اكتشاف وفرة غير متوقعة للميثانول الثقيل في الفضاء
مراصد ALMA تكشف وجود جزيء الميثانول الثقيل بوفرة تفوق التوقعات 100 مرة حول نجم وليد ما يفتح أبواب جديدة لفهم تعقيد الكيمياء في الفضاء قبل ولادة الكواكب ويطرح تحديات للنماذج الكيميائية الحالية في تفسير الظاهرة تابع التفاصيل على وورلد برس عربي

- كشفت مراصد «ALMA» في تشيلي عن كميةٍ من جزيء الميثانول المُعوَّض بالديوتيريوم بالكامل حول نجمٍ وليد، تفوق ما تتوقعه النماذج الكيميائية الحالية بنحو 100 ضعف. ولا يملك الباحثون حتى الآن تفسيراً لكيفية تشكّل هذا الجزيء بهذه الوفرة. ويعني ذلك أنّ جزءاً من فهمنا لكيفية تعقّد الكيمياء في السحب الكونية قبل ولادة الكواكب ما زال ناقصاً.
ماذا رصد ALMA حول IRAS4A2؟
الجزيء المقصود هو CD3OD، ويُعرف بـ«الميثانول الثقيل». هو نسخة من الميثانول (CH3OH)، المعروف أيضاً بكحول الخشب، استُبدلت فيها ذرات الهيدروجين الأربع بذرات الديوتيريوم (D)، أي «الهيدروجين الثقيل». ويسهم الميثانول في تكوين الجزيئات العضوية المعقّدة في الفضاء، وتصفه المصادر بأنه عنصر أساسي في هذه العملية.
رُصد الجزيء حول النجم الأولي IRAS4A2، وهو نجمٌ فتيّ يقع على بُعد 1,000 سنة ضوئية في سحابة برشاوش الجزيئية (Perseus). وأعلن العلماء أول رصدٍ لا لبس فيه للميثانول المُعوَّض بالديوتيريوم بالكامل في هذا الموقع، وهو أيضاً أول رصدٍ لجزيءٍ رباعي الديوتيريوم في الفضاء بين النجمي.
وصدرت النتائج في العدد الحالي من مجلة «Astronomy & Astrophysics» ضمن الورقة البحثية المنشورة، وهي دراسة رصدية استندت إلى بيانات المقياس الراديوي. وقاد الدراسة أرنو بيلوش (Arnaud Belloche) من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي. وشاركت في تأليفها سيلفيا سبيتساتسو (Silvia Spezzano)، قائدة مجموعة بحثية في معهد ماكس بلانك للفيزياء خارج الأرض (MPE)، كما ورد في إعلان المعهد.
لماذا تُحرج النتيجة النماذج الكيميائية؟
تبيّن بيانات ALMA أن وفرة CD3OD أعلى بنحو 100 مرة من تنبؤات النماذج الكيميائية. وقال الباحثون إنّ النماذج الحالية عاجزة عن إعادة إنتاج الوفرة المرصودة. وهذه الفجوة بين الرصد والنموذج مؤشرٌ على أن عمليةَ تكوّنٍ ما لم تُحتسب بعدُ، فالفجوة لا تقتصر على اختلاف طفيف في الأرقام.
وتتّسق هذه المعضلة مع الصورة العامة لكيمياء الفضاء. تشير التجارب إلى أنّ الجزيئات المعقّدة تتكوّن على حبيبات الغبار الجليدية داخل السحب السديمية الباردة. وقبل ولادة النجم، تتفاعل الذرات ببطء على هذه الحبيبات، فتتحد مع الكربون والأكسجين والهيدروجين وذراتٍ أخرى لتكوّن جزيئات أكثر تعقيداً. وحين يبدأ النجم الأولي بالتوهج، يسخّن محيطه فتتحرر هذه المركّبات على هيئة غازات، وهنا تستطيع أجهزة مثل ALMA رصدها.
وتشرح سبيتساتسو أهمية التعويض بالديوتيريوم بقولها: «يتيح لنا التعويض بالديوتيريوم تتبّع التطور الكيميائي للجزيئات أثناء تشكّل النجوم والكواكب. وهذا يساعدنا على فهم كيميائها، وفي نهاية المطاف على فهم كيفية انتقال التعقيد الجزيئي من السحب بين النجمية إلى المنظومات الكوكبية».
خطوط طيفية بلا هوية
لم تقتصر المفاجآت على CD3OD. فقد رصد الفريق عدة خطوط طيفية ما زالت غير محدَّدة. ويشتبه الباحثون في أنها قد تعود إلى CH2DOD أو CHD2OD، لكنهم لم يؤكدوا ذلك. ويسعى الفريق إلى الحصول على بيانات مخبرية تثبت أو تنفي هذا الافتراض، إذ لا يمكن نسبة خط طيفي إلى جزيء ما دون قياسات مرجعية في المختبر.
وهنا يأتي دور مركز الدراسات الكيميائية الفلكية (Center for Astrochemical Studies) التابع لـMPE، الذي يبحث في مطيافية الجزيئات العضوية المعقّدة المُعوَّضة بالديوتيريوم. وتقول سبيتساتسو: «في مركز الدراسات الكيميائية الفلكية في MPE، ننفّذ برنامجاً مخبرياً منهجياً لدراسة مطيافية الجزيئات العضوية المعقّدة المُعوَّضة بالديوتيريوم، ومنها CH2DOD وCHD2OD. وتتيح لنا هذه الجزيئات دراسة التعويضات النظيرية عبر مجموعات وظيفية مختلفة، وهي بمثابة «وسوم» كيميائية نتتبّع بها نموّ التعقيد الجزيئي».
عيّنة من 11 نجماً شبيهاً بالشمس
تنتمي الدراسة إلى برنامج ALMA COMPASS الكبير، الذي فحص 11 نجماً أولياً قريباً شبيهاً بالشمس، معروفاً باحتضانه جزيئات عضوية معقّدة. ويعالج البرنامج تنوّع هذه الجزيئات في الفضاء. وتُنشر في العدد نفسه ست دراسات أخرى من المشروع، بالإضافة إلى دراسة IRAS4A2.
وشارك في العمل باحثون من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي (MPIfR) ومعهد MPE، ومن IRAP ومعهد نيلز بور وNRAO وESO ومعهد RIKEN للأبحاث الرائدة، إضافةً إلى مؤسسات أخرى.
ما الذي يعنيه ذلك للصورة الأكبر؟
تأتي النتيجة في سياق تتراكم فيه الأدلة على أن الفضاء مختبرٌ كيميائي نشط. فقد أكدت أبحاث حديثة وجود أحماض أمينية في الكويكبات القريبة من الأرض، وأن البروتينات يمكن أن تتكوّن من تلقاء نفسها. ورُصدت جزيئات معقّدة أخرى، منها الأيزوبروبانول، حول منظومات نجمية فتيّة جداً.
لكنّ الجزيء الذي يُفترض أن يكون نادراً وفق النماذج ظهر بوفرة تفوق التوقعات بمئة ضعف. وإلى أن تتوفر بيانات مخبرية تحسم هوية الخطوط الطيفية الغامضة، سيظل السؤال مفتوحاً: ما العملية التي تنتج هذه الوفرة، وهل تتكرر حول نجومٍ أخرى شبيهة بالشمس؟
أخبار ذات صلة

نجمٌ أخضر يُرصَد للمرة الأولى

مروحيات SkyFall لناسا ستكشف عن أجزاء من المريخ لم نرها من قبل

شهب الجنيات والثور تضيء سماء أكتوبر
