المساعدون الإداريون في مواجهة الذكاء الاصطناعي المتصاعد
مهنة المساعدين الإداريين تواجه تحديات كبيرة مع تراجع أعدادهم وصعود الذكاء الاصطناعي الذي يهدد مهامهم اليومية. تعرف كيف يمكن للتكيّف مع التكنولوجيا أن يحول التهديد إلى فرصة في وورلد برس عربي.






مهنةٌ في مواجهة التحوّل: المساعدون الإداريون بين تراجع الأعداد وصعود الذكاء الاصطناعي
كانت أعداد السكرتيرين والمساعدين الإداريين في تراجعٍ مستمر قبل أن يطرق الذكاء الاصطناعي أبواب مكاتبهم. أدواتٌ مثل ChatGPT وClaude باتت قادرةً على إنجاز شريحةٍ واسعة من مهامهم اليومية بضغطة زر، ما يُضيف تهديداً جديداً إلى مهنةٍ تعاني أصلاً من ضغوط هيكلية متراكمة.
بيانات توقّعات التوظيف لا تُبشّر بالخير لهذه المهنة التي تهيمن عليها النساء، إذ تُشير إلى أنّها قد تكون من أكثر المهن عرضةً لموجة الإزاحة الوظيفية التي يقودها الذكاء الاصطناعي مقارنةً بسائر القطاعات. غير أنّ بعض المساعدين الإداريين لا ينتظرون، بل يُبادرون إلى توظيف هذه التقنية لصالحهم وتحويلها إلى أداة تقدّم لا تهديد.
التكيّف أو التراجع
ديانا دانجر، 43 عاماً، تعمل في الأدوار الإدارية منذ عام 2003. تقول إنّ التكيّف والبقاء في طليعة المتغيّرات جزءٌ أصيل من طبيعة عملها المتجدّد باستمرار، والذكاء الاصطناعي ليس استثناءً.
"كلّ ما عليك هو أن تتطوّر"، تقول دانجر.
بدأت استخدام الذكاء الاصطناعي مهنياً في عام 2022، وتعلّمت عبر التجربة والتعاون مع زميلاتها في المهنة. اليوم، لم تعد تُدوّن ملاحظات خلال الاجتماعات فقد أعدّت Copilot وChatGPT للقيام بذلك عنها. هذا أتاح لها، بحسب قولها، أن "تُشارك فعلياً في الاجتماعات، بدلاً من أن أنشغل بضمان تدوين كلّ ما يُقال". وتضيف دانجر، المساعدة التنفيذية لمدير المعلومات في جامعة Vanderbilt: "بصراحة، ما كان يستغرق مني ساعاتٍ باتَ ينتهي في أقلّ من خمس دقائق."
أرقامٌ تحكي قصّة تراجع
كيف سيُعيد الذكاء الاصطناعي رسم ملامح هذه المهنة وبأيّ حجم، سؤالٌ لا تزال إجابته معلّقة. لكنّ وظائف المساعدين الإداريين والسكرتيرين تتآكل منذ عقود. ارتفع معدّل البطالة في فئة موظّفي الدعم المكتبي والإداري وهي فئةٌ أشمل تضمّ المساعدين الإداريين إلى 4% مقارنةً بـ3.6% في يونيو من العام الماضي، وفق بيانات وزارة العمل الأمريكية، وإن كان هذا المستوى لا يزال أدنى من معدّل البطالة الإجمالي. في عام 2004، كان نحو 3.5 مليون شخص يعملون في هذه الوظيفة 97% منهم من النساء تقريباً، وفق بيانات المسح السكّاني الجاري. بعد عشرين عاماً، انخفض هذا الرقم إلى 2.1 مليون رغم النموّ الإجمالي في سوق العمل خلال الفترة ذاتها.
وباستثناء السكرتيرين والمساعدين الإداريين في القطاع الطبّي وهي فئةٌ يُتوقّع أن تنمو بنسبة 4% بحلول عام 2034 بفضل توسّع قطاع الرعاية الصحّية يتوقّع خبراء الاقتصاد في مكتب إحصاءات العمل الأمريكي استمرار تراجع هذه المهنة.
قالت إيميلي رولن، كبيرة الاقتصاديين في قسم توقّعات التوظيف بالمكتب: "القصّة الشاملة في وظائف المكاتب والدعم الإداري من منظور التوقّعات خلال الدورات الأخيرة المتعدّدة هي قصّة تقنياتٍ ترفع الإنتاجية وتُقلّص الطلب على التوظيف." وأشارت إلى أنّ التطوّرات التقنية المتعاقبة من معالجة النصوص إلى التحويل الصوتي للكتابة، مروراً بأدوات جدولة المواعيد أعادت تشكيل مهام المحترفين الإداريين وأسهمت في التراجع العام.
الهشاشة الهيكلية
قد يكون الموظّفون الإداريون والكتابيون أكثر عرضةً للإزاحة الوظيفية بفعل الذكاء الاصطناعي مقارنةً بغيرهم من المهنيين، لأنّهم "يفتقرون إلى القدرة التكيّفية بسبب محدودية المدّخرات، وتقدّم السنّ، وشحّ الفرص المحلية، و/أو ضيق نطاق المهارات"، وفق تقريرٍ لمؤسّسة Brookings صدر في يناير. ونحو 86% من هؤلاء الـ6 ملايين عاملٍ من النساء.
وتعكس البيانات هذه الهشاشة بوضوح: نسبةٌ أعلى من السكرتيرين والمساعدين الإداريين تتجاوز أعمارهم 55 عاماً مقارنةً بسوق العمل عموماً (34% مقابل 23%)، ومتوسّط الأجر أدنى من المتوسّط العام للعمّال الأمريكيين (47,460 دولاراً مقابل 49,500 دولار)، فضلاً عن أنّ شهادة الثانوية العامة كافيةٌ للالتحاق بكثير من الوظائف المبتدئة في هذا المجال.
لكنّ ما لا تستطيع بيانات سوق العمل رصده كما أشار تقرير Brookings هو قدرة الفرد على التعامل مع البيئات المتغيّرة، كما هو حال دانجر وأمثالها ممّن يقولون إنّهم "أكثر كفاءةً ممّا يظنّ الناس."
مجتمعٌ يتشارك المعرفة
تستضيف دانجر جلسة دردشة افتراضية على مدار القهوة كلّ أسبوعَين لزميلاتها وزملائها، عبر الجمعية الأمريكية للمحترفين الإداريين التي تقول إنّها تخدم نحو 132,000 عضو. في جلسة مايو الماضي، تشارك المشاركون حالاتٍ عملية لاستخدام الذكاء الاصطناعي: إعداد النشرات الإعلانية، والبحث عن مطاعم لفعاليات المديرين التنفيذيين، وابتكار تعليقات لحسابات أصحاب العمل على وسائل التواصل الاجتماعي، وصياغة إجراءات التشغيل الموحّدة، وغير ذلك.
بيد أنّه رغم الأجواء المتحمّسة السائدة، أثار بعض المشاركين مخاوف تتعلّق بأمن البيانات وغياب التنظيم القانوني للذكاء الاصطناعي. وشدّد آخرون على أنّ الذكاء الاصطناعي لا يستطيع ولن يستطيع الحلول محلّ الذكاء العاطفي ومهارات بناء العلاقات التي تُميّز المساعد الإداري الناجح.
التدريب على الذكاء الاصطناعي: سوقٌ في نموّ
فيونا يونج، مؤسّسة شركة Carve المتخصّصة في تدريب المساعدين التنفيذيين على الذكاء الاصطناعي، تقول إنّها شهدت "تحوّلاً هائلاً في الطلب" على خدماتها منذ عام 2023. يونج، التي كانت بنفسها مساعدةً تنفيذية في السابق، تقول إنّها قدّمت تدريباتٍ للمحترفين الإداريين على مستوى العالم، شملت شركاتٍ كـGoogle وAmazon وUber وSalesforce وLinkedIn. وفي تجربتها، يريد أصحاب العمل من موظّفيهم الاستفادة من الذكاء الاصطناعي "ليس مجرّد فهمٍ سطحي له، بل استخدامه الحقيقي كجزءٍ لا يتجزّأ من طريقة عمل الناس يومياً"، على حدّ قولها.
أمّا أوانا مانولاكي، فتتبنّى موقفاً أكثر حسماً. مؤسّسة ومديرة تنفيذية لمنصّة Sequel.io المتخصّصة في استضافة الندوات الإلكترونية، كتبت في منشورٍ على LinkedIn العام الماضي: "سأفصل أيّ شخصٍ لا يستخدم الذكاء الاصطناعي."
غير أنّ مانولاكي ذاتها تقول إنّ الذكاء الاصطناعي لا يستطيع الاستغناء عن مساعدتها التنفيذية ستيفاني مارتينيز. وتوضّح أنّ مارتينيز تستخدم الذكاء الاصطناعي لـ"تحرير نفسها" من مهامٍ كتدوين الملاحظات وإعداد الاجتماعات، كي تتفرّغ لـ"العمل الإنساني" المتمثّل في بناء التواصل بين أعضاء الفريق، واتّخاذ القرارات التقديرية، وفهم علاقات المديرين التنفيذيين مع أصحاب المصلحة والتواصل وفق ذلك.
ربّما يستطيع الذكاء الاصطناعي الحلول محلّ المساعد "التقليدي"، لكنّه "لا يُعوّض ما يقوم به المساعد التنفيذي اليوم بعد أن تطوّر الدور"، تقول مانولاكي.
تعمل مارتينيز عن بُعد من السلفادور عبر شركة Viva Talent، التي في مثالٍ آخر على تحوّلات هذا المجال تُدرّب مساعدين من أمريكا اللاتينية والجنوبية وتُوفّرهم أساساً لشركات تقنية مقرّها الولايات المتّحدة.
"الأشخاص الذين يريدون حقاً النجاح في هذا الدور أمامهم فرصةٌ هائلة"، تقول مانولاكي. "هذا الشخص لديه وصولٌ إلى المعلومات عبر المنظّمة بأكملها."
على سبيل المثال، حين سعت الشركة إلى تعزيز تقييمات العملاء على إحدى منصّات مراجعة البرمجيات، تعاملت مارتينيز المشرفة على معظم الفواتير والمدفوعات مع المشكلة بأسلوبٍ مبتكر: وظّفت الذكاء الاصطناعي لفرز جميع مراسلات العملاء، وتحديد المرشّحين الأنسب لتقديم المراجعات، وصياغة رسائل التواصل معهم. من دون الذكاء الاصطناعي، "كان ذلك سيستغرق منها وقتاً طويلاً جداً"، تقول مانولاكي، مضيفةً أنّه أتاح لمارتينيز أيضاً أن "تُفكّر بإبداعية."
الحرّية الاستراتيجية لا التدريب فحسب
هذه الحرّية في التطبيق الاستراتيجي للذكاء الاصطناعي لا تقلّ أهمّيةً عن التعليم والتدريب، إذ يُبدي كثيرٌ من المساعدين اهتماماً بتبنّي هذه التقنية لكنّهم يفتقرون إلى الوقت والمساحة الكافيَين لدمجها في عملهم، وفق ما تقوله ميليسا بيبلز، مدرّبة المساعدين التنفيذيين ومساعدة تنفيذية سابقة لكبار المديرين، ومقرّها أوستن بولاية تكساس.
وتُضيف بيبلز أنّ ديناميكيات النوع الاجتماعي تُعقّد هذا التحدّي في صناعةٍ تهيمن عليها النساء اللواتي كثيراً ما يعملن تحت إشراف قياداتٍ ذكورية.
"ترى من يتبنّون التقنية مبكّراً ويُحقّقون نتائج مذهلة، ومن يعملون مع مديرين داعمين حقاً ويستطيعون فعل كلّ هذه الأشياء"، تقول. "ثمّ ترى الجانب الآخر، حيث يُقال للمساعدين حرفياً: 'أنتِ لستِ ذكيّةً بما يكفي لتكوني في الغرفة. فقط أحضري لي قهوتي.'"
وترى بيبلز أنّ التدريب الفعّال على الذكاء الاصطناعي يُمكّن المساعدين الإداريين من "إيجاد صوتهم" وتحقيق "تأثيرٍ أعلى يحميهم ممّا سيحدث حين يصبح الذكاء الاصطناعي الوكيل (Agentic AI) أكثر شيوعاً وسهولةً في الوصول إليه.".
أخبار ذات صلة

OpenAI تقصر ChatGPT الأحدث على العملاء الموثوقين أثناء فحص الأمن السيبراني

أقمار صناعية بحجم الحقيبة تراقب حرائق اليونان في إنجازٍ عالمي

أبل ترفع أسعار أجهزة Mac و iPad بسبب نقص رقائق الذاكرة
