وورلد برس عربي logo

رحلة النجوم الأولى وصناعة عناصر الكون الحياتية

مشروع MEGATRON يربط بين رصد تلسكوب جيمس ويب وعلوم النجوم العتيقة ليكشف كيف صنعت النجوم الأولى العناصر التي تبني حياتنا والكون. اكتشف كيف تغير فهمنا للكون المبكر عبر محاكاة دقيقة تجمع الماضي بالحاضر في رحلة كونية فريدة من نوعها. وورلد برس عربي

محاكاة تفصيلية لتطور المجرات الفتية في الكون المبكر تظهر توزيع الغاز الساخن والكثيف باستخدام مشروع MEGATRON المرتبط برصد تلسكوب جيمس ويب.
الشبكة الكونية البنفسجية من الغاز تغذي تكوين النجوم المكثف في أولى المجرات. (حقوق الصورة: هارلي ب. كاتز، مارتن ب. ري)
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

الكربون والأكسجين والحديد التي تتكوّن منها أجسادنا وتُبنى منها كواكبنا لم تكن موجودة عند ميلاد الكون؛ صنعتها النجوم الأولى في أفرانها الداخلية، ثم بعثرتها في الفضاء عبر انفجاراتها الهائلة. فهم كيفية حدوث ذلك كان ولا يزال أحد الأسئلة المفتوحة في علم الفلك، لكنّ مشروع محاكاة علمي يحمل اسماً يستعيره هواة أفلام الخيال العلمي MEGATRON بدأ يقدّم إجاباتٍ أكثر دقّة، عبر ربط ما يرصده تلسكوب جيمس ويب الفضائي في أطراف الكون المرئي بما تحتفظ به نجوم عتيقة في مجرّة درب التبّانة من بصماتٍ كيميائية.

المشروع، الذي انطلق عام 2023 ومن المقرّر أن يستمر حتى عام 2030، يجمع بين بيانات تلسكوب جيمس ويب ونماذج محاكاة كونية تتضمّن فيزياء الإشعاع والتفاعلات الكيميائية وتشكّل المجرّات، في ما يُوصف بأنّه أكثر محاكاةٍ تفصيلاً حتى الآن للكون في عصوره الأولى. ونتائجه الأولى، المنشورة عبر أربعة أبحاث في مجلّة Open Journal of Astrophysics، تتناول تحديداً العلاقة بين رصدٍ مباشر لمجرّاتٍ فتيّة ودراسة أثرٍ كيميائي محفوظ في نجومٍ قديمة داخل مجرّتنا نفسها.

كيف يصنع المشروع جسراً بين مرصدَين مختلفَين تماماً؟

يقول مارتن ري، الباحث في قسم الفيزياء بجامعة باث: «العناصر التي تجعل عالمنا وحياتنا ممكنَين الكربون والأكسجين والحديد وعناصر أخرى كثيرة صاغتها النجوم. ولفهم من أين أتت هذه العناصر، نحتاج إلى فهم كيف تشكّلت النجوم الأولى وكيف أغنت محيطها بهذه المواد». هذه النجوم الأولى، المعروفة علمياً باسم نجوم الجيل الثالث (Population III)، تكوّنت أساساً من الهيدروجين والهيليوم، العنصرين المتاحين في طفولة الكون، قبل أن تصنع في داخلها عناصر أثقل يُطلق عليها الفلكيون اسم «المعادن»، ثم توزّعها عند موتها كمستعرّات عظمى لتصبح لاحقاً مادة خام لنجومٍ وكواكب، وربما لحياةٍ لاحقة.

المشكلة أنّ تلك الحقبة التي يصفها الباحثون بـ«العصور المظلمة الكونية» بعيدة جداً عن أي رصدٍ مباشر، ولا سبيل لدراستها إلا عبر طريقين متوازيين: إمّا رصد الضوء القادم من مجرّاتٍ فتيّة بعيدة كما يلتقطه تلسكوب جيمس ويب، أو دراسة ما يسمّيه الباحثون «علم الآثار النجمي»، أي فحص التركيب الكيميائي لنجومٍ عتيقة ما زالت موجودة في جوارنا المجرّي. يصف ري الفكرة بوضوح: «تلسكوب جيمس ويب يمنحنا لمحةً مباشرة عن الكون في طفولته، بينما يتيح لنا علم الآثار النجمي دراسة بقايا تلك الحقب المبكرة في محيط مجرّتنا نفسها». ويضيف: «MEGATRON يوفّر جسراً فيزيائياً بين الاثنين».

محاكاة تفصيلية لنجوم الجيل الثالث في الكون المبكر تظهر التفاعلات الكيميائية والإشعاعية التي شكلت العناصر الأساسية للحياة.
Loading image...
رسم توضيحي فني يبيّن كيف قد تكون النجوم الأولى في الكون قد ظهرت. (حقوق الصورة: ن. ر. فولر، المؤسسة الوطنية للعلوم)

عملياً، حاكى الفريق تطوّر مجرّة فتيّة تمتلك إمكانية النمو لاحقاً إلى كتلةٍ مشابهة لمجرّة درب التبّانة، بدءاً من غازٍ نقي من الهيدروجين والهيليوم فقط. وتابعت المحاكاة حركة الغاز، وضوء النجوم الناشئة، وتغيّر التركيز الكيميائي للمادة المحيطة، على امتداد مليارات السنين وهو نطاقٌ زمني وتفصيلي لا تستطيع معظم النماذج التقليدية محاكاته بهذا المستوى من الدقّة.

