لبنان بين السيادة والتنازلات في مواجهة الاحتلال
لبنان بين ضغوط الإمبريالية وصراعات الداخل: اتفاق إطار مثير للجدل يثير انتقادات واسعة ويهدد السيادة وسط اعتداءات إسرائيلية مستمرة وتشريد مئات الآلاف. قراءة تحليلية تكشف خفايا اللعبة الجيوسياسية المعقدة في وورلد برس عربي.

- في القرن التاسع عشر، كتب المستشرق والدبلوماسي البريطاني David Urquhart عن لبنان (جبل لبنان آنذاك) قائلاً إنّه «لم يكن ثمّة بلدٌ أنعم الله عليه بما أنعم عليه، ولا شعبٌ أعجز عن فعل شيءٍ لنفسه».
كان هذا الوصف ظالماً وقائماً على النمطية. غير أنّ Urquhart كتبه في اللحظة التي كان فيها لبنان يتحوّل إلى عقدةٍ مركزية في خضمّ الإمبريالية الأوروبية والمحاولة العثمانية لكبح تمدّدها.
من نتائج هذا الصراع برزت «ثقافة الطائفية» التي مهّدت للنظام السياسي اللبناني القائم حتى اليوم. ونتيجةٌ أخرى لا تقلّ أهمية: أصبحت التطلّعات المحلية وحركاتها مُدرجةً في لعبة الجيوسياسة الكبرى، حيث كان لبنان في آنٍ واحد ساحةً مركزية وهامشاً في الوقت ذاته مفارقةٌ لا تزال تُلازمه.
ولبنان اليوم يقع في الموقع المفارق ذاته: عقدةٌ مركزية وهامشٌ في المشروع الأمريكي-الإسرائيلي الذي يبدو أنّه يسعى إلى استعادة ما خسره في حربه غير الناجحة على إيران، وذلك عبر لبنان وداخله.
«اتفاق الإطار» الذي قبلته الحكومة اللبنانية تعرّض لانتقاداتٍ حادّة من كثيرين ممّن اطّلعوا على نصّه فعلاً، في مقدّمتهم الصحفية المرموقة Helena Cobban، التي علّقت بقولها: «هذا هو الكلام عن السيادة الإقليمية لبنان وسلامته الترابية».
وذكّر الأكاديمي الإيراني حسن أحمديان، الذي يُطلّ بانتظام ، بأنّ هذا الاتفاق يُشبه تلك التي أبرمتها أنظمة التعاون مع المحتلّ في «سايغون» و«فيشي» وكلاهما ادّعى بالطبع أنّه كيانٌ «سيادي».
أمّا الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، فقد وصف «الاتفاق» بين إسرائيل ولبنان بأنّه «مُذلٌّ ومُخزٍ وتنازلٌ عن السيادة».
اعتداءاتٌ متواصلة
في المقابل، أشاد كلٌّ من الرئيس اللبناني ورئيس الحكومة بالاتفاق، معتبرَين إيّاه خطوةً ضرورية لاستعادة «السيادة» اللبنانية في الجنوب.
بيد أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu، الذي وجّهت إليه المحكمة الجنائية الدولية اتّهاماتٍ بشأن الإبادة الجماعية في غزة، تباهى بأنّ هذا «الاتفاق» يمثّل «إنجازاً كبيراً» لأنّه لا يُلزم إسرائيل بالانسحاب من لبنان، بل يُحمّل الجيش اللبناني الضعيف مسؤولية نزع سلاح حزب الله، في حين تواصل القوات الإسرائيلية احتلالها للجنوب.
كلّ هذا يجري على خلفية اعتداءاتٍ إسرائيلية متواصلة على الشريحة الشيعية من المجتمع اللبناني، امتدّت لأشهر متتالية، شرّدت مئات الآلاف من المواطنين اللبنانيين، واستهدفت بصورةٍ صريحة الصحفيين والمسعفين، وأسفرت وفق أرقام وزارة الصحة العامة اللبنانية عن سقوط أكثر من 4,200 قتيل وما يزيد على 12,000 جريح.
والقادة الإسرائيليون يُعلنون صراحةً أنّهم لن يسمحوا للمدنيين اللبنانيين النازحين بالعودة إلى منازلهم في المناطق التي تحتلّها إسرائيل. ويُشير المحلّل Trita Parsi إلى أنّ هذا الاتفاق يُقوّض، أو يحاول تقويض، مذكّرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية التي تنصّ صراحةً على وقف إطلاق نار شامل في المنطقة يشمل لبنان.
وقد سبق ذلك «اتفاقٌ» مماثل في مايو 1983، أُبرم بين قادة جيشٍ إسرائيلي غازٍ (مرّةً أخرى) وحكومةٍ لبنانية هشّة موالية لواشنطن، جاءت في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.
ذلك «الاتفاق» أعلن إنهاء «حالة الحرب» بين إسرائيل ولبنان، في وقتٍ كانت فيه القوات الإسرائيلية تحتلّ مساحةً من الأراضي اللبنانية أوسع بكثير ممّا تحتلّه اليوم.
ولأنّ ذلك «الاتفاق» كان مرفوضاً وفاقداً للشرعية في نظر شريحةٍ واسعة من اللبنانيين، أُلغي في أعقاب انتفاضة شباط 1984، حين ثارت ميليشياتٌ وأحزابٌ لبنانية متعدّدة في وجه الحكومة المدعومة أمريكياً.
النموذج الفلسطيني
بعد أربعة عقود، تجدر الإشارة إلى أنّ إسرائيل تُفكّر في لبنان وفق نموذجَين اثنَين: الأول هو نموذج الضفة الغربية، الذي يعني حكومةً مُعطَّلة على غرار السلطة الفلسطينية، خاضعةً كلياً للإرادة الإسرائيلية لكنّها ممولّة من الخارج لأداء مهامّ «الأمن» نيابةً عن إسرائيل. وهذا ما يجري في الضفة الغربية اليوم، حيث يُرهب المستوطنون والجنود الإسرائيليون الفلسطينيين بصورةٍ اعتيادية، فيما تُمضي إسرائيل في ضمّ المزيد من الأراضي الفلسطينية.
أمّا النموذج الثاني فهو «نموذج غزة»، الذي تعني به إسرائيل حملتها لمحو الجنوب اللبناني وتهجير سكّانه قسراً، بعد أن نفّذت إبادةً جماعية في غزة. والمفارقة أنّه بصرف النظر عن عدد اللبنانيين الذين يتوهّمون أنّ مصيرهم مختلفٌ عن مصير الفلسطينيين، فإنّ التاريخ والجغرافيا والجيوسياسة تتغلّب دائماً على أوهام الانفصال المناقضة للتاريخ.
يستحقّ اليوم إعادة قراءة مقالة Edward Said المعنونة «اليوم التالي»، التي نشرها في مجلة London Review of Books حول اتفاقيات أوسلو عام 1993. فبعد حفل البيت الأبيض الذي جمع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي يتسحاق رابين تحت رعاية الرئيس الأمريكي Bill Clinton، كان Said لاذعاً في تقييمه.
كتب Said: «الابتذال الاستعراضي لحفل البيت الأبيض، والمشهد المُذلّ لياسر عرفات وهو يشكر الجميع على تعليق معظم حقوق شعبه، والرصانة الفارغة في أداء Bill Clinton كإمبراطورٍ روماني من القرن العشرين يقود ملكَين تابعَين عبر طقوس المصالحة والخضوع: كلّ هذا يحجب مؤقّتاً الأبعاد المذهلة حقّاً للاستسلام الفلسطيني».
وفي مواجهة المُبتهجين بـ«عملية السلام»، أصرّ Said: «لنُسمِّ الاتفاق باسمه الحقيقي: إنّه وثيقة استسلامٍ فلسطيني، فرسايُ فلسطيني».
كم من الناس، ومن بينهم فلسطينيون بارزون، آمنوا آنذاك بغير ذلك سواءٌ من يأسٍ مُضني، أو إرهاق، أو سذاجة، أو مرارة، أو ازدواجية، أو وهمٍ ذاتي؟.
أخبار ذات صلة

إسرائيل تجد حلفاء جدداً بين صرب البوسنة

المحكمة العليا تسمح بفرز الأصوات البريدية المتأخرة، رافضة طعن ترامب

المحكمة العليا تسمح لموظفة الاحتياطي الفيدرالي بالبقاء، وتؤيد إقالات ترامب الأخرى
