مروحيات سكاي فول تكشف أسرار الجليد تحت سطح المريخ
تستعد ناسا لإطلاق ثلاث مروحيات متطورة تحمل رادار اختراق أرضي على متن مركبة نووية إلى المريخ لاستكشاف الجليد المدفون تحت السطح ودراسة مناخ الكوكب القديم، ما يمهد الطريق لرحلات فضائية بشرية مستقبلية وبيانات علمية جديدة في وورلد برس عربي.

تحت سطح المريخ قد يختبئ الجليد الذي يحتاجه روّاد الفضاء المقبلون، وقد يحفظ أيضاً سجلّاً لمناخ الكوكب القديم. لهذا السبب تُسرّع ناسا تطوير ثلاث مروحيات من مشروع «سكاي فول» (SkyFall)، مزوّدة برادار قادر على اختراق التربة، لإرسالها إلى المريخ على متن المركبة «SR-1 Freedom» التي يحين موعد إطلاقها في 2028. وتصف الوكالة هذه المركبة بأنها أول مركبة بين كوكبية تعمل بالطاقة النووية الانشطارية.
كيف ستصل المروحيات إلى المريخ؟
أُسندت إلى «SR-1 Freedom» مهمة إيصال كبسولة الدخول الخاصة بـ«سكاي فول»، وهي تحمل ثلاث مركبات جوية. ويستهدف مسار المركبة نصف الكرة الشمالي للمريخ خلال فصل الربيع، لتتفادى العواصف الترابية.
تتألف البعثة من ثلاث مروحيات متطابقة، تهبط كلٌّ منها بشكل مستقل. وتُطلق مركبة الدخول المروحيات على ارتفاع يقل قليلاً عن ميل فوق سطح المريخ، أي نحو 3,300 قدم أو 1,000 متر. بعد ذلك تنفصل المروحيات وتنتشر وتهبط بقدرتها الذاتية، مباشرةً من المركبة الحاملة إلى الغلاف الجوي للكوكب.
هذا الأسلوب يلغي الحاجة إلى مرحلة هبوط تُستخدم مرة واحدة أو إلى مركبة جوالة مضيفة. وقد احتاجت المروحية «إنجينيويتي» (Ingenuity) إلى المركبة الجوالة «بيرسيفيرانس» (Perseverance) لتصل إلى سطح المريخ. وتقول شركة AeroVironment إن هذا النهج، بحسب بيانها:
«بإلغاء الحاجة إلى مرحلة هبوط تُستخدم لمرة واحدة أو إلى مركبة جوالة مضيفة (كما احتاجت «إنجينيويتي» إلى «بيرسيفيرانس»)، يقلّل هذا النهج بصورة ملحوظة المخاطر التقنية والمالية للوصول إلى سطح المريخ».
وتتعاون الشركة، ومقرّها أرلينغتون في ولاية فرجينيا، مع مختبر الدفع النفاث (JPL) في المشروع. وقد اختيرت في أغسطس الماضي للمشاركة في تصميم مروحيات «سكاي فول» وتصنيعها، وسبق أن شاركت في تطوير «إنجينيويتي». ويقول جيف رودريان، رئيس «ماك كريدي ووركس» (MacCready Works)، ذراع الأبحاث في الشركة:
«مع «سكاي فول» ننقل عقلية AV في الأنظمة غير المأهولة عالية الإنتاج إلى استكشاف الكواكب، ونُظهر أن مروحيات المريخ يمكن بناؤها كخط إنتاج قابل للتكرار، لا كعملية تسليم لمرة واحدة».
ماذا تعلّمت ناسا من «إنجينيويتي»؟
كانت «إنجينيويتي» أول مركبة جوية تحلّق فوق المريخ. صُمّمت لخمس رحلات فقط، لكنها نفّذت أكثر من 70 مهمة في فوهة جيزيرو، وتصفها ناسا بأنها أجرت 72 رحلة، قبل أن ينكسر أحد دوّاراتها. وتبني «سكاي فول» على هذه التجربة وتضيف إليها تحسينات هندسية.
مروحيات «سكاي فول» أكبر قليلاً من سابقتها، لكن المبدأ التشغيلي واحد. ويوضح ماثيو غولومبيك، عالم المشروع في مختبر الدفع النفاث:
«رغم أن المروحيات أكبر قليلاً من «إنجينيويتي»، فإنها تُصمَّم لتعمل بالطريقة نفسها تماماً، ولذلك ستكون كل الخبرة المتراكمة من تشغيل «إنجينيويتي» ذات صلة مباشرة».
ماذا ستحمل وماذا ستكشف؟
تحمل كل مروحية الحمولة الاسمية نفسها: خمسة أجهزة علمية إضافة إلى كاميرات هندسية للملاحة. وتتناول الأجهزة بنية باطن المريخ، والجيومورفولوجيا السطحية، والجيولوجيا، والأرصاد الجوية، وبيئة الإشعاع.
لا تضم البعثة عتاداً مخصصاً لقياس الرياح مباشرة، لكن المروحيات قادرة على العمل كمستشعرات محلية للرياح. وفي «وضع البالون» (Balloon Mode) تنجرف المروحية مع الرياح السائدة.
أما أبرز الأجهزة فهو رادار اختراق الأرض (GPR) الذي تحمله كل مروحية. يرصد هذا الرادار طبقات قريبة من السطح تتجاوز الأعماق التي يستطيع الرادار المداري ملاحظتها، وقد تكون هذه الطبقات صخوراً أو جليداً مدفوناً أو مزيجاً منهما. وتهتم الأوساط العلمية بالجليد القريب من السطح لأنه يدعم الرحلات البشرية المستقبلية إلى المريخ، ولأنه يحفظ أدلة على مناخ الكوكب في الماضي. كما يُوصف بأنه موطن محتمل لحياة مريخية ماضية أو حاضرة.
وفي هذا السياق يقول غولومبيك:
«حدّد المشروع موقع هبوط مرجعياً للتصميم يستهدف رواسب جليد الماء تحت السطح في تضاريس جليدية وما حول جليدية».
وتلتقي هذه الأهداف عند خدمة الجانب العلمي وأهداف الاستكشاف البشري معاً. ويرى ويل بومرانتز، رئيس قسم المشاريع الفضائية في AeroVironment، أن المروحيات تتحرك بسرعة وتبلغ مواقع يصعب الوصول إليها برّاً، وأن العلماء قد يوجّهونها إلى مواقع يستطيع الرادار فيها رسم خريطة للجليد تحت السطح. ويقول:
«كما هي الحال على الأرض، تستطيع مروحيات المريخ قطع المسافات بسرعة، ويمكنها الذهاب إلى أماكن قد يستحيل بلوغها بريّاً».
ويضيف:
«ستُرينا مروحيات «سكاي فول» الثلاث أجزاء من المريخ لم نرَها من قبل، وستعيد جبالاً من البيانات ليتفحّصها العلماء».
أين ستحلّق ولمدة كم؟
بحسب غولومبيك، تستطيع كل مروحية أن تطير من كيلومتر إلى كيلومترين كل يوم مريخي (سول) ثانٍ. وتتراوح مسارات التحليق الممكنة بين 125 ميلاً وأكثر بقليل من 185 ميلاً، أي ما بين 200 و300 كيلومتر. وستتجاوز الرحلات المخطط لها بيضة الهبوط لتصل إلى منطقة استكشاف أوسع. ويقول غولومبيك عن العمر التشغيلي:
«صُمّمت المروحيات لتعمل 6 أشهر، مع هدف يبلغ عاماً أرضياً واحداً، وبإمكان كل منها الطيران كل سول ثانٍ، لذا نتوقع رحلات متعددة».
غير أن مسارات الطيران العلمية ومناطقها لم تُحسم بعد. تريد ناسا أن تزور «سكاي فول» عدة مناطق مريخية مهمة علمياً، وسيختار برنامج استكشاف المريخ التابع للوكالة، ومعه مشروع «سكاي فول» في مختبر الدفع النفاث، المسارات، أي أنهما سيحدّدان «لماذا وأين» تتجه المروحيات. وستعكس المسارات المحتملة خصائص كل موقع وقدرات المروحيات وحمولتها.
وتبدأ الخطوة الأولى بورشة عمل مطلع العام المقبل حول مواقع الهبوط المحتملة ومناطق الاستكشاف المجاورة، تعقبها ورشة ثانية أواخر 2027. ويسعى الباحثون إلى قائمة مرتّبة بمواقع الهبوط المحتملة تُدرس لاحقاً، على أن تستوفي المواقع ومناطق الاستكشاف القيود الهندسية الناتجة عن المشروع وتصميم المركبة. ويُتوقع أن تجعل وتيرة التطوير السريعة للمشروع القرارات متسارعة بدورها، والغاية تعظيم القيمة العلمية للبعثة. ويُنتظر اختيار موقع الهبوط بعد الورشتين المتتاليتين المقرّرتين العام المقبل.
يبقى السؤال المفتوح الذي ستجيب عنه تلك الورش: أي موقع سيجمع بين القيود الهندسية الصارمة وأعلى عائد علمي، وبين رواسب الجليد التي تُعدّ مفتاحاً لوجود البشر على المريخ؟
أخبار ذات صلة

نجمٌ أخضر يُرصَد للمرة الأولى

شهب الجنيات والثور تضيء سماء أكتوبر

ثقب غامض في لوح كتف إنسان نياندرتال قد يكون أثر "طلقة قاتلة" من رمح خشبي
