وورلد برس عربي logo

مخاطر التهريب في سبيل حياة أفضل لليمنيين

يستعرض المقال رحلة أحمد، يمني يسعى لتحسين وضعه المعيشي في السعودية عبر تهريب القات، رغم المخاطر المميتة. قصة مأساوية تعكس واقع ملايين اليمنيين الباحثين عن الأمل في زمن النزاع والفقر.

حزمة من أوراق القات الخضراء في يد شخص، مع أكياس بلاستيكية ملونة في الخلفية، تعكس تجارة القات المحظورة في اليمن والسعودية.
القات هو ورقة منبهة تُصنف كدواء غير قانوني في المملكة العربية السعودية.
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

يبحث كثيرٌ من الشباب اليمني عن مستقبلٍ أفضل في المملكة العربية السعودية، التي تمثّل أحد القلائل من المسارات المتاحة للعمل والاستقرار، لا سيّما لمن يسعون إلى الابتعاد عن مناطق النزاع. غير أنّ الوصول إلى المملكة المجاورة يكلّف نحو 2,500 دولار، وهو مبلغٌ يفوق طاقة معظم اليمنيين.

أحمد:طاهٍ يبلغ من العمر 35 عاماً وأبٌ لطفلَين، كان يحلم بالسفر إلى السعودية للعمل في أحد المطاعم، لكنّه عجز عن تأمين تكاليف التأشيرة أو إيجاد كفيلٍ سعودي.

تقول زوجته وفاء : "في أواخر عام 2024، قرّر أحمد دخول المملكة بصورة غير نظامية، وبدأ العمل في مطعمٍ بمنطقة جازان، وقد رحّلته السلطات السعودية مرّتَين."

يقيم أكثر من 1.8 مليون يمني بصورة نظامية في المملكة العربية السعودية، ما يجعل الجالية اليمنية رابع أكبر جالية وافدة في المملكة، وفقاً لبيانات التعداد السعودي لعام 2022 التي نشرتها الهيئة العامة للإحصاء في مايو 2023.

في رحلته الأولى إلى المملكة، سافر أحمد رفقة مهرّبي القات، وشاهد عن كثبٍ كيف يُمرّرون هذه النبتة عبر الحدود، و وقف على المخاطر التي يواجهها المهرّبون وسائر من يحاولون العبور بصورة غير مشروعة.

تروي وفاء: "قرّر أن يخوض رحلة تهريب القات الخطرة إلى السعودية. كان يعلم تمام العلم بالمخاطر، لكنّه لم يجد عملاً آخر بعد ترحيله."

القات نبتةٌ منبّهة مصنَّفة ضمن المواد المخدّرة المحظورة في المملكة العربية السعودية. وتصل عقوبة الاتجار بها وتهريبها إلى السجن خمسة عشر عاماً، مع حدٍّ أدنى إلزامي يبلغ خمس سنوات، وغرامةٍ ماليةٍ قدرها 20,000 ريال (نحو 5,330 دولاراً)، فضلاً عن الترحيل النهائي للرعايا الأجانب.

وفي حالاتٍ بعينها يُحدّدها نظام مكافحة المخدّرات السعودي، قد ترتفع العقوبة لتبلغ الإعدام. كما يواجه المتكرّرون احتمال السجن حتى خمسة وعشرين عاماً.

كان أحمد مدركاً للمخاطر إدراكاً تاماً؛ سمع قصصاً عن يمنيّين لقوا حتفهم على الحدود اليمنية-السعودية خلال عمليات التهريب، لكنّ نجاح عدد من أبناء قريته في العودة سالمَين دفعه إلى المجازفة.

تقول وفاء: "أمضى أربعة أشهر في تهريب القات على طول الحدود، وعاد بمالٍ وفير. عشنا كالأثرياء لشهرَين، ثمّ قرّر العودة لأربعة أشهر أخرى ليجمع ما يكفي لشراء منزل."

نهايةٌ مأساوية

لكنّ حظّ أحمد لم يدم طويلاً. بعد أسبوعَين فحسب من رحلته الثانية، تلقّت وفاء الخبر المروّع: لقي زوجها حتفه على الحدود، برصاصة أطلقها حرّاس الحدود السعوديون أثناء محاولته العبور.

تستعيد وفاء ذكرى لحظات وداعه الأخيرة للعائلة.

"قبل رحيله، وعد أطفاله بدرّاجتَين، وطلب منّي أن أبدأ بالبحث عن منزلٍ نشتريه حين يعود. أما الآن، فلا درّاجتَين ولا منزل، ونواجه خطر الإخلاء لعجزنا عن دفع الإيجار."