ماذا يعني هذا لنماذجنا الحالية عن الكون المبكر؟

النتيجة اللافتة أنّ بعض النماذج الكونية المعتمدة حالياً قد تقلّل من تقدير تأثير إشعاع النجوم والتغيّرات الكيميائية في الغاز المحيط بالمجرّات الفتيّة. فالإعادة البنائية عالية الدقّة التي أنتجها MEGATRON كشفت عن تراكيب غازية لم تظهر إطلاقاً في النماذج الأبسط وهو ما قد يفرض تعديلاً في كيفية قراءة الرصد الفلكي الحالي والمستقبلي لمجرّاتٍ بعيدة. يلخّص ري الفائدة المنهجية للمشروع بقوله: «MEGATRON يوفّر إطاراً فيزيائياً مشتركاً لتفسير مجموعتَي بيانات من أكثر ما يُثير حماسة الفلكيين حالياً: صورة تلسكوب جيمس ويب لأقدم المجرّات، والسجلّ الأحفوري النجمي». ويضيف: «معاً، تتيح لنا هذه الأرصاد المتكاملة اختبار نماذج متنافسة للنجوم الأولى بطرقٍ لم تكن متاحة من قبل».

هذا النهج مقارنة محاكاةٍ تفصيلية برصدٍ مباشر من جهة، وبأدلّة كيميائية محفوظة في نجومٍ قديمة من جهة أخرى يتيح للفريق اختبار فرضياتٍ متنافسة حول طبيعة أول جيلٍ من النجوم بطريقةٍ مباشرة لم تكن ممكنة سابقاً، بدلاً من الاكتفاء بنمذجةٍ نظرية بحتة.

ما الذي ينتظره الفلكيون في السنوات المقبلة؟

يخطّط فريق المشروع لمواصلة استخدام MEGATRON لتوثيق الصلة بين الرصد والنظرية، في وقتٍ يُتوقَّع أن توفّر أرصاد تلسكوب جيمس ويب، إلى جانب مسوحٍ فلكية واسعة النطاق، معطياتٍ إضافية حول المجرّات المبكرة والنجوم العتيقة. وبما أنّ المشروع مُجدوَلٌ للاستمرار حتى عام 2030، فمن المرجّح أن تتوالى نتائجه تباعاً، كلّ مرة باختبار جزءٍ جديد من الفرضيات حول كيفية صناعة الكون لأولى مكوّناته الكيميائية تلك المكوّنات ذاتها التي، بعد مليارات السنين من رحلتها عبر النجوم والانفجارات والغبار الكوني، انتهى بها المطاف عناصر أساسية في كل كائنٍ حي على كوكب الأرض.

أخبار ذات صلة

Loading...
منظر تخيلي للأرض القديمة مع براكين نشطة ومحيطات تعكس دورات الفوسفور التي ساعدت في استدامة الأكسجين وحياة معقدة.

كيمياء المحيطات القديمة تُرشد البحث عن الحياة في العوالم الأخرى

كيف حافظت الأرض على الأكسجين في غلافها الجوي بعد مليارات السنين؟ اكتشف دراسة جديدة دور دورة الفوسفور في المحيطات القديمة التي دعمت استدامة الحياة المعقدة. تابع القراءة لتعرف التفاصيل!
علوم
Loading...
سلحفاة صغيرة من نوع diamondback terrapin برأسين على جسم واحد، تم العثور عليها في ماساتشوستس، تعكس ظاهرة نادرة وتهديدات بيئية.

سلحفاة برأسين نادرة تُكتشف في كيب كود

اكتشف ظاهرة نادرة بسلاحف diamondback terrapin ذات الرأسين في ماساتشوستس المهددة بالانقراض، مما يسلط الضوء على تأثير العوامل الوراثية والبيئية. تابع التفاصيل لتعرف أكثر عن هذه الظاهرة البيئية الفريدة.
علوم
Loading...
ثقب أسود هائل ينطلق منه نفاث طاقة قوي يؤثر على الغاز المحيط في المجرة، موضحًا دور الثقوب السوداء في تعطيل تشكّل النجوم.

ثقوب سوداء عملاقة تقتل مجرّاتها بـ"أسلحة البلازما"

الثقوب السوداء الهائلة تؤثر في مجرات بأكملها عبر نفاثات طاقة تمتد لمئات آلاف السنين الضوئية، تعطل تشكل النجوم وتكشف لغز موت المجرات. اكتشف كيف تغير هذه الدراسة فهمنا الكوني وابقَ متابعاً للمزيد.
علوم
Loading...
مركبة Crew-13 التابعة لـ SpaceX تقترب من محطة الفضاء الدولية في رحلة قياسية أمريكية تستغرق 7 ساعات و55 دقيقة فقط.

رحلة تاريخية: رواد SpaceX يصلون للمحطة الفضائية في أسرع إقلاع أمريكي

حققت رحلة Crew-13 من SpaceX أسرع وصول أمريكي لمحطة الفضاء الدولية في 7 ساعات و55 دقيقة، ما يعكس تطوراً مذهلاً في هندسة الرحلات الفضائية. اكتشف أسرار هذا الإنجاز وكيف يغير قواعد سباق الفضاء الآن!
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية