الأمراض المقاومة والمخاطر الصحية في ظل تغير المناخ
تغيّر المناخ يسرّع مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية وينشر أمراض القراد والفيروسات مثل غرب النيل وحمّى الضنك. كيف تؤثر الحرارة والجفاف على صحتنا؟ اكتشف التفاصيل في وورلد برس عربي.

ما قد لا يظهر في العناوين الكبرى حول تغيّر المناخ هو هذا: الأزمة الصحية القادمة لن تأتي بالضرورة على شكل موجة حرّ قاتلة أو فيضانٍ مدمّر، بل قد تتسلّل هادئةً في جسد بكتيريا باتت مقاومةً للمضادات الحيوية، أو في لدغة قرادة تحمل مرضاً لم يكن يصل إلى هذا الخطّ الجغرافي قبل عقدٍ من الزمن. الصورة التي ترسمها الأبحاث المتراكمة حتى عام 2026 مقلقة ليس لأنّ كلّ خيطٍ فيها جديد، بل لأنّها جميعها تشتدّ في آنٍ واحد.
حين تُعلّم الجفاف البكتيريا كيف تصمد
في مارس 2026، نشرت مجلة Nature Microbiology دراسةً أجرتها شياويو شان، الباحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه في معهد Caltech، تكشف عن صلةٍ مباشرة بين ظروف الجفاف وتصاعد مقاومة الميكروبات التربوية للمضادات الحيوية. الآلية ليست مجرّد مصادفة بيئية: حين تجفّ التربة، تتعرّض البكتيريا لضغطٍ وجودي يدفعها إلى تسريع عمليات التكيّف الجيني، بما في ذلك تبادل الجينات المقاومة فيما بينها. والأخطر أنّ هذه الميكروبات التربوية قادرةٌ على نقل جينات مقاومتها إلى مسبّبات الأمراض التي تصيب البشر عبر التماسّ البيئي المباشر.
تقول Dianne Newman، عالمة الأحياء الدقيقة في Caltech والمشاركة في تأليف الدراسة، بلغةٍ لافتة في بساطتها: «البستنة، استنشاق الغبار هكذا يحدث الأمر. نحن نتعامل باستمرار مع البكتيريا في بيئتنا». وتضيف في تقييمٍ أشمل: «يمكننا أن نتوقّع وجود مزيدٍ من البكتيريا المقاومة التي تُنتقى في أماكن معيّنة حول العالم».
الإشارة الأضعف هنا التي تستحقّ التوقّف عندها هي أنّ مقاومة المضادات الحيوية كانت تُعدّ تاريخياً مشكلةً طبية بامتياز، مرتبطة بالإفراط في وصف الأدوية وسوء استخدامها. أمّا أن تتحوّل التربة الجافة إلى حاضنةٍ لتطوير هذه المقاومة، فذلك يُضيف بُعداً بيئياً لم تُحسب حساباته الكاملة بعد. وقد ربط باحثٌ في الأكاديمية الصينية للعلوم، Zhen-Chao Zhou، تغيّر المناخ بـ«ارتفاعٍ بنسبة 10% في وفرة جينات مقاومة السالمونيلا للمضادات الحيوية على المستوى العالمي» وهو رقمٌ يبدو متواضعاً إلى أن تتذكّر أنّ السالمونيلا تتسبّب في 1.35 مليون حالة تسمّم غذائي سنوياً في الولايات المتحدة وحدها.
القُراد يتقدّم شمالاً، والأرقام تتحدّث
في أبريل 2026، سجّل مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) أعلى معدّلاتٍ لزيارات الطوارئ بسبب لدغات القراد منذ عام 2017. القراد ليس مجرّد مصدر إزعاج موسمي؛ فهو المسؤول عن 90% من جميع الأمراض التي ينقلها الناقلات الحشرية في الولايات المتحدة. ما يقارب 500,000 شخص يتلقّون العلاج سنوياً من مرض لايم، فضلاً عن أكثر من 8,000 حالة سنوية لأمراضٍ أخرى ينقلها القراد وفق بيانات CDC.
لكنّ الرقم الأكثر إثارةً للدهشة يتعلّق بمتلازمة ألفا-غال (Alpha-gal syndrome)، وهي حساسيةٌ لا علاج لها تجاه اللحوم الحمراء تنقلها قرادة Lone Star. بين عامَي 2013 و2024، ارتفعت الاختبارات الإيجابية للأجسام المضادة لهذه المتلازمة بمقدار 100 ضعف. مئة ضعف في عقدٍ واحد هذا ليس اتّجاهاً خطّياً هادئاً، بل قفزةٌ تكشف عن توسّعٍ سريع في نطاق انتشار هذه الحشرة مع ارتفاع درجات الحرارة.
دراسةٌ نُشرت عام 2022 أشارت إلى أنّ الزيادات الكبرى في مرض لايم لن تحدث إلا عند ارتفاع الحرارة بين 3.5 و5.5 درجة مئوية بحلول عام 2100 وهو سيناريو بات يُعدّ الأقلّ احتمالاً وفق التوقّعات المناخية الراهنة. لكنّ هذا لا يعني الاطمئنان؛ فالتوسّع الجغرافي لأنواعٍ أخرى من القراد يسير بوتيرةٍ مستقلّة عن هذا الحدّ الحراري.
فيروس غرب النيل وحمّى الضنك: الخريطة تتغيّر
حتى الثامن من سبتمبر 2026، سُجّلت 504 حالة إصابة بفيروس غرب النيل في الولايات المتحدة، أصابت 363 منها الجهاز العصبي المركزي وهو ما يُمثّل نسبةً مرتفعةً بشكلٍ لافت، إذ لا يتطوّر عادةً إلى هذا المستوى أقلّ من 1% من الحالات. الجفاف هنا أيضاً يؤدّي دوراً مضاعفاً: تُشير الأبحاث إلى أنّه قد يُقرّب ثلاثة أضعاف عدد حالات غرب النيل في الولايات المتحدة خلال 30 عاماً، من نحو 2,000 حالة سنوياً إلى ما بين 5,000 و6,000 حالة.
يشرح John Drake، مدير مركز بيئة الأمراض المعدية في جامعة Georgia، الآلية بدقّة: «باستثناء الأماكن الحارّة جداً بالفعل، ينبغي أن نتوقّع أن يتسارع معدّل تكاثر الفيروس داخل البعوضة. هذا يُقصّر وقت الجيل، وهو ما يعني أنّنا نتوقّع مزيداً من الانتقال». ويُضيف في تقييمٍ أوسع: «إذا عادت أمراضٌ متوطّنة كهذه إلى الانتشار في الولايات المتحدة، فقد تُصبح عبئاً ضخماً وتكاليفها باهظة».
وفي صيف 2026، سُجّلت أكثر من 40 حالة إصابة محلّية بحمّى الضنك في فلوريدا وهو مرضٌ كان يُعدّ حتى وقتٍ قريب مرضاً مستورداً لا مكتسباً محلّياً في الولايات المتحدة. الخريطة الوبائية تتغيّر بصمتٍ أسرع ممّا تتغيّر الخرائط السياسية.
الكوارث المناخية تُعيد رسم بيئة الأمراض
الأعاصير والفيضانات لا تُدمّر البنية التحتية فحسب بل تُعيد هيكلة البيئة الوبائية بأكملها. بعد إعصار Fiora عام 2022، ارتفعت حالات داء البريميات (leptospirosis) في بورتوريكو 3.6 أضعاف، لتتجاوز 10 حالاتٍ أسبوعياً. وعقب إعصاري Matthew عام 2016 وFlorence عام 2018، ارتفعت زيارات الطوارئ بسبب الأمراض الهضمية في ولاية North Carolina بنسبة 11%. أمّا المناطق التي غمرتها مياه العاصفة الاستوائية Imelda عام 2019 في تكساس، فقد شهدت زيادةً بنسبة 10% في زيارات الطوارئ بسبب الربو مقارنةً بالمناطق غير المتضرّرة.
حمّى الوادي (Valley fever)، وهي مرضٌ فطري تنفّسي متوطّن في جنوب غرب الولايات المتحدة، تُقدّم نموذجاً مختلفاً للانتشار المناخي: تضاعفت حالاتها في ولاية Arizona من 64 حالة لكلّ 100,000 شخص عام 2005 إلى 145 حالة عام 2022، وتتراوح وفياتها السنوية بين 700 و1,100 حالة. والتوقّعات تُشير إلى امتداد نطاقها الجغرافي ليشمل ولاياتٍ شمالية كـIdaho وWyoming وMontana وNebraska والداكوتا الشمالية والجنوبية ولاياتٌ لم تعرف هذا المرض تاريخياً.
الخيط الجامع: كلّ شيء يتفاقم في آنٍ واحد
ما يجعل هذه الصورة مقلقةً بشكلٍ استثنائي ليس أيٌّ من هذه الظواهر منفردةً، بل تزامنها وتشابكها. تقول Marina Romanello، الباحثة الرئيسية في معهد الصحة العالمية بجامعة University College London، بوضوح: «ما يُثير القلق أكثر من أيّ شيءٍ آخر هو أنّ كلّ ذلك يحدث معاً، فنحن نرى كلّ هذه المخاطر تتفاقم في وقتٍ واحد». وتُضيف في سياقٍ أوسع يربط الصحة بالاقتصاد: «حين نتحدّث عن معالجة انبعاثات الغازات الدفيئة، فنحن نتحدّث عن مستقبلٍ مستدام وصالحٍ للعيش مع اقتصاداتٍ صحية».
ثلاثة سيناريوهات تبدو الأكثر واقعيةً في ضوء البيانات المتاحة:
الأرجح: استمرار التوسّع التدريجي لنطاق الأمراض المنقولة بالناقلات الحشرية في الولايات المتحدة وأوروبا وأجزاء من الشرق الأوسط، مع ارتفاعٍ ملموس في حالات مقاومة المضادات الحيوية المكتسبة بيئياً دون أن تُفضي إلى أزمةٍ صحية حادّة في المدى القريب، لكنّها تُرتّب أعباءً متراكمة على أنظمة الرعاية الصحية.
المحتمل: أن تُفضي موجة جفافٍ حادّة أو موسم أعاصير استثنائي إلى انفجارٍ وبائي في منطقةٍ غير مُحصّنة وبائياً كما حدث مع حمّى الضنك في فلوريدا أو البريميات في بورتوريكو ممّا يُكشف هشاشة منظومات الاستجابة الصحية أمام تهديداتٍ لم تكن في حسبانها.
الأقلّ احتمالاً: أن تُفرز الضغوط المتراكمة إرادةً سياسية دولية كافية لتسريع تحوّلٍ هيكلي في منظومتَي الطاقة والصحة العامة معاً وهو السيناريو الذي تُلمح إليه Romanello، لكنّه يظلّ رهيناً بمتغيّراتٍ تتجاوز ما تقوله البيانات الوبائية وحدها.
الإشارة الأضعف في كلّ هذا المشهد هي الأكثر أهمّية: حين تبدأ التربة نفسها في تعليم البكتيريا كيف تقاوم الأدوية التي نملكها، يصبح السؤال ليس «متى تضرب الأزمة الصحية القادمة؟» بل «ما الأدوات التي ستبقى في متناول أيدينا حين تضرب؟».
أخبار ذات صلة

تحذير علمي: انهيار التيارات الأطلسية قد يهدّد الإنتاج الغذائي العالمي

الصين تحقق علامة فارقة في الطاقة الشمسية — ماذا يعني ذلك لأكبر مُصدِر انبعاثات عالمياً؟