قُتل أحمد منذ شهرَين، ولم تُخبر وفاء أطفالها بذلك حتى الآن، وهم جميعاً دون سنّ العاشرة، حمايةً لهم من الصدمة.

"أقول لأطفالي إنّ أباهم لا يزال يعمل في السعودية، ولن أُخبرهم بالحقيقة حتى يكبروا"، قالت.

"من الصعب جداً أن تُخبر طفلاً أنّ أباه قُتل وهو يسعى فقط لتأمين احتياجاتهم."

خيارُ أحمد اليائس ليس حالةً فردية، بل هو انعكاسٌ لكارثةٍ وطنية شاملة.

في عام 2026، يحتاج أكثر من 22.3 مليون شخص في اليمن أي أكثر من نصف السكان إلى المساعدات الإنسانية وخدمات الحماية. وقد حرم أكثر من عقدٍ من النزاع المستمر، إلى جانب الانهيار الاقتصادي الحاد وشحّ التمويل والصدمات المناخية، ملايينَ الأشخاص من الحصول على الغذاء والرعاية الصحية والمياه النظيفة، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (Ocha).

القتال أم التهريب

خالد، 45 عاماً، يمنيٌّ آخر لجأ إلى تهريب القات منذ عام، بعد أن رأى بأمّ عينيه كيف انتشل هذا الخيار آخرين من براثن الفقر إلى مستوىً من الرخاء ظلّ حلماً بعيد المنال.

يقول : "فكّرت طويلاً بين خيارَين: الانضمام إلى القتال أو تهريب القات، إذ هذان هما العملان الوحيدان المتاحان لي اللذان يدرّان دخلاً جيداً. فاخترت التهريب."

يصف خالد هذا المسار بأنّه "رحلة موت" تستلزم قدراً هائلاً من القوة البدنية والخبرة. فأحياناً يضطر المهرّبون إلى المشي أكثر من 20 كيلومتراً وهم يحملون على ظهورهم ما يصل إلى 40 كيلوغراماً من القات، وهو ما لا يُطيقه الجميع.

"أنا مجرّد عاملٍ لدى مهرّبٍ كبير. يسلّمني حقيبة قاتٍ عند الحدود اليمنية، وإن نجحت في الوصول إلى السعودية، أُكافأ بـ5,000 ريال سعودي"، يشرح خالد.

"هذا دخلٌ لا يستطيع أيّ يمني عادي أن يحصل عليه بسهولة في مكانٍ آخر."

يقول خالد إنّ حرّاس الحدود السعوديين يأمرون المهرّبين بالتوقّف حين يرصدونهم، فإن حاولوا الفرار أطلقوا النار، وكثيراً ما يُسقطون قتلى أو جرحى.

"اعتُقل كثيرٌ من اليمنيين ويواجهون عقوباتٍ صارمة في السعودية، لذا أُفضّل الجري. بالنسبة لي، إمّا أن أعبر أو أموت، لكنّ الحظّ أسعفني في كلّ مرة حتى الآن"، يقول.

"أذكر يوماً كنّا فيه عشرة أشخاص نحمل حقائب القات حين انطلق الرصاص من بعيد. تفرّقنا، ولم يصل منّا سوى ستة سالمَين. لا أعلم حتى اليوم إن كان الآخرون قُتلوا أم أُصيبوا أم اعتُقلوا."

استثمر خالد، الذي يعدّ نفسه من المحظوظين، ما جمعه من مالٍ لفتح محلٍّ للبقالة في مدينة لحج، وبناء منزلٍ لعائلته. ويقول إنّ أيام التهريب باتت خلفه.

"عامٌ واحد كفاني لأحقّق حلمَي في امتلاك منزلٍ ومحلّ بقالة. سأتفرّغ الآن لإدارة هذا العمل مع أبنائي."

ورغم أنّ خالد لا يفخر بلجوء أبناء جلدته إلى التهريب، يقول إنّ الوضع الاقتصادي الكارثي لا يترك للكثيرين خياراً آخر.

"لو لم أكن مضطرّاً لإعالة عائلتي، ما خاطرت بحياتي قطّ، لكنّني كنت مُجبَراً"، يقول.

"لا أريد لأبنائي أن يسلكوا هذا الطريق يوماً. أحثّهم على تنمية محلّ البقالة وجعله مستقبلهم."

"كلّ يومٍ أسوأ من سابقه"

يرى الخبير الاقتصادي سمير الذبحاني أنّ كثيراً من اليمنيين يُدفعون إلى خياراتٍ خطرة في سعيهم لتأمين الضروريات الأساسية لعائلاتهم وتحقيق أبسط تطلّعاتهم.

