وورلد برس عربي logo

أعمال عنف بلفاست تكشف عن أزمة الهوية العرقية

تشهد بلفاست تصاعدًا مقلقًا للعنف العنصري ضد المهاجرين، حيث تحولت أحداث فردية إلى روايات عرقية تهدد السلام المجتمعي. كيف تطورت هذه الأيديولوجيا؟ وما هي العواقب؟ اكتشف المزيد في تحليلنا العميق. وورلد برس عربي.

مشهد من أعمال العنف في بلفاست، حيث يتجمع رجال يرتدون أقنعة بالقرب من حريق ودخان كثيف، مع وجود أطفال ومارة في الخلفية.
تشتعل النيران في مبنى خلال أعمال الشغب في بلفاست، أيرلندا الشمالية، في 9 يونيو 2026 (بول فيث/وكالة الصحافة الفرنسية)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

حين اندلعت أعمال العنف في بلفاست هذا الأسبوع، لم تكن المشاهد المصوَّرة تحتاج إلى تعليق: رجال يرتدون أقنعة يتجمّعون في مجموعات كبيرة، سياراتٌ وحاويات قمامة تشتعل، ودخانٌ كثيف يلفّ الأحياء السكنية. كان الحشد يتحرّك في الشوارع، يكسر النوافذ ويدمّر الأبواب، مستهدفاً المنازل التي يُعتقد أنها تعود لمهاجرين. تعرّض صالون حلاقة تركي ومحلٌّ تجاري يملكه عربي للهجوم. ظهرت نقاطُ تفتيش ارتجالية، يوقف فيها الرجال السيارات ويتفحّصون هويات السائقين العرقية.

هذه مشاهد من بلفاست في أيرلندا الشمالية. [جاء العنف في أعقاب طعن أُصيب فيه رجلٌ أبيض بجروح بالغة في عينه ورقبته وظهره. سرعان ما تبيّن أن المشتبه به مواطنٌ سوداني دخل المملكة المتحدة عبر مسارات قانونية. انتشرت مقاطع مصوّرة للحادثة بسرعة مذهلة عبر الإنترنت.

في غضون ساعات، كان شخصياتٌ عامة من أمثال Nigel Farage وRupert Lowe وKatie Hopkins وRichard Dawkins يُقدّمون الاعتداء دليلاً على تهديدٍ أشمل يمثّله المهاجرون. وُصف الهجوم بأنه محاولة «قطع رأس»، ليتحوّل بذلك فعلُ عنفٍ فردي إلى روايةٍ عرقية عن أمّةٍ محاصَرة. ودعا الناشط اليميني المتطرف Tommy Robinson أنصاره إلى «النزول إلى الشوارع»، فيما أسهمت منصّة X التي يملكها Elon Musk في تضخيم هذه الرسائل ونشرها لملايين المتابعين.

غير أن من الخطأ تفسير ما جرى بالإشارة إلى Robinson وحده، أو إلى خوارزميات التواصل الاجتماعي، أو إلى حفنةٍ من المحرّضين اليمينيين المتطرفين. فكلٌّ من هؤلاء أدّى دوراً، لكن التركيز عليهم وحدهم يحجب حقيقةً أكثر إزعاجاً.

كما لا ينبغي تلطيف هذا العنف بوصفه «احتجاجات ضد الهجرة»، أو اختزاله في مفاهيم ضبابية من قبيل «توتّرات مجتمعية». مثل هذه الصياغات تُخفي الطابع العرقي الصريح للهجمات، وتُغطّي على العنصرية السائدة ضد المسلمين والمهاجرين التي هيّأت الأرض لهذه الأحداث.

الأسئلة الجوهرية هي: كيف وصل هؤلاء الرجال إلى تصوّر أنفسهم حُماةً للوطن؟ ولماذا باتت نداءات العدالة الشعبية العرقية تجد صدىً متنامياً في الثقافة السياسية البريطانية؟

تهديدات وجودية

لم تكن أحداث بلفاست مجرّد نتاجٍ لمتطرّفين هامشيين استغلّوا مأساةً فردية. بل نبعت من أيديولوجيا كراهيةٍ أوسع، ظلّت لسنواتٍ تُصوّر المهاجرين ولا سيّما المسلمين باعتبارهم تهديداً وجودياً. ومن خلال هذه العملية، بات كثيرٌ من المواطنين البيض يتخيّلون أنفسهم أعضاءً في مجتمعٍ محاصَر، تقع على عاتقهم مسؤولية الدفاع عن الأمّة البيضاء في مواجهة أعدائها من الداخل.

والأخطر من ذلك أن بلفاست تكشف عن ديناميكيةٍ عرقية خطيرة، تقوم على توظيف فاعلين في التيار السياسي السائد لخطابٍ يُضفي الشرعية على أشكال السياسة الشعبية العنيفة أو يشجّعها ضمنياً، مع الاحتفاظ بإمكانية إنكار المسؤولية عن العواقب.

الهويات العرقية ليست ثابتة؛ إنها تُصنَع عبر الروايات والرموز والقصص التي تُعلّم الناس من هم وما الذي يجب أن يخافوه. المتطرّفون اليمينيون لا يُولَدون على هذا النحو؛ بل يُصنَعون. تتشكّل رؤيتهم للعالم من خلال خطاباتٍ عرقية تتداول على نطاقٍ واسع في المجتمع: من الشبكات الهامشية على الإنترنت والمنظومات الإعلامية البديلة، إلى أعمدة الصحف ونقاشات التلفزيون وسياسات الحكومة.

منذ أكثر من عقد، تجاوزت العنصرية ضد المسلمين والمهاجرين حدود اليمين المتطرف المنظَّم. فقد عمد سياسيون وصحفٌ إلى تصوير طالبي اللجوء على أنهم مجرمون وإرهابيون ومتطفّلون على كرم بريطانيا. وبات الحديث عن الهجرة يُقدَّم لا بوصفها تحدّياً إنسانياً، بل قضيةَ أمنٍ قومي تستوجب تدابير استثنائية.

وقد جسّد شعار «أوقفوا القوارب» الذي عُرض على منصّة رئيس الوزراء هذه السياسة العرقية بجلاء. وكذلك تحذيرات وزيرة الداخلية السابقة Suella Braverman من «غزو» يتهدّد الساحل الجنوبي لبريطانيا، و وصف وزير الهجرة السابق Robert Jenrick للبلاد بأنها «فندق بريطانيا».

بين عامَي 2021 و2023، لم تتوقّف الصحف اليمينية عن تقديم عمليات العبور عبر القناة الإنجليزية دليلاً على دولةٍ فقدت السيطرة على حدودها. ركّزت التغطية على الأعداد المتصاعدة وتكاليف الإيواء ومعارك الترحيل وإخفاقات التطبيق، ممّا رسّخ الانطباع بأن بريطانيا تتعرّض لحصارٍ ممّا وصفه رئيس الوزراء الأسبق David Cameron بـ«سيلٍ من البشر».

الحراسة الشعبية البيضاء

نادراً ما تدعو هذه الروايات إلى العنف صراحةً. لكنها تفعل شيئاً أشدّ خطورةً في دقّته: تُشجّع المواطنين على رؤية أنفسهم مشاركين في نضالٍ وطني ضد وجودٍ خطير وغير شرعي.

والنتيجة هي تشكيل قاعدةٍ شعبية مُهيَّأة للإيمان بأن بقاء الأمّة على المحكّ. وحين يصل الناس إلى رؤية أنفسهم مدافعين عن أمّةٍ بيضاء مهدَّدة، تصبح الخطوة التالية ممكنة: تعبئة المواطنين العاديين لمواجهة التهديد العرقي المتصوَّر بأنفسهم.

هنا يغدو «الحارس الشعبي الأبيض» مفيداً سياسياً. فهو يمارس أشكال الترهيب والعنف العرقي التي لا يستطيع السياسيون في التيار السائد تأييدها علناً، بينما يحتفظ هؤلاء السياسيون بإمكانية إنكار مسؤوليتهم عن العواقب.

شهدنا هذه الديناميكية خلال الجدل المحتدم حول مسيرات دعم فلسطين التي اندلعت في أعقاب الحرب على غزة في أواخر عام 2023. فقد حذّرت Braverman من «إرهابٍ إسلامي في شوارع بريطانيا»، وحثّت البريطانيين على «الوقوف في وجه الغوغاء». وبالمثل، دعا المعلّق Douglas Murray شعب بريطانيا إلى «الخروج وإيقاف هؤلاء البرابرة»، مُصوِّراً الأمر تهديداً للنصب التذكاري للحرب.

لم يدعُ أيٌّ منهما صراحةً إلى عمل شعبي. غير أن كليهما استحضر إمكانية أن يضطرّ المواطنون العاديون إلى التدخّل، لأن السلطات لن تفعل ذلك.

فهم اليمين المتطرف الرسالة. حشد Robinson أنصاره. تنظّمت الشبكات عبر Telegram وWhatsApp. سافر رجالٌ إلى لندن مدّعين أنهم جاؤوا للدفاع عن الوطن. وانتهى بعضهم إلى مهاجمة المتظاهرين المؤيّدين لفلسطين، وإلقاء المقذوفات، والاعتداء على المعارضين، وتوجيه إهاناتٍ عنصرية لعابري الطريق.

و وصف المشاركون أنفسهم في الغالب بأنهم حُماةٌ لا معتدون. قال أحدهم لصحفيين إنه جاء «في حال تجاوز الجهاديون الشرطة». وربط آخر صراحةً حضوره بخطاب Braverman، محذّراً من أن بريطانيا «تسير نائمةً نحو حربٍ عرقية».

وفي الآونة الأخيرة، تجلّت نداءاتٌ مماثلة للعنف في دعوة Farage الجمهور البريطاني إلى إظهار «غضبٍ خالص وبارد» إثر مقتل Henry Nowak.

لا تستمدّ مثل هذه التدخّلات أهميتها من كونها تدعو إلى العنف العرقي صراحةً فحسب، بل لأنها تستدعي قوّةً شعبية مستعدّة للعمل خارج الأطر الديمقراطية المعتادة.

نمطٌ أوسع

هذا المنطق السياسي ليس حكراً على بريطانيا.

رأيناه في تعبئة الرئيس الأمريكي Donald Trump لأنصاره إثر خسارته الانتخابية عام 2020، وهو ما بلغ ذروته في اقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021. ونراه في ترويج حكومة Modi لروايات «الجهاد العاطفي» (love jihad) التي أشعلت أعمال عنفٍ جماعية ضد المسلمين في الهند. ونراه في عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلّة، الذي كثيراً ما يجد تمكيناً أو شرعيةً من فاعلين في التيار السياسي الإسرائيلي السائد. وتاريخياً، تجلّى في العلاقة الوثيقة بين منظّمة كو كلوكس كلان والسلطات المحلية في جنوب الولايات المتحدة.

في كلّ حالةٍ من هذه الحالات، ينهض فاعلون من خارج مؤسسات الدولة بأشكال من الضبط العرقي التي لا تستطيع النخب السياسية دائماً تفويضها علناً، لكنها تجدها مفيدةً سياسياً مع ذلك.

بل إن مثل هذا العنف يؤدّي وظيفةً سياسية محدّدة: إنه يُحدّد من ينتمي إلى هذا المجتمع ومن لا ينتمي، وما الذي قد يحدث لمن يُرى أنه تجاوز الحدود العرقية.

لهذا كلّه، لا ينبغي أن يُفهم ما جرى في بلفاست مجرّد انهيارٍ في النظام السياسي البريطاني. فهو في وجوهٍ مهمّة تعبيرٌ عن هذا النظام لا استثناءٌ منه.

لسنواتٍ طويلة، حثّت الثقافة السياسية البريطانية الناس على رؤية المهاجرين غزاةً، وطالبي اللجوء تهديداً، والمسلمين مشكلةً تستوجب الإدارة والاحتواء. حين يُكرّر الشخصيات العامة على مسامع المواطنين أن الأمّة تتعرّض لحصار، فإن بعضهم سيخلص حتماً إلى أن الدفاع عنها واجبٌ يقع على عاتقه.

هذا بالضبط ما يجعل بلفاست حدثاً بالغ الدلالة. الرجال الذين هاجموا منازل وأعمال المهاجرين والمسلمين لم يكونوا يعتقدون أنهم يتصرّفون ضد الوطن. كانوا يعتقدون أنهم يتصرّفون من أجله.

السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان متطرّفون هامشيون قد استغلّوا مأساةً فردية. السؤال هو: لماذا تعلّم هذا العدد الكبير من الناس أن العنف العرقي ضربٌ من ضروب الدفاع الوطني؟

أخبار ذات صلة

Loading...
صابر عميتل، شاب بدوي من النقب، يظهر في صورة أمام نافورة، حيث توفي بعد اعتقاله في سجن شيكما.

طفل سليم دخل السجن وخرج جثة: بدوي يرتقي في الحجز الإسرائيلي

في واقعة مأساوية، وُجد صابر الأميطل، المواطن البدوي، فاقداً للوعي في سجن شيكما، حيث أثار استشهاده تساؤلات حول حقوق المعتقلين. تابعوا القصة الكاملة لتكتشفوا تفاصيل مؤلمة تعكس واقعاً مريراً.
حقوق الإنسان
Loading...
خريطة توضح موقع ليبيا مع الإشارة إلى المدن الرئيسية مثل طرابلس وبنغازي، مما يعكس السياق الجغرافي للأحداث السياسية والحقوقية في البلاد.

القائد الليبي المتهم بالانتهاكات في مركز احتجاز يُدان أخيراً

في حكم تاريخي، أدانت المحكمة الجنائية في طرابلس أسامة عنجيم بتهمة انتهاك حقوق المحتجزين، مما يسلط الضوء على الانتهاكات في مراكز الاحتجاز الليبية. اكتشف المزيد حول تداعيات هذا الحكم وتأثيره على المهاجرين.
حقوق الإنسان
Loading...
تظهر الصورة آثار الدمار في مدينة صور اللبنانية، مع لافتة تحذيرية تشير إلى أهمية حماية المواقع الأثرية وسط الخراب.

إسرائيل وأمريكا تمحو التراث الحضاري لإيران ولبنان

عندما هدمت طالبان تمثالَي بوذا في باميان عام 2001، أثار ذلك جدلاً عالمياً حول التراث الإنساني. لكن، هل تساءلت عن ازدواجية المعايير في الاهتمام بالثقافة؟ تابع القراءة لاكتشاف المزيد عن تدمير الحضارات وأثره على هويتنا.
حقوق الإنسان
Loading...
اجتماع لمناقشة الاعتداءات العنصرية في اسكتلندا، بحضور مسؤولين وممثلين عن المجتمع المسلم، وسط قلق متزايد من تصاعد جرائم الكراهية.

الشرطة الاسكتلندية تحقق في هجمات إدنبرة الموصوفة بـ"معاداة الإسلام"

في قلب إدنبرة، اهتزت المدينة بسلسلة اعتداءات عنيفة استهدفت رجالاً مسلمين، مما أثار غضباً واسعاً. كيف تتصاعد جرائم الكراهية في المملكة المتحدة؟ تابعوا التفاصيل الكاملة حول هذه الأحداث المروعة وتأثيرها على المجتمع.
حقوق الإنسان
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية