حزب العمال وتحول موقفه من القضية الفلسطينية
بعد اعتذار محدود من Andy Burnham عن إخفاقات حزب العمال تجاه فلسطين يظهر انقسام داخلي وضغوط شعبية لتغيير جذري في الموقف من الاحتلال الإسرائيلي ودعم حظر الأسلحة والتجارة مع المستوطنات في خطوة لاستعادة ثقة الناخبين وورلد برس عربي.

بعد صمتٍ شبه تام حافظ عليه Andy Burnham طوال فترة حملته العلنية لقيادة حزب العمّال، كسر هذا الصمت أخيراً بـ«اعتذارٍ» عن إخفاقات الحزب الماضية في ما يخصّ فلسطين. ولا شكّ أنّ مستشاريه أوضحوا له أنّ تحوّلاً في هذا الملفّ بات ضرورةً لاستعادة الناخبين الذين أدّى تخلّيهم عن الحزب دوراً محورياً في إزاحة رئيس الوزراء Keir Starmer من منصبه.
وإن كانوا يستحقّون رواتبهم فعلاً، فلا بدّ أنّهم أشاروا إلى استطلاعات الرأي الأخيرة التي كشفت أنّ حزب العمّال يخسر ناخبين لصالح أحزاب اليسار أكثر مما يخسرهم لصالح اليمين. وأفاد أكثر من نصف الناخبين الذين تحوّلوا إلى أحزاب يسارية أو وسطية بأنّ موقف الحزب من فلسطين كان عاملاً في قرارهم.
أمّا في صفوف الأعضاء الذين لا يزالون منتسبين إلى حزب العمّال، فقد كشف استطلاعٌ أصدرته Save the Children UK وجماعاتٌ أخرى في يونيو عن دعمٍ واسع لحظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية (87 بالمئة)، وتعليق جميع صفقات الأسلحة مع إسرائيل (78 بالمئة). وأضاف 58 بالمئة من المستطلَعين أنّ الموقف من فلسطين يمثّل عاملاً حاسماً في تقييمهم لمن ينبغي أن يقود الحزب. ثمّة إذن طلبٌ واضح على تحوّلٍ جذري وهذا ليس جديداً.
ففي مؤتمر حزب العمّال في سبتمبر الماضي، أقرّ المندوبون قراراً بدعمٍ ساحق من النقابات العمّالية والمقاطعات الحزبية يقبل استنتاجات تقريرٍ أممي خلص إلى أنّ إسرائيل ترتكب إبادةً جماعية في غزة، ويطالب بفرض حظرٍ شامل على الأسلحة. غير أنّ المشكلة بالنسبة لمن يطالبون بتغييرٍ جذري، داخل الحزب وخارجه، تكمن في أنّ هذا ليس ما يعرضه Burnham على الأقلّ ليس في بيانه الأوّل حول الموضوع.
إخفاقٌ مخجل
حتى اعتذار Burnham عن إخفاقات الحزب جاء محدوداً؛ إذ اقتصر على الإقرار بأنّ استجابة الحزب كانت قاصرةً في بداية الهجوم الإسرائيلي على غزة. وأشار صراحةً إلى تأخّر المملكة المتحدة في المطالبة بوقف إطلاق النار، وهو محقٌّ في ذلك. فقد كان من أبرز مظاهر هذا الإخفاق المخجل أن أصدر Starmer تعليماتٍ لنوّاب الحزب بعدم دعم اقتراح وقف إطلاق النار الذي قدّمه الحزب القومي الاسكتلندي في نوفمبر 2023، في وقتٍ كانت فيه إسرائيل تدمّر البنية التحتية لغزة وتقتل طفلاً فلسطينياً كلّ عشر دقائق.
وتجدر الإشارة إلى أنّ Burnham كان قد أصبح بحلول تلك الفترة واحداً من القلائل من السياسيين البارزين في حزب العمّال الذين انشقّوا عن الموقف الرسمي للحزب، إذ أعلن دعمه لوقف إطلاق النار في أواخر أكتوبر 2023.
بيد أنّ الغضب الشعبي تجاه حزب العمّال لا يتجذّر في تلك الإخفاقات الماضية، بل يغذيه استمرار الحزب في عجزه عن محاسبة إسرائيل، بل وتواصل دعمه العسكري والاقتصادي والسياسي لتل أبيب. ومن أوضح مظاهر هذا الإخفاق الاستجابةُ للرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في يوليو 2024، والذي أكّد عدم مشروعية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وطالب بإنهائه، ودعا الدول الثلاثة بما فيها المملكة المتحدة إلى عدم تقديم أيّ دعمٍ أو مساعدة تُمكّن من استمراره.
