حظر العربية في العمل يعكس تصاعد التمييز ضد الفلسطينيين
تواجه العاملات والعمال الفلسطينيون في إسرائيل حظر التحدث بالعربية في أماكن عملهم وسط تصاعد التمييز العنصري. قصة سلمى تكشف واقعاً مؤلماً يعكس تحديات الهوية والحقوق في بيئة عمل تهيمن عليها الأغلبية. وورلد برس عربي

تلقّت سلمى صدمةً غير متوقّعة حين أرسل مديرها رسالةً إلى مجموعة WhatsApp الخاصة بالموظّفين، يطلب فيها من العمّال الإقرار بحظر التحدّث بالعربية داخل المتجر.
لم تأخذ الشابة الفلسطينية ذات التسعة عشر عاماً وهي مواطنة فلسطينية تحمل الجنسية الإسرائيلية ولا زميلاتها الأمر بجدّية، واعتبرن الأمر سخيفاً فتجاهلنه.
غير أنّها قالت : "في اليوم التالي، كنّا نخشاها ونحاول التزام الصمت."
لكنّ الصمت لم يدم طويلاً.
إذ تكلّمت إحدى الزميلات بالعربية للحظةٍ وجيزة، مُخبِرةً بأنّها ستحمل صندوقاً إلى المستودع، مستخدِمةً حتى الكلمة العبرية للمستودع، ممّا كان يدلّ بوضوح على أنّ حديثها يتعلّق بالعمل.
فانفجرت المديرة.
تستذكر سلمى: "بدأت تصرخ وتركل الصناديق، وتخبرنا بأنّنا ممنوعات من التحدّث بالعربية."
"وقالت لنا: 'هذه دولة يهودية. هنا نتحدّث العبرية فقط. العربية تبقى في البيت.'"
تجربة سلمى واحدة من حالاتٍ عدّة أفادت بها عاملاتٌ وعمّال فلسطينيون في الأشهر الأخيرة، يقولون إنّهم أُبلِغوا بعدم التحدّث بالعربية في أماكن عملهم.
وتمتدّ هذه الشكاوى لتشمل المستشفيات والصيدليات والمتاجر.
ومن أحدث هذه الحالات، ما تعرّض له موظّف فلسطيني في أحد فروع Good Pharm في يافا، حين نشرت وسائل الإعلام المحلية رسائل WhatsApp يُهدّد فيها مدير المتجر وفق ما قال الموظّفون الذين يتحدّثون بلغةٍ غير العبرية، مدّعياً أنّ سماع العربية قد يُنفّر الزبائن الذين أصابهم صدمةٌ نفسية جرّاء أحداث السابع من أكتوبر.
وأعلنت Good Pharm أنّها توظّف وتخدم أشخاصاً من جميع شرائح المجتمع، وأنّها ملتزمة بمبدأ المساواة، وستتعامل مع تصرّف المدير داخلياً. بيد أنّ العمّال الفلسطينيين يقولون إنّ شيئاً يكاد لا يتغيّر على أرض الواقع.
الشعور بالتمييز العنصري
في حالة سلمى، كان جميع العاملين في قاعة المتجر فلسطينيين، ولم تكن المديرة سوى الإسرائيلية اليهودية الوحيدة في المكان.
وأفادت بأنّ الحظر ظلّ سارياً حتى حين يُغلق المتجر أبوابه ولا يكون ثمّة زبائن.
احتجّ عددٌ من الموظّفين، فوجدوا أنفسهم بلا مناوبات لنحو شهرَين، قبل أن يُعرض عليهم الانتقال إلى فروع يصعب الوصول إليها.
قالت سلمى: "بدلاً من إقالة المديرة أو محاسبتها، آثرت الشركة أن تطلب منّا تغيير مكان عملنا."
وعلى الرغم من إعلان الشركة إدانتها للعنصرية والتمييز، تقول سلمى إنّ هذه التجربة لا تزال تلاحقها.
وهي تستعدّ الآن لدخول الجامعة، غير أنّها تقول إنّها باتت أكثر قلقاً من الانخراط في بيئةٍ تغلب عليها الأغلبية اليهودية.
"كنت قد سمعت عن العنصرية من قبل، لكنّني لم أفهم الشعور بها حقّاً إلا الآن"، قالت.
"كانت المرّة الأولى التي أفهم فيها ما يعنيه أن يُسيء إليك أحدٌ معاملتك لمجرّد هويّتك."
تصاعد وتيرة التمييز
المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل هم السكّان الأصليون لفلسطين التاريخية الذين بقوا في أرضهم بعد أن هجّرت الميليشيات الصهيونية نحو 750,000 فلسطيني خلال نكبة عام 1948 لإقامة دولة إسرائيل.