يقول : "توقّفت الخدمة المدنية عن استيعاب خرّيجي الجامعات الجدد منذ عام 2011 تقريباً، والوضع الاقتصادي انهار، والسكّان في تزايد مستمر. كلّ هذه العوامل مجتمعةً أجبرت اليمنيين على البحث عن أعمالٍ خطرة أو غير مشروعة."

و أوضح أنّ تهريب القات إلى السعودية ليس ظاهرةً جديدة، غير أنّها كانت في السابق مقتصرةً على أفرادٍ قلائل. أما اليوم، فقد أقبل عليها أعدادٌ متزايدة، إذ يوازن هؤلاء بين مخاطر التهريب ومخاطر الانخراط في القتال، الذي لا يزال أحد مصادر الدخل القليلة المتاحة على نطاقٍ واسع للشباب اليمني.

"تهريب القات هو أحد التداعيات المأساوية للحرب؛ فقد كسر بعض الناس حاجز الخوف ولم يعودوا يترددون في قبول الأعمال الخطرة"، يضيف الذبحاني.

"لكن يجب ألّا نغفل عن الجذر الحقيقي للمشكلة، وهو الوضع الاقتصادي الكارثي وشحّ فرص العمل المشروعة الشديد."

وأكّد أنّه لو توافرت وظائف آمنة ونظامية وذات أجرٍ مجزٍ، ما خاطر اليمنيون بأرواحهم في تهريب القات. اليأسُ هو الذي يدفعهم إلى ذلك.

"منذ عام 2015، كلّ يومٍ في اليمن أسوأ من سابقه. لن يتوقّف الناس عن هذه الأعمال الخطرة حتى تأخذ الحكومة هذه القضية بجديّة وتشرع في تنفيذ حلولٍ لإنعاش الاقتصاد وتوفير وظائف مدنية للشباب"، يقول.

وفاء توافق على أنّ الأزمة الاقتصادية هي التي دفعت زوجها إلى تهريب القات، لكنّها تؤكّد أنّ شيئاً في الحياة لا يستحق مثل هذا الثمن.

"الأيام التي كنّا نكتفي فيها بوجبةٍ واحدة في اليوم، وزوجي بجانبي، كانت أجمل بلا قياسٍ من هذه الأيام التي أعيشها بدونه"، قالت.

"أن تجتمع العائلة كلّها تحت سقفٍ واحد، لا تدرك قيمة هذا حقّاً إلّا حين تفقد من تحبّ."

أخبار ذات صلة

Loading...
وصول طائرة شحن تحمل مساعدات طبية إلى مطار بونيا في الكونغو، حيث يقوم عمال الإغاثة بتحميل صناديق الإمدادات لمواجهة تفشي فيروس إيبولا.

إمدادات إغاثية تصل إلى بؤرة وباء إيبولا بالكونغو مع زيارة رئيس الصحة العالمية لكينشاسا

في خضم أزمة إنسانية طاحنة في شمال شرق الكونغو، يواجه عمال الإغاثة تحديات جسيمة لمكافحة تفشي فيروس إيبولا. مع تزايد حالات الوفاة، انضمّ المجتمع الدولي لدعم جهود الإنقاذ. تابعوا معنا تفاصيل هذه الأزمة الملحة.
Loading...
أطفال سودانيون يرتدون حقائب مدرسية، يسيرون في منطقة قاحلة، مع العلم السوداني في الخلفية، مما يعكس تأثير النزاع على التعليم.

انتهاكاتٌ في السودان برعاية مرتزقة كولومبيين مدرّبين في قواعد الإمارات

في قلب الصراع السوداني، يكشف تقرير Human Rights Watch عن تورط مرتزقة كولومبيين مدعومين إماراتياً في فظائع مروعة. هل ستتوقف الدول عن دعم هذه الانتهاكات؟ تابعوا التفاصيل الصادمة في المقالة الكاملة.
Loading...
امرأة ترتدي فستاناً أخضر تعبر عن حزنها بينما يرتدي عامل صحي بدلة واقية ويقوم بنقل توابيت في موقع تفشّي الإيبولا في الكونغو.

الكونغو تكافح فيروس إيبولا وسط نقص المساعدات والتمرد المسلح والغضب الشعبي

تتفاقم أزمة الإيبولا في شرق الكونغو، حيث تجاوزت الحالات المشتبه بها 904، وسط تدهور الأوضاع الأمنية. اكتشف كيف يعكس الغضب المجتمعي هذه التحديات، وما تأثيرها على جهود الاستجابة. تابع القراءة لتفاصيل مثيرة!
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية