تداعيات الحرب على إيران على الصحراء الغربية
تتابع المنطقة المغاربية تأثير الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتأثيرها على الصحراء الغربية وصراعات الجزائر والمغرب. كيف ستغير هذه الأحداث التوازنات الإقليمية؟ اكتشف المزيد حول هذا الموضوع الشائك.

تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران
-تتابع المنطقة المغاربية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتوسعها في الشرق الأوسط باهتمام خاص، ولسبب وجيه: فالتداعيات الجيوسياسية والاقتصادية لهذه الأزمة الكبرى ستؤثر بالتأكيد على التوازنات الإقليمية في شمال أفريقيا أيضاً.
التوازنات الإقليمية في شمال أفريقيا
وخلف القنابل التي تنهمر على طهران، يجري أيضًا اللعب على مستقبل الصحراء الغربية، والتحالفات في منطقة الساحل، والتنافس بين الدولتين القوتين الكبيرتين في شمال أفريقيا، الجزائر والمغرب.
التحالفات التقليدية بين إيران والجزائر والمغرب
فلطالما تحالفت طهران تقليدياً مع الجزائر وبدرجة أقل مع تونس بينما تعتبر المغرب طرفاً معادياً. وبالمثل، طورت الجزائر والرباط مقاربتين مختلفتين جذريًا في التعامل مع مجريات الأحداث الأخيرة.
استراتيجية الجزائر في التعامل مع الأزمة
فمن ناحية، تحاول الجزائر القيام بعملية توازن دبلوماسي معقدة، أي الدفاع عن مبادئها دون الإضرار بمصالحها، وفي الوقت نفسه الاستفادة من ارتفاع أسعار الطاقة كقوة نفطية وغازية كبرى.
فرص المغرب في تعزيز تحالفاته
ومن جهة أخرى، يرى المغرب في الحرب فرصة إضافية لتعزيز تحالفه مع واشنطن وإسرائيل وكذلك دول الخليج تحسباً للمفاوضات الجارية حول مصير الصحراء الغربية، وهي الأراضي التي يطالب بها ويحتل 80 في المئة منها منذ 50 عاماً.
قطع العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإيران
وكان المغرب قد قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران في عام 2018 وسط اتهامات بتسليم أسلحة إلى جبهة البوليساريو، وهي حركة الاستقلال الصحراوية المدعومة من الجزائر.
ردود الفعل المغربية على الأحداث الأخيرة
وعندما اندلعت الحرب في الشرق الأوسط في 28 فبراير/شباط، سارعت الرباط إلى إدانة الأعمال الانتقامية الإيرانية ضد جيرانها في الخليج، بينما التزمت الصمت إزاء العدوان الإسرائيلي الأمريكي على الجمهورية الإسلامية ولبنان.
ومثلما فعلت عندما انضمت إلى التحالف الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين في اليمن، المتحالفين مع إيران، في عام 2015، تتبنى الرباط خيارها بالكامل.
وقال رؤوف فرح، وهو عالم سياسي جزائري كندي ومحلل بارز في المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية: "ينبع هذا الموقف من تقاطع عداء المغرب التاريخي تجاه طهران، وتعاونه الاستراتيجي مع واشنطن، والسياق الدبلوماسي الحساس المحيط بوضع الصحراء الغربية".
تأثير الصراع على قضية الصحراء الغربية
في ديسمبر 2020، قام المغرب بتطبيع العلاقات مع إسرائيل عندما انضمت المملكة إلى اتفاقات أبراهام في نهاية الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، مقابل اعتراف الولايات المتحدة وإسرائيل بمطالبة المغرب بالسيادة على منطقة الصحراء الغربية المتنازع عليها.
ومنذ ذلك الحين، عززت المملكة علاقاتها مع الولايات المتحدة، وأصبحت حليفاً رئيسياً لواشنطن في أفريقيا، بينما طورت في الوقت نفسه تعاوناً واسع النطاق مع إسرائيل.
وقال الباحث ناصر جابي، وهو أستاذ سابق في علم الاجتماع بجامعة الجزائر 2 وباحث في المركز الجزائري للبحوث في الاقتصاد التطبيقي والتنمية، إن المغرب يجسد التنوع السياسي في المغرب العربي، مشيرا إلى أن البلاد في السنوات الأخيرة "اتجهت نحو تقارب ملحوظ مع إسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج العربي".
ومع ذلك، فإن هذا الموقف من قبل الرباط يتعارض مع الرأي العام المغربي.
وقال فرح: "في هذا السياق من التصعيد، يواجه النظام الملكي ضغوطًا داخلية متزايدة، حيث تنتشر صور الضربات الأمريكية الإسرائيلية في إيران ولبنان على نطاق واسع في المجال العام".
ووفقاً لجابي، فإن "الرأي العام في المنطقة المغاربية متقارب جداً ومعادٍ إلى حد كبير للحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران".
ومع ذلك، فإن مخاطر الاضطرابات الداخلية محدودة في الدول التي لا تترك مجالًا كبيرًا لتحدي النظام القائم. وقال الجابي إن شعوب المنطقة "لا تملك الوسائل للتعبير عن مواقفها، بسبب الخناق السياسي على الشارع المغاربي".
اكتسبت قضية الصحراء الغربية، وهي المحور الرئيسي لدبلوماسية المملكة وسياستها الداخلية، زخما جديدا في الآونة الأخيرة تحت ضغط إدارة ترامب التي تنظم محادثات من وراء الأبواب الخلفية تجمع اللاعبين الرئيسيين، وهم المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا.
دور إدارة ترامب في النزاع
وتهدف هذه الجولات السرية من المناقشات التي من المقرر أن تعقد الجولة التالية منها، وفقًا للمصادر في واشنطن في مايو/أيار إلى التوصل إلى اتفاق نهائي يستند إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797. وكان هذا النص، الذي تم تبنيه في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قد شهد دعماً غير مسبوق لخطة المغرب للحصول على حكم ذاتي محدود تحت سيادته للصحراء الغربية.
المفاوضات السرية حول الصحراء الغربية
وكانت الجزائر، التي تدعم حق تقرير المصير للشعب الصحراوي، قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب في عام 2021 بسبب هذه القضية بشكل أساسي بالإضافة إلى علاقات المغرب الوثيقة المتزايدة مع إسرائيل. كما تتنافس الدولتان الجارتان على موقع القوة الأكثر نفوذاً في منطقة الساحل.
تأثير العلاقات الجزائرية المغربية على النزاع
وقال فرح : "إن الأزمة الحالية في الشرق الأوسط يمكن أن تؤجج التنافس الجيوسياسي الإقليمي.
الخطاب المغربي حول جبهة البوليساريو
ويوضح أن الخطاب الرسمي المغربي يميل بانتظام إلى ربط جبهة البوليساريو بإيران وهو اتهام ترفضه حركة التحرير الصحراوية.
وأضاف فرح: "في سياق تظل فيه المفاوضات المتعلقة بمستقبل الصحراء الغربية حساسة، يمكن استغلال هذا النوع من السرد بشكل أكبر من قبل الرباط للدفع باتجاه تصنيف البوليساريو كـ"كيان إرهابي"، وهو تكتيك لنزع الشرعية عن الحركة الصحراوية، خاصة إذا فشلت المفاوضات الجارية".
استغلال السرد السياسي في النزاع
وبالتالي، فإن الأزمة الحالية تمثل بالنسبة للجزائر تسلسلًا دبلوماسيًا عالي الخطورة حيث لا يمكن للرباط أن تقدم أي انفتاح.
استراتيجية الجزائر في التعامل مع المغرب
وقال مصدر دبلوماسي جزائري طلب عدم الكشف عن هويته إن الجزائر في تعاملها مع المغرب تريد في المقام الأول أن تتجنب "أن تجد نفسها معزولة خلال هذه الأزمة أو بعدها".
وقال المصدر: "لدينا استراتيجيتنا الخاصة: تنويع شركائنا، وأن نكون أقل اعتمادًا على سلاسل التوريد الغربية، وتجنب أي صراع خلال السنوات الثلاث المتبقية من ولاية ترامب".
وأضاف المصدر أن الأمر يتعلق بـ"القدرة على لعب لعبة دبلوماسية الصفقات الأمريكية دون المساس بمبادئنا".
وقد يكون هذا التوازن رهاناً دقيقاً بالنسبة للجزائر.
التحديات الدبلوماسية للجزائر والمغرب
وقال عابد شارف، وهو كاتب وكاتب عمود جزائري شغل في السابق منصب رئيس تحرير صحيفة "لا نيشن" الأسبوعية: "سيتعين على الجزائر أن تكون يقظة للغاية خلال الفترة المتبقية من ولاية ترامب".
وأضاف أن "المغرب سيتعرض لإغراء لاستفزازات في عهد ترامب" بشأن قضية الصحراء الغربية.
وفي حين أن المواجهة العسكرية تبدو غير واردة في هذه المرحلة، على الرغم من سباق التسلح المقلق بين البلدين، اللذين يعتبران أكبر مستوردي الأسلحة في أفريقيا، فإن التحركات الدبلوماسية التي تقوم بها الرباط والتي تعتبرها الجزائر عدائية قد تعقد موقف الأخيرة المتوتر أصلاً من قضية الصحراء الغربية.
وقال فرح إن "السلطات الجزائرية في موقف حساس".
يبدو أنها تسير على حبل مشدود، وتحاول الحفاظ على موقف براغماتي يتجنب إثارة غضب دونالد ترامب بشكل مباشر، على سبيل المثال من خلال إدانة الضربات الإيرانية ضد القواعد والمواقع الأمريكية في المنطقة وكذلك في بعض الدول العربية".
موقف الجزائر من الضغوط الأمريكية
وأضاف فرح: "في الوقت نفسه، تحاول الجزائر عدم الظهور بمظهر المنحاز لواشنطن والعواصم الخليجية أو المتأثر بها".
في 28 فبراير، عند بدء الضربات الإسرائيلية الأمريكية على إيران، أعربت الجزائر عن أسفها لـ "تصعيد عسكري لا يمكن التنبؤ بعواقبه"، ودعت إلى "ضبط النفس"، دون أن تدين الهجوم مع ذلك.
ردود الجزائر على الضربات العسكرية
وبعد فترة وجيزة من الضربات الانتقامية الإيرانية الأولى على الخليج، أعربت الجزائر عن "تضامنها التام والكامل مع الدول العربية الشقيقة التي استهدفتها الضربات العسكرية"، دون أن تسمي إيران صراحةً كمسؤولة عن هذا العدوان.
وفي حين أن العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة تدهورت بشكل كبير في السنوات الأخيرة، حيث اتهمت الجزائر أبو ظبي مرارًا وتكرارًا بالتدخل الضار في شؤونها الداخلية والمنطقة ككل، إلا أن الدولة الواقعة في شمال أفريقيا ترغب في الحفاظ على علاقات قوية مع دول الخليج الأخرى.
"ومع ذلك، فإن هذا الموقف يفسره البعض بالفعل على أنه انفصال مقلق بين خطاب الجزائر التقليدي القائم على عدم التدخل والتضامن مع القضايا العادلة ونهجها الحذر الحالي.
العلاقات الجزائرية مع دول الخليج
وفي حين لعبت الجزائر دورًا رائدًا في حركة عدم الانحياز في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، ولديها تقليد في مناصرة الجماعات المضطهدة التي تتطلع إلى تقرير المصير، وخاصة الفلسطينيين، إلا أن قدرتها على ترجمة هذا الموقف الأيديولوجي إلى أفعال ملموسة، بحسب محللين.
تحديات الجزائر في الحفاظ على موقفها التقليدي
ومع ذلك، بالنسبة لعزيز شهير، وهو عالم سياسي مغربي وباحث مشارك سابق في مركز جاك براك في الرباط، فإن الحرب على إيران قد تساعد الجزائر للمفارقة على استعادة دور معين في حركة المقاومة ضد الهيمنة الغربية.
وقال : "إن إيران الضعيفة ولكن الصامدة تبث روحًا جديدة في الجنوب العالمي، وبالتالي في الجزائر".
ويعتقد شهير أيضًا أنه إذا اختارت واشنطن تسليح الأكراد الإيرانيين ضد طهران، وفقًا لمصالحها الاستراتيجية، فإن حق تقرير المصير الذي يطمحون إليه سيصبح "أداة انتقائية للقوة ويفقد حياده القانوني، ومعه مصداقية الولايات المتحدة كوسيط في الصحراء الغربية".
"ستكون النتيجة غير المتوقعة هي أن تقدم واشنطن تنازلات بشأن الصحراء من أجل تعويض حيادها المفقود، وبالتالي ستكرس عن غير قصد الوضع الراهن الذي ادعت أنها تتجاوزه".
على الصعيد الاقتصادي، يلعب القطبان الجيوسياسيان المغاربيان، بأنظمتهما المالية الهشة، أدوارا مختلفة.
ولا يزال المغرب يعتمد بشكل كبير على الطاقة والتدفقات البحرية. وقد انعكس ارتفاع أسعار الوقود في المضخات الناجم عن الحرب في الشرق الأوسط على الفور في المملكة.
كما أن الزيادة في أسعار بعض المنتجات بسبب التضخم المستورد الناجم عن تكاليف الشحن قد يزيد من توتر الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمملكة، خاصة خلال فترة شهر رمضان.
ويوضح موقع "أفريك دوت كوم"، وهو وقع إلكتروني أفريقي ناطق بالفرنسية: "يتمتع المغرب بأسس متينة وموقع جغرافي فريد، لكن مدة الصراع في إيران ستحدد ما إذا كان عام 2026 سيكون عام تباطؤ النمو أو عام أزمة عميقة. "يجب على المملكة الآن أن تختار بين طموحاتها التنموية طويلة الأجل وبين حالة الطوارئ الاجتماعية العاجلة."
على الجانب الجزائري، لم تتجسد صدمة التضخم المستورد حتى الآن، ولكن الخطر كامن بالنظر إلى اعتماد البلاد على الواردات الغذائية والصناعية.
ومن ناحية أخرى، ومع وجود احتياطيات مؤكدة من الغاز الطبيعي التقليدي تقدر بنحو 2.4 تريليون متر مكعب و12.2 مليار برميل من احتياطيات النفط المؤكدة، ترى الجزائر أن ارتفاع أسعار خام برنت وانخفاض كميات الغاز المتاحة في السوق الأوروبية ضمانة لإيرادات إضافية كبيرة.
وسيسمح ذلك للبلاد بتحسين احتياطاتها من النقد الأجنبي بالدولار الأمريكي وتمويل العجز الكبير الذي تعاني منه الدولة جزئياً.
وعلاوة على ذلك، سيتعزز موقف الجزائر تجاه الاتحاد الأوروبي، وهو خبر سار بالنسبة للجزائر في سياق إعادة التفاوض الجاري على اتفاقية التجارة الحرة مع الكتلة الأوروبية.
"تتمتع الجزائر بميزة جغرافية حاسمة: حيث يصل غازها إلى أوروبا عبر خطي أنابيب ترانسميد وميدغاز، الواقعين مباشرة تحت البحر الأبيض المتوسط. ولا يوجد أي نشاط بحري يهدد هذا الطريق"موقع Maghreb Emergent التجاري.
ومع استمرار اشتداد الحرب وعدم وجود نهاية وشيكة لها في الأفق وتهديدها للاقتصاد العالمي، فإن المغرب العربي لا يكتفي بمراقبة التطورات كجار قلق، بل يقرأها كلحظة تاريخية لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية المحتملة.
فالرباط تعتبرها نافذة لتعزيز مكاسبها الدبلوماسية في الصحراء الغربية؛ والجزائر تعتبرها مرحلة يجب إدارتها بحذر للحفاظ على مصالحها الطاقوية وتوازنها الخارجي وعمقها الاستراتيجي.
لن تحدد الأزمة الحالية وحدها مستقبل المغرب العربي، لكنها قد تسرّع من التحولات الإقليمية.