ويبلغ عدد هذا المجتمع اليوم نحو مليونَي شخص، يمثّلون ما يقارب 20 بالمئة من إجمالي سكّان إسرائيل.
ومنذ أكتوبر 2023، تصاعدت وتيرة الاعتقالات والإجراءات التأديبية وحالات الفصل من العمل بحقّهم بسبب مواقفهم السياسية المتعلّقة بما يجري في غزة.
ويرى المحامون أنّ القضايا التي تطفو على السطح لا تمثّل سوى جزءٍ يسير من تلك التي تجري فعلياً. ويؤكّدون أنّ ما تغيّر ليس وجود التمييز في حدّ ذاته، بل الجرأة التي يُمارَس بها.
وقالت علياء زعبي، المحامية المتخصّصة في قانون العمل: "معظم القضايا التي تصل إلى مكتبي الآن من بيئات العمل اليهودية تنطوي على عنصرية."
"وقد شهدنا ارتفاعاً ملحوظاً."
وأوردت زعبي حالةً تعرّضت فيها موظّفة فلسطينية شابة لنوبة هلعٍ إثر أشهرٍ من المعاملة التمييزية على يد مديرها. وأضافت أنّه استُدعيت سيارة إسعاف، إلا أنّ صاحب العمل أرسل المرأة إلى المستشفى وحدها.
وفي حالةٍ أخرى، فُصلت موظّفة فلسطينية حاملٌ دون الحصول على الترخيص القانوني المطلوب.
التحدّيات القانونية
في عام 2018، أقرّت إسرائيل قانون القومية المثير للجدل، الذي أعلن العبرية اللغةَ الرسمية الوحيدة للدولة، وخفّض مكانة العربية إلى لغةٍ ذات "وضع خاص".
وعلى الرغم من أنّ القانون أبقى على الاستخدام الفعلي للعربية في الخدمات الحكومية والتعليم واللافتات العامة، يقول الفلسطينيون إنّ الضغط على مظاهر هويّتهم ازداد حدّةً منذ ذلك الحين.
وبحسب زعبي، فإنّ التحدّي من الناحية القانونية لا يكمن في الغالب في التعرّف على التمييز، بل في إثبات دوافع صاحب العمل وفق المعايير التي تشترطها المحاكم.
ويحظر قانون تكافؤ فرص العمل الإسرائيلي التمييز على أسسٍ تشمل الجنسية والعرق والدين، غير أنّه لا يكفل صراحةً حقّاً مطلقاً في استخدام أيّ لغة في كلّ بيئات العمل.
ويرى خبراء القانون أنّ الحظر الشامل على اللغة العربية لا سيّما في المحادثات الخاصة أو حين لا تستلزم طبيعة العمل استخدام العبرية قد يرقى إلى مستوى التمييز غير المشروع.
غير أنّ زعبي أكّدت: "الحماية القانونية الرسمية تفقد قيمتها حين يكون تطبيقها بطيئاً ومُكلفاً وغير مضمون النتائج."
وأضافت أنّ الرخاوة في التعامل مع قضايا الفلسطينيين منذ السابع من أكتوبر لا يمكن إغفالها، مشيرةً إلى أنّ مطالبات قد تبلغ قيمتها عشرات الآلاف من الشواكل كثيراً ما تنتهي بتسوياتٍ لا تمثّل سوى جزءٍ ضئيل من تلك القيمة.
ويُحجم العمّال والمحامون على حدٍّ سواء عن المضيّ في هذه القضايا بسبب المخاطر المالية، حتى حين يكون التمييز جليّاً في نظر المتضرّرين.
وقد تخلّت كلٌّ من سلمى والموظّف في Good Pharm في نهاية المطاف عن خطط رفع الدعوى، بعد أن أُشير إليهما بأنّ القضايا ستكون مطوّلة ومُكلفة وعسيرة الإثبات.
وختمت زعبي بقولها: "حين أقف في المحكمة، أشعر أنّني المحامية والموكّلة في آنٍ واحد."
"فأنا أيضاً أعيش هذه العنصرية بوصفي امرأةً فلسطينية في إسرائيل.".
أخبار ذات صلة

مدّعون يسعون لإسقاط تهمة عن زعيم عمالي كاليفورني اعتُقل في احتجاج هجري

الهند تأمر بحملة مصادرة كتب واسعة في مكتبات كشمير

راهبة تروي تجربتها: احتجاز ICE أثناء ذهابها للقداس في تكساس