ولمدّة عامين، لم تقدّم المملكة المتحدة أيّ ردٍّ على هذا الرأي. وحين سُئل وزير الخارجية Hamish Falconer عن الأمر في اجتماعٍ للجنة البرلمانية في وقتٍ سابق من هذا الشهر، عجز عن الإجابة عن موعد صدور هذا الردّ.
إنّ المطالبة باتخاذ إجراءاتٍ أكثر صرامة إزاء جرائم إسرائيل لا تعني معاملتها بمعيارٍ مختلف عن غيرها من الدول المنتهِكة للقانون الدولي، بل تعني تحديداً تطبيق المعيار ذاته عليها. وينبغي أن يبدأ ذلك بتسمية هذه الانتهاكات بأسمائها الصحيحة. فقد تعامل حزب العمّال في عهد Starmer مع مسألة الإبادة الجماعية بالاختباء خلف حجّة أنّ تحديد ذلك من اختصاص المحاكم لا السياسيين.
والأدهى أنّ Burnham في بيانه الأخير يتراجع خطوةً إلى الوراء، إذ لا يكتفي بعدم الإقرار بالإبادة، بل يُحجم حتى عن التصريح بارتكاب جرائم حرب، مكتفياً بالقول إنّها «يبدو أنّها ارتُكبت».
تصعيدٌ في الضغط
قارن ذلك ببيان Burnham بصفته عمدةً لمانشستر في نوفمبر 2024، حين وصف النزاع في أوكرانيا بأنّه «شهد ارتكاب الحكومة الروسية جرائم حرب وانتهاكاتٍ لحقوق الإنسان». لم تُصدر أيّ محكمة حكماً قاطعاً في هذا الشأن، لكنّ بيانه استند بصورةٍ صحيحة إلى التقارير الوفيرة الصادرة عن هيئات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان. ومع ذلك، حتى حين أصدرت أعلى محكمةٍ في العالم رأيها الواضح أي حكم محكمة العدل الدولية في يوليو 2024 لم يكن ذلك كافياً لدفع حزب العمّال إلى التحرّك.
إن كان Burnham جادّاً في الحاجة إلى تغيير السياسة، فهذا هو الاختبار: هل سيضمن أن تستجيب الحكومة أخيراً لرأي محكمة العدل الدولية وتُنفّذ توصياته كاملةً؟ هل سيتبنّى القرار الذي أقرّه مؤتمر حزب العمّال العام الماضي بقبول التحديد الأممي بأنّ إسرائيل مذنبةٌ بجريمة الإبادة الجماعية؟ وهل سيقبل استنتاجات تقريرٍ إضافي للجنة أممية صدر الشهر الماضي، يوثّق بالتفصيل الدقيق استهداف إسرائيل للأطفال الفلسطينيين، وينفّذ توصياته بالكامل؟
اتّخاذ هذه الخطوات سيُلزم الحكومة بفرض حظرٍ شامل على الأسلحة، وعقوباتٍ شاملة، وإنهاء كلّ تجارةٍ تدعم إسرائيل في انتهاكاتها المستمرّة للقانون الدولي وحقوق الفلسطينيين.
اعتذار Burnham وإقراره بأنّ الحزب أخطأ يجب أن يترافقا مع الاعتراف بأنّ الذين احتجّوا على أفعال إسرائيل وطالبوا بتغيير السياسة كانوا على حقّ. وهذا يعني وضع حدٍّ لقمع الاحتجاجات وحظر منظمة Palestine Action.
لن يقبل المنخرطون في حركة التضامن مع فلسطين في بريطانيا بيانَ Burnham الأخير كافياً، غير أنّهم يستطيعون أن يستخلصوا منه إشارةً إيجابية: إصداره هذا البيان اعترافٌ صريح بأنّ سياسة الحزب تُكلّفه أصواتاً لا يستطيع الاستغناء عنها.
وينبغي قراءة ذلك باعتباره إشارةً إلى تصعيد الضغط، بدءاً بالحرص على أن يكون المسيرة الوطنية المقرّرة في 18 يوليو التي ستنطلق على الأرجح قبل ساعاتٍ من انتقال Burnham إلى مقرّ رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت حاشدةً في أعدادها، وواضحةً في صياغة ما يتطلّبه التغيير الحقيقي.
أخبار ذات صلة

عشرات النواب البريطانيين يطالبون شبانة محمود بعدم حجب الإجلاء من غزة

حقول النفط بالبحر الشمالي: خطة بيرنهام تُرجّح استفادة شركة إسرائيلية مُدرجة بقوائم العقوبات

سياسة الحكومة البريطانية : هل تجنّب المجلس الإسلامي البريطاني حقيقي؟
