وورلد برس عربي logo

حرائق الغابات لا تنام في ليالي أمريكا الشمالية

تغيّر المناخ يطيل أمد حرائق الغابات في أمريكا الشمالية، حيث تشتعل ليلاً بشكل متزايد. الدراسة تكشف عن زيادة كبيرة في ساعات الظروف المواتية للاشتعال، مما يجعل مكافحة الحرائق تحدياً أكبر. اكتشف التفاصيل المهمة.

رجل إطفاء يعمل على إخماد حريق غابات، محاط بألسنة اللهب والدخان، مما يعكس التحديات المتزايدة لمكافحة الحرائق ليلاً بسبب تغير المناخ.
يصارع رجل إطفاء النيران في حريق بيكيت الذي يشتعل في منطقة آيتنا سبرينغز في مقاطعة نابا، كاليفورنيا، 23 أغسطس 2025.
التصنيف:المناخ
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

ثمّة شيءٌ تغيّر في ليالي أمريكا الشمالية الحرائق التي كانت تخبو مع حلول الظلام وتنتظر الفجر لتستعيد نشاطها، باتت تحترق حتى ساعاتٍ متأخّرة من الليل، بل وتبدأ أبكر في الصباح. هذا ما كشفت عنه دراسةٌ علمية جديدة: تغيّر المناخ الناجم عن النشاط البشري يُطيل أمد الظروف الحارّة الجافّة التي تُغذّي الحرائق، فيسرق من الليل ما كان يمنحه من راحة.

كانت الحرائق تتراجع أو تنطفئ ليلاً مع انخفاض درجات الحرارة وارتفاع الرطوبة، غير أنّ ذلك بات يحدث بصورة أقلّ تكراراً. وبحسب دراسةٍ نُشرت الجمعة في مجلّة Science Advances، فإنّ عدد الساعات التي تسود فيها ظروفٌ مواتية لاندلاع الحرائق في أمريكا الشمالية ارتفع بنسبة 36% مقارنةً بما كان عليه قبل 50 عاماً.

وتشهد ولاية California وحدها 550 ساعةً إضافية قابلة للاشتعال مقارنةً بمنتصف سبعينيات القرن الماضي. أمّا بعض مناطق جنوب غرب ولاية New Mexico ووسط Arizona، فتسجّل ما يصل إلى 2,000 ساعة إضافية في السنة تسود فيها ظروفٌ مهيّأة للحرائق وهو أعلى ارتفاعٍ رصدته الدراسة التي شملت كلاً من كندا والولايات المتحدة. وتجدر الإشارة إلى أنّ الدراسة رصدت الأوقات التي تتوفّر فيها الظروف المناسبة، لا الأوقات التي اشتعلت فيها الحرائق فعلاً.

حرائق لوس أنجلوس وهاواي اشتعلت في الليل

الحرائق التي تتصاعد ليلاً أصعب على الإطفاء، ومن أبرزها حريق لاهاينا في هاواي عام 2023، وحريق جاسبر في ألبرتا عام 2024، وحرائق لوس أنجلوس عام 2025 وقد أشارت الدراسة إلى هذه الحوادث تحديداً. حريق ماوي اشتعل في تمام الساعة 12:22 فجراً.

لكنّ التمدّد لم يطلْ ساعات اليوم وحدها، بل طال التقويم كذلك. فعدد الأيام ذات الظروف المهيّأة للحرائق ارتفع بنسبة 44%، ما يعني فعلياً إضافة 26 يوماً خلال النصف قرن الماضي.

ويُعزو الباحثون ذلك في معظمه إلى ارتفاع درجات الحرارة الليلية وجفاف الهواء، مع زيادةٍ طفيفة في سرعة الرياح.

يقول شيانلي وانغ (Xianli Wang)، عالم الحرائق في دائرة الغابات الكندية والمشارك في تأليف الدراسة: "الحرائق تتباطأ عادةً في الليل، أو تتوقّف كلياً. لكن في ظروف الخطر الشديد، تواصل النيران الاشتعال طوال الليل أو حتى ساعاتٍ متأخّرة منه." ويُضيف وانغ أنّ ارتفاع حرارة الغلاف الجوّي يجعل الأمر مرشَّحاً للتفاقم.

مكافحة الحرائق ليلاً: معركةٌ من نوعٍ آخر

الحرائق التي لا "تخمد" تشتعل في اليوم التالي بزخمٍ مضاعف، ممّا يُصعّب السيطرة عليها هذا ما أوضحه جون أباتزوغلو (John Abatzoglou)، عالم الحرائق في جامعة California Merced، الذي لم يشارك في الدراسة، في تعليقٍ بالبريد الإلكتروني. وأضاف: "الليالي لم تعد ما كانت عليه أي فتراتٍ موثوقة للراحة من حرائق الغابات. الاحترار الواسع وشحّ الرطوبة يُبقيان الحرائق مشتعلةً في الليل."

أمّا نيكولاي ألن (Nicholai Allen)، رجل الإطفاء الميداني الذي أسّس أيضاً شركةً لصناعة أدوات الوقاية من الحرائق المنزلية، فيصف الواقع بصراحة: "عليك أن تُدرك أنّ هناك ثعابين وأسوداً جبلية وكلّ ما تجده في النهار. لكن ليلاً، هذه الحيوانات مذعورة وتفرّ من النيران." وأشار إلى أنّ أحد زملائه تعرّض لعضّة دبٍّ خلال إحدى العمليات الليلية.

حلّل الباحثون الكنديون ما يقارب 9,000 حريقٍ كبير خلال الفترة الممتدّة من 2017 إلى 2023، مستعينين بأقمارٍ صناعية للأرصاد الجوية وأدواتٍ أخرى للحصول على بياناتٍ ساعيّة عن الظروف الجوّية خلال الحرائق، كالرطوبة ودرجات الحرارة والرياح والأمطار ومستويات رطوبة الوقود. ثمّ أنشأوا نموذجاً حاسوبياً يربط الظروف الجوّية بحالة الحريق، وطبّقوه على بياناتٍ تاريخية من كندا والولايات المتحدة تمتدّ من 1975 إلى 2106.

الليالي تسخن أسرع من الأيام

يُؤكّد العلماء منذ أمدٍ بعيد أنّ الغازات الحابسة للحرارة الناجمة عن حرق الفحم والنفط والغاز الطبيعي تجعل الليالي تسخن بوتيرةٍ أسرع من الأيام، وذلك بسبب الغطاء السحابي المتزايد الذي يمتصّ الحرارة ويُعيد إشعاعها نحو الأرض كغطاءٍ عازل. ومنذ عام 1975، سجّلت فصول الصيف في الولايات المتحدة القارّية ارتفاعاً في الحدّ الأدنى لدرجات الحرارة الليلية بلغ 2.6 درجة فهرنهايت (1.4 درجة مئوية)، في حين ارتفع الحدّ الأقصى للحرارة النهارية بمقدار 2.2 درجة فهرنهايت (1.2 درجة مئوية)، وفق ما أفادت به الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوّي (NOAA).

ويقول كايوي لو (Kaiwei Luo)، الباحث في علوم الحرائق بجامعة Alberta والمؤلّف الرئيسي للدراسة، إنّ الرطوبة الليلية "لم تعد تتعافى" من جفاف النهار كما كانت تفعل في السابق.

وأوضح وانغ أنّ حرائق الغابات كثيراً ما تتزامن مع موجات الجفاف، لا سيّما الشديدة منها، ممّا يعني هواءً جافاً وحارّاً في آنٍ معاً يشفط الرطوبة من التربة والنباتات، فيزيد الوقود قابليةً للاشتعال. وفي حالة الجفاف، يدور الجفافُ في حلقةٍ مفرغة: كلّما اشتدّ الجفاف، ازداد الغلاف الجوّي الأكثر دفئاً قدرةً على سحب الرطوبة من الوقود. وشبّه وانغ الأمر بموجات الحرّ التي لا تُتيح للجسم التعافي ليلاً: "الليالي الأكثر دفئاً لا تُتيح للغابات التعافي كذلك. قد يستغرق الوقود الميّت أسابيع لاستعادة رطوبته وتراجع قابليته للاشتعال."

وأضاف: "إنّه ضغطٌ حقيقي على النباتات، يزيد من كتلة الوقود ويجعل الاشتعال أيسر."

بين عامَي 2016 و 2025، أتت حرائق الغابات في الولايات المتحدة على مساحةٍ تعادل في المتوسط مساحة ولاية Massachusetts سنوياً، أي ما يزيد قليلاً على 11,000 ميل مربّع (28,500 كيلومتر مربّع) وهو 2.6 ضعف متوسّط المساحة المحترقة في ثمانينيات القرن الماضي، وفق المركز الوطني لمكافحة الحرائق. وفي كندا، تُشير بيانات المركز الكندي لمكافحة حرائق الغابات إلى أنّ متوسّط المساحة المحترقة خلال السنوات العشر الأخيرة يبلغ 2.8 ضعف ما كان عليه في الثمانينيات.

ووصف جاكوب بنديكس (Jacob Bendix)، عالم الحرائق في جامعة Syracuse والذي لم يشارك في البحث، الدراسةَ بأنّها "تذكيرٌ مقلق بدور تغيّر المناخ في تعزيز إمكانية الحرائق في ما يكادُ يكون جميع البيئات المعرّضة للحرائق في أمريكا الشمالية."

أخبار ذات صلة

Loading...
عامل بناء يشرب الماء أثناء العمل في موقع إنشاء، مع تسليط الضوء على تأثير الإجهاد الحراري في البيئات الحارة.

موجات الحرّ تطول: المكسيك وإيطاليا تشهد شهرَين إضافيَّين من الإجهاد الحراري

الأرض تعاني من حرّ غير مسبوق، حيث يكشف بحث جديد عن تأثيرات الرطوبة ودرجات الحرارة المحسوسة على البشر. هل أنت مستعد لاكتشاف المخاطر المتزايدة؟ تابع القراءة لتعرف المزيد عن هذا التحدي المناخي!
المناخ
Loading...
أطفال يستمتعون برذاذ الماء تحت برج إيفل في باريس خلال موجة حر شديدة، بينما شخص بالغ يتفقد هاتفه.

فرنسا تستعدّ لموجة حرّ قاسية وسط انتشار التحذيرات الحمراء

تواجه فرنسا وجنوب إنجلترا موجة حر قياسية تتجاوز 40 درجة مئوية، مما يهدد حياة الملايين. مع تحذيرات من وفيات يمكن تفاديها، تتخذ السلطات إجراءات عاجلة. اكتشف كيف يؤثر تغير المناخ على مستقبلنا، وكن جزءًا من الحل!
المناخ
Loading...
ضبطت السلطات في بالي 21 سلحفاة بحرية خضراء مُهدَّدة بالانقراض خلال مداهمة، في إطار جهود مكافحة الاتجار غير المشروع.

شرطة بالي تحبط محاولة تهريب 21 سلحفاة بحرية خضراء محمية وتعتقل مشتبهاً

في جزيرة بالي الساحرة، أحبطت السلطات محاولة لتهريب 21 سلحفاة بحرية خضراء مُهدّدة بالانقراض، مما يسلط الضوء على أزمة الاتجار غير المشروع. تابعوا معنا تفاصيل هذه القضية المثيرة التي تكشف عن التحديات البيئية في المنطقة.
المناخ
Loading...
مشهد من سوق محلي في إسرائيل، يظهر مجموعة متنوعة من الخضروات، بما في ذلك الطماطم والبطاطا، مع وجود شخصين يتبادلان الحديث.

الخضراوات ملوّثة بمواد كيميائية من انفجارات عسكرية بغزة

تظهر دراسة جديدة أن الحرب الإسرائيلية على غزة تسببت في تلوث خطير للمحاصيل الزراعية بمركبات PFAS، ما يهدد صحة الإنسان والبيئة. هل تريد معرفة المزيد عن الآثار لهذه المواد الكيميائية؟ تابع القراءة!
المناخ
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية