أصغر قزم أبيض يكشف أسرار النجوم النيوترونية
اكتشف فلكيون أصغر قزم أبيض مرتبط بنجم نيوتروني سريع في نظام NGC 362D مع إشعاع فوق بنفسجي أضعف من المتوقع ما يفتح نافذة نادرة لفهم مراحل تطور النجوم النيوترونية عبر ظاهرة إعادة التدوير في الفضاء وورلد برس عربي

اكتشفت مجموعة من الفلكيين أصغر قزمٍ أبيض معروف حتى الآن مرتبطاً بنجمٍ نيوتروني سريع الدوران، في نظامٍ ثنائي يحمل اسم NGC 362D، لكنّ ما أثار فضول الباحثين لم يكن عمر هذا القزم الأبيض فحسب، بل سلوكه غير المتوقَّع: إشعاعه فوق البنفسجي أضعف بكثير ممّا تقترحه النماذج الفيزيائية المعتادة. هذا التناقض يفتح نافذةً نادرة لمراقبة لحظةٍ لا تُتاح للرصد عادةً اللحظة التي يخرج فيها نجمٌ نيوتروني لتوّه من عملية "إعادة التدوير" التي تمنحه دورانه الهائل.
كيف وُلد هذا النظام الثنائي؟
القصة تبدأ، كما هو الحال في كل نجمٍ نيوتروني، بانفجار مستعرٍ أعظم. فالنجوم التي تتراوح كتلتها بين ثمانية واثني عشر ضعف كتلة الشمس تنتهي حياتها بانفجاراتٍ هائلة، تاركةً خلفها نواةً مضغوطة تُعرف بالنجم النيوتروني، تبلغ كتلتها ما بين ضعفٍ وضعفين من كتلة الشمس، لكنها تنكمش إلى قطرٍ لا يتجاوز نحو 20 كيلومتراً (12 ميلاً). هذا الانضغاط الشديد يجعل كثافة المادة هناك تفوق التصوّر: ملعقة شاي واحدة من مادة نجمٍ نيوتروني تزن على الأرض نحو 10 ملايين طن، أي ما يعادل تكديس 85 ألف حوتٍ أزرق بالغ فوق ملعقة واحدة.
ووفق قانون حفظ الزخم الزاوي، كلما انكمشت نواة النجم ازداد دورانه سرعة. لكنّ بعض الأنظمة الثنائية تمنح النجم النيوتروني دفعة إضافية: إذ يسرق موادّ من نجمٍ مرافقٍ له، حاملةً معها زخماً زاوياً يرفع سرعة دورانه إلى مستوياتٍ قياسية — وقد رُصدت نجوم نيوترونية تدور أكثر من 700 مرة في الثانية الواحدة. هذه العملية تُعرف علمياً بـ"إعادة تدوير النابض" (pulsar recycling)، وهي نفسها التي تُفقِد النجم المرافق طبقاته الخارجية تدريجياً، فيتحوّل مع الزمن إلى قزمٍ أبيض وهو المصير نفسه الذي يُتوقَّع أن تؤول إليه شمسنا يوماً ما.
في حالة NGC 362D، توقّف هذا النقل المادي بين القزم الأبيض والنجم النيوتروني المرافق منذ حوالي 600 مليون سنة فقط، وهي مدةٌ قصيرة جداً على المقاييس الفلكية، ما يجعل هذا القزم الأبيض الأصغر سناً من بين كل الأقزام البيضاء المعروفة المرتبطة بنوابض ميلي ثانية.
لغز الإشعاع الضعيف
اكتُشف النظام مؤخراً عبر تلسكوب MeerKAT الراديوي الموجود في جنوب أفريقيا، لكنّ تحديد هوية القزم الأبيض المرافق وإعادة بناء مسار تطوّر النظام اعتمدا على بياناتٍ أرشيفية جمعها تلسكوب هابل الفضائي بين عامَي 2006 و2016. وبدمج هذين المصدرين، توصّل الفريق البحثي إلى أنّ الانبعاث فوق البنفسجي الصادر عن القزم الأبيض أضعف من المتوقَّع، وهو ما يرجّح أنّ موادّ منبعثة من عملية نقل الكتلة السابقة ما تزال عالقة حول القزم الأبيض، تحجب جزءاً من إشعاعه.
تقول غريتا إيتوري (Greta Ettorre)، قائدة فريق البحث من جامعة بولونيا في إيطاليا: "ما يجعل هذا النظام مثيراً للاهتمام بشكلٍ خاص هو إمكانية رصده في مرحلةٍ مبكرة جداً من تطوّره". وتضيف: "علاوة على ذلك، فإنّ تضاؤل الإشارة التي رصدناها في نطاق الأشعة فوق البنفسجية قد يشير إلى وجود مادةٍ ما تزال محيطة بالقزم الأبيض".
ويرى إيمانويلي دالساندرو (Emanuele Dalessandro)، الباحث في المعهد الوطني للفيزياء الفلكية الإيطالي (INAF) والعضو في فريق البحث، أنّ هذه الفرصة نادرة بالفعل: "يوفّر لنا NGC 362D حالياً فرصةً فريدة لدراسة ما يحدث في الأعقاب المباشرة لعملية إعادة تدوير النابض من نوع ميلي ثانية". ويضيف أنّ وجود مادة محتملة حول القزم الأبيض "مثيرٌ للاهتمام بشكلٍ خاص"، موضحاً: "في الواقع، يمكن أن تُنتج هذه المادة بصماتٍ في الأطوال الموجية الراديوية إضافةً إلى الضوئية، مشابهة لتلك المرصودة في أنظمة ذات مرافقين غير متحللين، وبالتالي يمكن أن تساعدنا على تفسير خصائص أنظمة فتية أخرى بشكلٍ صحيح".
لماذا يهتم علماء الفيزياء الفلكية بدقة هذه النوابض؟
القيمة العلمية لنوابض الميلي ثانية لا تقتصر على كونها ظاهرة فلكية مثيرة، بل تمتد إلى استخدامها أداةً قياسية بالغة الدقة. فانتظام دورانها يجعلها أشبه بساعاتٍ طبيعية يمكن الاستناد إليها في اختبار قوانين الفيزياء الأساسية. تشرح إيتوري ذلك قائلة: "تدور نوابض الميلي ثانية بانتظامٍ استثنائي ويمكن استخدامها ساعاتٍ طبيعية حقيقية. قياس أزمنة وصول نبضاتها بدقةٍ متناهية يتيح لنا، من بين أمورٍ أخرى، دراسة الجاذبية في ظروفٍ قصوى وإجراء اختباراتٍ متزايدة الدقة للنسبية العامة".
وهذا بالضبط ما يجعل فهم بيئة هذه الأنظمة ضرورياً وليس ترفاً أكاديمياً. تختم إيتوري بالقول: "فهم محيطها وإعادة بناء تاريخها التطوري أمرٌ أساسي إذن لاستغلال ما يمكن أن تخبرنا به هذه المختبرات الكونية الاستثنائية استغلالاً كاملاً".
النتائج، التي نُشرت يوم الأربعاء 30 سبتمبر في دورية Astronomy & Astrophysics Letters، لا تُغلق الملف بقدر ما تفتحه. فإذا تأكّد وجود مادةٍ منبعثة ما تزال تحيط بالقزم الأبيض، فقد تُنتج بصماتٍ راديوية وضوئية يمكن رصدها مستقبلاً، وهو ما سيساعد الباحثين على تفسير أنظمةٍ فتية مشابهة ما تزال غامضة، وربما يُسهم أيضاً في تحسين توظيف مجموعات النوابض ضمن ما يُعرف بمصفوفات توقيت النوابض (pulsar timing arrays) المشروع الطموح الذي يسعى علماء الفلك عبره إلى رصد موجاتٍ جاذبية بالغة الطول باستخدام شبكة من هذه الساعات الكونية الدقيقة.
أخبار ذات صلة

برج الطاقة الضخم من Blue Origin لتعزيز الكهرباء الشمسية على القمر

ميلت ويندلر: مدير الرحلة بـ NASA الذي أنقذ أبولو 13 يرحل عن 94 عاماً

كيمياء المحيطات القديمة تُرشد البحث عن الحياة في العوالم الأخرى
