انهيار التيار الأطلسي يهدد أمن الغذاء العالمي
تراجع تيار AMOC في المحيط الأطلسي يهدد بإحداث خسائر زراعية كبيرة وارتفاع حاد في أسعار الغذاء عالمياً مع تأثيرات خطيرة على دول آسيا وأفريقيا. تحذير من أزمة غذائية عالمية لا يمكن التراجع عنها وورلد برس عربي.

تخيّل أن يرتفع سعر الخبز في القاهرة أو كراتشي أو طهران بنسبة تتجاوز الثلث لا بسبب حربٍ أو جفافٍ محلي، بل بسبب تباطؤ تيّارٍ مائي في أعماق المحيط الأطلسي يبعد آلاف الكيلومترات. هذا بالضبط ما تحذّر منه دراسةٌ حديثة تُقيّم التداعيات الزراعية لضعف ما يُعرف بـ «دورة الانقلاب الميريدياني الأطلسي» (Atlantic Meridional Overturning Circulation AMOC)، وهو النظام المائي الذي يُنظّم مناخ الكوكب بنقل الحرارة من المناطق الاستوائية نحو نصف الكرة الشمالي.
ما الذي يحدث بالفعل لهذا التيّار؟
الإشارة الأولى ليست نظريةً مستقبلية إنّها بيانات حاضرة. وفقاً لأبحاث سابقة، يمرّ AMOC اليوم بأضعف مراحله منذ أكثر من 1000 عام، وقد تراجعت قوّته بنسبة تتراوح بين 10% و20% جرّاء التغيّر المناخي. هذا ليس تدهوراً هامشياً في نظامٍ جانبي إنّه اضطرابٌ في آليةٍ مناخية مركزية يتوقّف عليها توزيع الأمطار وتنظيم درجات الحرارة عبر قارّاتٍ بأكملها.
الدراسة الجديدة التي أعدّها باحثون من منظّمة ALLFED (التحالف من أجل إطعام الأرض في الكوارث) ذهبت أبعد من التشخيص. صمّمت نموذجاً يحاكي تراجعاً بنسبة 60% في قوّة AMOC على مدى 100 عام، في ظلّ ارتفاعٍ في درجات الحرارة بمقدار 3.6 درجة فهرنهايت (2 درجة مئوية) فوق مستويات ما قبل الصناعة. والنتيجة: انخفاضٌ بنسبة 5.3% في المحاصيل العالمية من القمح والذرة والأرز بعد 50 عاماً فقط من بدء التباطؤ.
الخريطة الجغرافية للخسارة
الأرقام الإجمالية تخفي تفاوتاتٍ حادّة. ألمانيا وأوكرانيا وهما من كبار موردّي الحبوب عالمياً قد تواجهان خسائر تصل إلى 19% في محاصيل الحبوب. كندا بدورها قد تخسر نحو 12%. أمّا الولايات المتحدة، فتُقدَّر خسائرها بحوالي 3% في القمح والذرة، وهو ما سينعكس على منتجاتٍ غذائية مرتبطة بهما.
لكنّ الجانب الأقلّ وضوحاً في هذه الخريطة هو ما يطال منطقةً تمتدّ من جنوب آسيا إلى أفريقيا. الهند وباكستان والصين وإيران والسودان وإريتريا تواجه تراجعاتٍ حادّة في معدّلات الهطول المطري ستضرب قطاعاتها الزراعية. وهذه دولٌ تحمل أصلاً هشاشةً غذائية بنيوية، وأيّ صدمةٍ إضافية في إنتاجها الزراعي ستتحوّل بسرعةٍ إلى أزمةٍ اجتماعية.
يقول مايكل هينج، كبير الاقتصاديين في ALLFED: «اسكندنافيا والمملكة المتحدة وكندا معرّضةٌ بشكلٍ خاص، لكنّ هناك مواقع أخرى كثيرة قد تكون مفاجِئةً حتى للناس الذين يعيشون فيها».
وما يُضاف إلى هذه الصورة أنّ النموذج كشف إمكانية حدوث سنواتٍ تتجاوز فيها خسائر الحبوب 10%، وهو ما يعني تقلّباتٍ حادّة في أسعار الغذاء العالمية لا ارتفاعاً تدريجياً يمكن استيعابه، بل صدماتٍ متقطّعة تُعيد رسم خرائط الجوع.
من 17% إلى 40%: سيناريوهات الأسعار
التداعية الثانية وربّما الأشدّ قابليةً للانتشار هي الأثر على الأسعار. تُشير الدراسة إلى أنّ أسعار الغذاء العالمية قد ترتفع بين 17% و40%، والفارق الكبير بين الرقمين ليس عشوائياً: إنّه يعكس تحديداً كيف ستتصرّف الحكومات والأسواق.
هنا يُحذّر هينج من فخٍّ معروف في تاريخ أزمات الغذاء: «إذا انكفأت الدول إلى الداخل وبدأت في تقييد الصادرات بهدف ضمان الوصول لمواطنيها أوّلاً، أو للتعامل مع حالة عدم اليقين أو تخفيف المخاوف، فإنّ ذلك سيضاعف تأثيرات AMOC بشكلٍ هائل». هذا النمط ليس افتراضياً شهدناه في أزمة 2008 المالية وفي جائحة كوفيد-19، حين تحوّلت قيود التصدير من إجراءٍ وقائي إلى مُعجِّلٍ للأزمة ذاتها.
ويُضيف هينج: «تنوّع الأغذية المتاحة في المتاجر قد يتضاءل لفتراتٍ من الزمن». وهو تحذيرٌ يبدو هادئاً في صياغته، لكنّه يحمل ثقلاً كبيراً لمجتمعاتٍ تعتمد بصورةٍ رئيسية على استيراد الغذاء.
ما لا يمكن التراجع عنه
ما يُميّز هذا الملفّ عن كثيرٍ من التحذيرات المناخية هو طابعه اللارجعي. يُوضح هينج بصراحة: «حين يُلحق الضرر، يبقى هناك»، مشيراً إلى أنّ آثار تراجع AMOC لا يمكن عكسها على المقاييس الزمنية البشرية. وهذا يعني أنّ النافذة المتاحة للاستعداد والتكيّف ليست مفتوحةً إلى الأبد.
ويُلاحظ هينج بعداً إضافياً يزيد المشهد تعقيداً: «كثيراً من هذه التأثيرات تظهر في وقتٍ أبكر، لذا فهي هدفٌ متحرّك». بمعنى أنّ النماذج قد تُقدّر الأثر بعد 50 عاماً، لكنّ التداعيات الزراعية ستبدأ في الظهور قبل ذلك بكثير، وبصورةٍ غير منتظمة.
من جهته، يُقيّم بول ريتشي، عالم المناخ في جامعة Exeter، قيمة الدراسة بموضوعية: «أعتقد أنّ الدراسة الجديدة قيّمةٌ في إظهار الحجم المحتمل والتوزيع الجغرافي للصدمة الزراعية الأولية». لكنّه يُضيف تحفّظاً منهجياً مهمّاً: «ما قد يعنيه ذلك في نهاية المطاف لإنتاج الغذاء والأمن الغذائي أكثر غموضاً، لأنّ هناك استجاباتٍ محتملة كثيرة من المزارعين والأسواق والحكومات».
وقد اعترف هينج نفسه بأنّ النموذج المستخدم يعتمد بيانات شهرية وسيناريو احترار واحد، وأنّ النتائج تمثّل «دليلاً على المفهوم» لا تنبّؤاً نهائياً. غير أنّه أشار إلى أنّ الفريق «أعدّ منظومةً قادرةً على استيعاب أيّ سيناريو لـ AMOC يُنتج بيانات مناخية عالية الدقّة، ورؤية ما يعنيه ذلك للمحاصيل».
الخلاصة التي لا تحتمل كثيراً من التأويل جاءت من هينج مباشرةً: «لا توجد إجاباتٌ سهلة هنا؛ انهيار AMOC سيكون كارثياً بعمق». ثلاثة سيناريوهات تبقى مفتوحةً أمام صانعي السياسات: الأرجح، استمرار التراجع التدريجي مع صدماتٍ زراعية متفرّقة تُدار بآلياتٍ تجارية متوتّرة. المحتمل، تسارعٌ في التباطؤ يُفضي إلى موجة أسعار تتجاوز سقف الـ 40% في مناطق الهشاشة الغذائية. الأقلّ احتمالاً لكنّه غير مستبعد انهيارٌ مفاجئ يُعيد رسم خرائط الإنتاج الزراعي العالمي بصورةٍ لم تختبرها الحضارة الحديثة. السؤال المطروح على الحكومات الآن ليس «هل سيحدث هذا؟» بل «هل نبني أنظمةً غذائية قادرةً على الصمود حين يحدث؟»
أخبار ذات صلة

الأمراض المعدية تتوسّع جغرافياً مع ارتفاع درجات الحرارة: خريطة الانتشار المتوقّعة

الصين تحقق علامة فارقة في الطاقة الشمسية — ماذا يعني ذلك لأكبر مُصدِر انبعاثات عالمياً؟
