الضباب الغامض في الزهرة يكشف أسرار النيازك الفضائية
اكتشف علماء أن طبقة الضباب الصفراء في كوكب الزهرة ليست من صنعه بل من غبار نيازك محترقة تتفاعل مع حمض الكبريتيك لتشكّل الضباب وتفسّر امتصاص الأشعة فوق البنفسجية ما يفتح آفاقاً جديدة لفهم مناخات الكواكب في المجموعة الشمسية وورلد برس عربي

منذ أن أرسلت مسبارات «فينيرا» السوفيتية ومركبة «Pioneer Venus» الأمريكية أولى صورها عن كوكب الزهرة في سبعينيات القرن الماضي، ظلّت طبقةٌ ضبابية صفراء في الغلاف الجوي السفلي للكوكب لغزاً محيّراً لعلماء الفلك. لم تكن المعضلة في رصد هذه الطبقة، بل في تفسير أصلها: هل هي رماد بركاني متطاير من أحد أنشط الأجرام بركانياً في المجموعة الشمسية، أم غبارٌ سطحي ترفعه الرياح؟ دراسةٌ جديدة نُشرت في مجلّة «Nature Astronomy» عام 2026 (برقم تعريف DOI: 10.1038/s41550-026-02843-4) تقدّم إجابةً مغايرة تماماً: الضباب السفلي لكوكب الزهرة ليس من صنع الكوكب نفسه، بل من بقايا نيازك محترقة قادمة من الفضاء.
كيف توصّل الباحثون إلى هذا الاستنتاج؟
قاد عالم الكواكب هيروكي كاريو (Hiroki Karyu) من جامعة توهوكو (Tohoku University) في مدينة سينداي اليابانية فريقاً استخدم نموذجاً فيزيائياً دقيقاً (microphysical model) لمحاكاة آليات تشكّل هذه الطبقة الضبابية. النموذج استبعد، بشكلٍ منهجي، الفرضيتين السائدتين سابقاً. فالرماد البركاني، رغم أنّ كوكب الزهرة يُوصف بأنه الأكثر نشاطاً بركانياً في المجموعة الشمسية وهو ما رصدته مركبة «Magellan» لأول مرة في مطلع التسعينيات، وأكّدته دراسات حديثة أظهرت أنّ النشاط البركاني أكبر بكثير مما كان يُعتقد لم يكن كافياً لتفسير التفاعل المطلوب مع الكبريت الجوي. وينطبق الأمر نفسه على فرضية الغبار السطحي: فحتى تدفقات أكبر من الرماد أو الغبار لن تُتيح التفاعل الكيميائي اللازم مع حمض الكبريتيك الذي يُشكّل سحب الزهرة.
البديل الذي قدّمه الفريق أكثر إثارة: جسيمات غبار كوني متبقّية من نيازك تحترق في الغلاف الجوي للكوكب، تتفاعل مع حمض الكبريتيك لتُنتج طبقة الضباب السفلي. وهنا يقول كاريو: «التدفّق المستمر للغبار الكوني كافٍ للحفاظ على طبقة الضباب السفلي هذه بتوزيع الأحجام نفسه الذي رصدته المسابير الهابطة».
آلية تشبه تكوّن السحب على الأرض
الفكرة ليست غريبة عن علم الغلاف الجوي الأرضي. فعلى الأرض، يتكاثف بخار الماء حول جسيمات هوائية محبّة للماء (hygroscopic aerosol particles) لتتشكّل قطرات السحب، وقد تكون هذه الجسيمات غباراً أو سخاماً أو رماداً بركانياً أو حتى ملحاً بحرياً، بحسب ما توثّقه الهيئة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية (NOAA). على كوكب الزهرة، تؤدّي جسيمات النيازك الدور نفسه: فهي توفّر فرصاً إضافية للتكثّف تزيد من إنتاج السحب، إذ تلتصق عدة جسيمات نيزكية ببعضها مكوّنةً تجمّعات أكبر قبل أن يتكثّف حولها حمض الكبريتيك.
تنمو هذه السحب المتكثّفة وتثقُل تدريجياً، فتهبط نحو الغلاف الجوي السفلي للكوكب، حيث يتبخّر حمض الكبريتيك عند درجات حرارة تصل إلى 100 درجة مئوية (212 فهرنهايت). وما يتبقّى بعد هذا التبخّر هي جسيمات النيازك «العارية» التي تُشكّل بذاتها طبقة الضباب المرصودة. ويضيف كاريو: «هذه الجسيمات الضبابية ذات الأصل الكوني تعمل كأنوية تكثيف فعّالة، تُعزّز تشكّل السحب في الطبقة السحابية الرئيسية حتى بعيداً عن مصدرها الأصلي».
لغز الامتصاص فوق البنفسجي: كبريتات الحديد
من أبرز ما تكشفه الدراسة أيضاً تحديد المادة المسؤولة عن امتصاص الأشعة فوق البنفسجية في طبقة الضباب، وهي ظاهرة ظلّت غامضة لعقود. توصّل الفريق إلى أنّ كبريتات الحديد (iron sulfate) تُطابق خصائص الضباب المرصودة وتُمثّل على الأرجح العامل الماصّ لهذه الأشعة. وتدعم هذا الاستنتاج بيانات سابقة: فقد رصدت مسابير «فينيرا» و«فيغا» (Vega) الحديد في الغلاف الجوي للكوكب، كما عثر مقياس الطيف الكتلي التابع لمسبار «Pioneer Venus Large Probe» على كبريتات الحديد تحديداً. ويتماشى هذا مع تركيب النيازك نفسها، التي غالباً ما تحتوي على المغنيسيوم والسيليكون والحديد علماً أنّ العنصرين الأولين من ضعاف امتصاص الأشعة فوق البنفسجية، ما يُرجّح أنّ الحديد هو اللاعب الأساسي.
أما عن سبب بقاء جزء من هذه الجسيمات في طبقةٍ مرتفعة بدلاً من الهبوط فوراً، فالتفسير يكمن فيما يُعرف بـ«حاجز التنوّي» (nucleation barrier): عند ارتفاعات تتراوح بين 40 و50 كيلومتراً (نحو 25 إلى 31 ميلاً)، تمتلك بعض جسيمات الضباب طاقة عالية تمنع التصاق قطرات حمض الكبريتيك بها. هذه الجسيمات ذات الحاجز القوي تحملها تيارات الحمل الحراري الصاعدة نحو طبقة السحب العليا، حيث يبرد الهواء الساخن الصاعد وتندمج الجسيمات مع جسيمات حمض الكبريتيك الأخرى.
ما الذي يعنيه هذا لكواكب أخرى؟
يرى فريق كاريو أنّ نتائجه تقدّم أدلة أقوى من الملاحظات السابقة على أنّ الغبار الكوني ليس تفصيلاً هامشياً في مناخات الكواكب، بل عنصرٌ أساسي فيها. وتفتح الدراسة نقاشاً حول صلاحية هذه الآلية لكواكب أخرى في المجموعة الشمسية، مثل المشتري وزحل ونبتون، وربما حتى للكواكب خارج المجموعة الشمسية (exoplanets). فبينما حظيت الطبقات الضبابية العليا للكواكب الغازية العملاقة بدراسات مستفيضة، لا تزال العمليات الحاصلة أسفل طبقات السحب الرئيسية فيها غامضة إلى حدّ بعيد. ويقترح الباحثون أنّ جسيمات النيازك التي لا تتبخّر قد تستقرّ على الطبقات السحابية الخارجية للمشتري بآلية مشابهة لما رُصد على الزهرة.
يختصر كاريو الرؤية الأوسع للدراسة بقوله: «هذه التأثيرات تُرسّخ الغبار الكوني كعنصرٍ أساسي في مناخات الكواكب، وهو دورٌ من المرجّح أن يكون مهماً أيضاً بالنسبة للكواكب خارج المجموعة الشمسية». ويضيف أنّ رصد الطبقات المعدنية في أغلفة الكواكب الخارجية الجوية، على غرار ما جرى على كوكب الزهرة، «سيُساعد في تحديد معدّلات ترسّب المعادن داخل أغلفتها الجوية، وبالتالي وفرة الضباب الناتجة عنها».
يبقى السؤال المفتوح الذي تتركه هذه الدراسة هو مدى قابلية هذه الآلية للتعميم على عوالم أبعد لم تصلها بعد مسابير بشرية، وما إذا كان الغبار الكوني ذلك الأثر الصامت لاصطدامات لا تنتهي في الفضاء يشكّل فعلاً جزءاً خفياً من وصفة المناخ في كل كوكب نعرفه، وربما في كواكب لم نكتشفها بعد.
أخبار ذات صلة

برج الطاقة الضخم من Blue Origin لتعزيز الكهرباء الشمسية على القمر

ميلت ويندلر: مدير الرحلة بـ NASA الذي أنقذ أبولو 13 يرحل عن 94 عاماً

كيمياء المحيطات القديمة تُرشد البحث عن الحياة في العوالم الأخرى
