في كل شريحة إلكترونية حديثة تعمل بين يديك الآن سواء في هاتفك أو حاسوبك أو أي جهاز متصل بالشبكة تمتد أكثر من 100 كيلومتر من الأسلاك النحاسية الدقيقة التي تنقل الكهرباء بين مليارات الترانزستورات. هذا الرقم وحده يكفي لإدراك حجم الرهان: فإذا وصل النحاس إلى حدوده الفيزيائية، توقّف معه تطوّر الحوسبة كما نعرفها. وهذا بالضبط ما يحدث اليوم، وهو ما جعل دراسةً نُشرت في مجلة Nature Materials تستقطب اهتمام مجتمع الفيزياء وهندسة أشباه الموصّلات على حدٍّ سواء.

لماذا يُعاني النحاس في عالم النانو؟

المشكلة ليست في النحاس كمادة، بل في ما يحدث له حين يُضغط إلى أبعاد النانومتر. مع تصغير الترانزستورات جيلاً بعد جيل، تتقلّص معها الوصلات الناقلة (الإنترقونكت) المصنوعة من النحاس، وهنا يظهر ما يُعرف في الفيزياء بـ"تأثير المقاومة الحجمية" (Resistivity Size Effect): كلّما صغُر السلك النحاسي، ارتفعت مقاومته الكهربائية، وتراكمت تأخيرات الإشارة، وأصبح تدفّق الكهرباء عائقاً أمام سرعة الترانزستورات لا وسيلةً لها. بعبارة أخرى، التقدّم في صناعة الترانزستورات بات أسرع مما تستطيع الوصلات النحاسية مواكبته.

تمثيل تجريدي لتدفق الكهرباء والطاقة الكهربائية بين وصلتين، يرمز إلى تحديات مقاومة النحاس وفرص استخدام مادة CoSi في الوصلات النانوية.
Loading image...
(يويتشيرو تشينو/مومنت/غيتي إيمجز)

في مواجهة هذا الجدار، بحث الفيزيائيون عن مواد بديلة تتصرّف بطريقة مغايرة على المستوى الكمّي. وكان كبريتيد الكوبالت أو cobalt silicide، ويُرمز له بـ CoSi أحد أبرز المرشّحين.

CoSi: مادة تعكس القاعدة

ما يجعل CoSi مثيراً للاهتمام العلمي هو أنه يخالف السلوك المعتاد للمعادن الناقلة: بدلاً من أن ترتفع مقاومته الكهربائية مع تصغير حجمه، تنخفض. والسبب يعود إلى تأثيرات ميكانيكا الكم التي تتيح للإلكترونات التوصيل عبر السطح بكفاءة أعلى كلّما تقلّصت المادة، مما يُقلّل من تشتّت الإلكترونات بدلاً من زيادته.

تفاصيل دقيقة لأسلاك نحاسية في رقاقة إلكترونية توضح تحديات مقاومة النحاس في الترانزستورات النانوية وأهمية مواد بديلة مثل CoSi.
Loading image...
صورة شهيرة لأول توصيل نحاسي ثلاثي الأبعاد في المعالجات الدقيقة، تم الكشف عنها عام 1997. في ذلك الوقت، حل النحاس محل الألمنيوم كمكون في أشباه الموصلات، والآن قد يكون النحاس نفسه على وشك أن يُستبدل. (آي بي إم)

لاختبار هذه الخاصية عملياً، صنع الباحثون رقائق نانوية أحادية البلّور من CoSi بأحجام متفاوتة، ثم قاسوا تغيّر المقاومة الكهربائية مع تغيّر السُّمك. النتائج كانت لافتة: حين خُفِّض سُمك الرقيقة من 1 ميكرومتر إلى ما يقارب 20 نانومتراً، انخفضت المقاومة الكهربائية بمقدار رتبة كاملة أي بعامل عشرة. وعند سُمك 20 نانومتراً، كانت رقيقة CoSi أقلّ مقاومةً بعشر مرات من وصلة نحاسية بالسُّمك ذاته في درجة حرارة الغرفة.

الأرقام التي تُحدّد الفارق

لا تقتصر الميزة على المقاومة المنخفضة. قدرة CoSi على حمل التيار تفوق نظيرتها النحاسية بمئة ضعف وهو فارق جوهري في الدوائر المتكاملة عالية الأداء حيث تُشكّل كثافة التيار عاملاً محدوداً للموثوقية.

وفي اختبارات الترددات الراديوية التي أجراها الباحثون، نقلت رقائق CoSi الإشارات بخسارة ضئيلة حتى 40 غيغاهرتز، وهو نطاق يتجاوز كثيراً من متطلّبات الاتصالات الحديثة. ووصف الباحثون في ورقتهم المنشورة أن هذه الاختبارات "تُثبت بشكل قاطع أن CoSi مادة وصل ذات إمكانات قابلة للتطوير بشكل كبير".

رسم بياني يوضح انخفاض مقاومة كبريتيد الكوبالت CoSi مع تقليل السُمك مقارنة بزيادة مقاومة النحاس Cu، مع تفوق CoSi في قدرة حمل التيار وكفاءته في الوصلات النانوية.
Loading image...
عرض بعض الخصائص الأكثر أهمية لـ CoSi، بما في ذلك انخفاض مقاومته مع تصغير حجمه (أ)، بالإضافة إلى قدرته على حمل التيار الكهربائي (ب)، مقارنة بالمعادن التقليدية. (تشن وآخرون، المواد الطبيعية، 2026)

التوافق مع الرقائق الحالية

النقطة الحاسمة من منظور تطبيقي هي ما إذا كانت هذه المادة قابلة للتكامل مع بنية الرقائق القائمة. لاختبار ذلك، دمج الباحثون رقيقة CoSi النانوية في مذبذب حلقي من السيليكون (Silicon Ring Oscillator)، وهو مكوّن معياري في تقنية CMOS التي تُبنى عليها معظم الرقائق الإلكترونية اليوم.

النتيجة كانت مطمئنة: أظهرت القياسات "تغيّراً ضئيلاً جداً في المقاومة الإجمالية لسلك الوصل"، وحافظ المذبذب على تردّد تشغيله دون اضطراب ملحوظ. هذا يعني أن إدراج CoSi لم يُخلّ بأداء الدائرة، وهو شرط أساسي لأي مادة تطمح إلى دخول خطوط الإنتاج الصناعي.

مخططات ورسومات توضح تجارب قياس مقاومة وصلات CoSi النانوية وأداء مذبذب حلقي مع التوافق مع تقنية CMOS في الرقائق الإلكترونية الحديثة.
Loading image...
توضح الصور الثلاث العلوية إعدادات ونتائج تجربة الحالة الأرضية-الأرضية (GSG)، بينما تبرز الصور الثلاث السفلية إعدادات ونتائج اختبار المذبذب الحلقي. (تشن وآخرون، المواد الطبيعية، 2026)

الثبات تحت الضغط الحراري والكهربائي

من المتطلّبات العملية الأخرى لأي مادة في بيئة الرقائق: الصمود أمام الحرارة والتيارات العالية. وقد أثبت CoSi استقراراً ملحوظاً في كلا الاختبارين؛ إذ تحمّل درجة حرارة 450 درجة مئوية لمدة 200 ساعة متواصلة، وأبدى ثباتاً في مواجهة كثافات تيار مرتفعة.

وخلص الباحثون في مجلة Nature Materials إلى أن "هذه الدراسات تُثبت أن CoSi بديلٌ متفوّق على الوصلات النحاسية، يتجاوزها من حيث الموصلية والموثوقية على المستوى النانوي"، مضيفين أن أداء المادة "يتجاوز بشكل ملحوظ أداء المعادن التقليدية".

ما الذي يعنيه هذا لمستقبل الرقائق؟

الورقة البحثية تُقدّم CoSi باعتباره مرشّحاً جدياً لخلافة النحاس في الجيل القادم من الوصلات النانوية، لكنّ الطريق من المختبر إلى خطوط الإنتاج الصناعي طويلة ومحفوفة بتحدّيات التوسّع في التصنيع، والتكلفة، والتكامل مع عمليات الطبع الضوئي الدقيق. ما أثبتته هذه الدراسة هو الجدوى الفيزيائية والتوافق المبدئي مع منصّة CMOS وهذان شرطان ضروريان، وإن لم يكونا كافيَين وحدهما. السؤال المفتوح الآن: هل يستطيع المصنّعون الكبار من أمثال TSMC وIntel وSamsung ترجمة هذه النتائج إلى عمليات إنتاج قابلة للتطوير؟ الإجابة ستحدّد إلى حدٍّ بعيد متى وكيف يتخلّى العالم عن النحاس في قلب الرقاقة الإلكترونية.

أخبار ذات صلة

Loading...
مركبة الشحن Cygnus XL الأمريكية تشغل محركاتها لرفع مدار محطة الفضاء الدولية استعداداً لوصول مركبة الإمداد الروسية Progress 96.

مركبة سيغنوس ترفع محطة الفضاء الدولية - صورة الفضاء اليومية ليوم 14 سبتمبر 2026"

في مشهد يعكس التعاون الدولي، رفعت مركبة Cygnus XL الأمريكية مدار محطة الفضاء الدولية استعدادًا لوصول مركبة الإمداد الروسية Progress 96. اكتشف كيف يحافظ التعاون العلمي على استمرار البعثات الفضائية. اقرأ المزيد الآن!
علوم
Loading...
مدارات أجسام عبر-نبتونية بعيدة تُظهر تأثيراً جاذبياً مفترَضاً للكوكب التاسع في حافة النظام الشمسي.

هل يوجد كوكب تاسع مخفيّ في نظامنا الشمسي؟

هل يختبئ كوكب تاسع ضخم في أعماق المجموعة الشمسية يغير قوانين الفيزياء الفلكية؟ اكتشف أحدث الأدلة والنظريات التي تعيد صياغة فهمنا للكون. تابع معنا رحلة البحث والتطور العلمي في هذا المجال المثير.
علوم
Loading...
إطلاق صاروخ Falcon 9 من قاعدة Cape Canaveral حاملاً أقمار SES O3b mPOWER، مع تصاعد اللهب والدخان في سماء صافية.

SpaceX تطلق 3 أقمار اتصالات في الرحلة 700 لـ Falcon

حققت SpaceX إنجازاً تاريخياً بإتمام 700 مهمة إطلاق لصواريخ Falcon، مع تعزيز الاتصالات عبر أقمار SES O3b mPOWER. اكتشف كيف تغيّر هذه التقنية مستقبل الفضاء والاتصالات، وكن جزءاً من الرحلة القادمة!
علوم
Loading...
مخطط تجريبي يوضح خطوات إنتاج الهيدروجين الطبيعي من تفاعل الماء مع خام الحديد في ظروف مختبرية تحاكي البيئة الجيولوجية بأستراليا الغربية.

الباحثون يكتشفون كنزاً من الهيدروجين الأخضر تحت التربة الحمراء الأسترالية

اكتشاف جديد في أستراليا الغربية يكشف عن إنتاج الهيدروجين الطبيعي من خام الحديد بطرق صديقة للبيئة، مما قد يعيد تشكيل مستقبل الطاقة النظيفة. اكتشف المزيد عن هذه الثورة الطاقية وفرصها الواعدة الآن.
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية