كشف أسرار دماغ ذبابة الفاكهة الذكر بفروق عصبية فريدة
كشف خريطة دماغ ذكر ذبابة الفاكهة بالكامل مع الحبل الشوكي يكشف الفروق العصبية بين الذكر والأنثى ويعزز فهم سلوكياتهما المعقدة. اكتشاف يفتح آفاق جديدة لفهم الدماغ وتصميم أنظمة ذكية عبر وورلد برس عربي.

رسمٌ كاملٌ لكلّ خليةٍ عصبية في دماغ ذبابة الفاكهة الذكر بما فيه الحبل الشوكي نُشر في 3 سبتمبر 2026 في مجلّتَي Cell وCurrent Biology، ليُتيح للمرة الأولى مقارنةً منهجية بين دماغَي الذكر والأنثى عند كائنٍ يُظهر سلوكاً اجتماعياً معقّداً. قد تبدو ذبابة الفاكهة (Drosophila melanogaster) بعيدةً عن اهتمامات الطب العصبي، لكنّ الأرقام تقول غير ذلك: أكثر من 166,000 خلية عصبية في دماغٍ لا يتجاوز حجم بذرة الخشخاش، تُنجز حسابات بيولوجية بالغة الدقّة.
لماذا الذكر تحديداً؟
رُسمت خريطة دماغ أنثى ذبابة الفاكهة عام 2024، وشملت نحو 140,000 خلية عصبية. الخريطة الجديدة للذكر تضمّ ما يزيد على 166,000 خلية، وتشمل الجهاز العصبي المركزي بالكامل. الفارق ليس رقمياً فحسب؛ فالذكر والأنثى يتصرّفان بشكلٍ مختلف: الأنثى تستخدم الضرب بالرأس في مواقف العدوان، والذكر يلجأ إلى الاندفاع. هذه الفروق السلوكية لها جذورٌ عصبية، وتحديدها يستلزم مقارنةً دقيقة بين الخريطتين.
يقول Gerry Rubin، رئيس قسم الأحياء في Janelia Research Campus التابع لـ Howard Hughes Medical Institute: "إنّها المرة الأولى التي يمكننا فيها مقارنة كلا الجنسين لدى حيوانٍ يُظهر سلوكاً اجتماعياً معقّداً." ويُضيف: "ذكور وإناث الذباب لديهم فروقٌ كثيرة في السلوك، ويريد علماء الأعصاب فهم كيفية تحكّم الدماغ في تلك السلوكيات. هذا الاكتشاف يُتيح لنا الآن تحديد الخلايا العصبية المسؤولة عن تلك الفروق بسهولة."
ما كشفته الدراسات المصاحبة التي نُشرت في الوقت ذاته وتناولت دوائر التذوّق والرؤية والفروق الجنسية أنّ الدوائر المسؤولة عن الإحساس والحركة مشتركةٌ إلى حدٍّ بعيد بين الجنسين، في حين توجد شبكاتٌ عصبية خاصة بكلٍّ منهما تُنسّق السلوكيات الفريدة لكلّ جنس. كذلك تبيّن أنّ أكثر من نصف أنواع الخلايا العصبية البالغة نحو 11,000 نوع تتعلّق بمعالجة المعلومات البصرية وهو رقمٌ يعكس مدى تعقيد ما يبدو للوهلة الأولى نظاماً بسيطاً.
من التذوّق إلى التنقّل: أداةٌ لتوليد الفرضيات
تمتلك ذبابة الفاكهة مستقبلاتٍ للتذوّق موزّعة على أرجلها وأجنحتها وأجزاء الفم والحلق. وقد أتاحت الخريطة الجديدة تتبّع مسارات هذه الإشارات الحسّية داخل الجهاز العصبي بدقّةٍ غير مسبوقة. تصف Inês de Haan Vicente، الباحثة التقنية في مختبر Carlos Ribeiro بـ Champalimaud Foundation في لشبونة، هذا المخطّط بأنّه "أداةٌ لتوليد الفرضيات"، وتشرح: "لنفترض أنّك مهتمٌّ بكيفية تحكّم حاسة التذوّق في الحركة. يمكنك الآن الرجوع إلى الخريطة والسؤال: أيّ الخلايا الحسّية متّصلةٌ بالخلايا المتحكّمة في الحركة؟ وأيّ الخلايا الوسيطة يجب التأثير فيها؟ إنّها نقطة البداية."
أمّا Carlos Ribeiro نفسه، فيرى أنّ الجهاز العصبي لذبابة الفاكهة "يُنجز حساباتٍ بالغة التعقيد بعددٍ قليل نسبياً من الخلايا العصبية وبطاقةٍ ضئيلة، وقد تُلهم بنيتُه مبادئَ لتصميم أنظمة اصطناعية أكثر كفاءة." ويُضيف أنّ هذا العمل "يُوفّر خارطة طريق تقنية لمشاريع connectomics أكثر طموحاً في المستقبل، كتلك المخصّصة للفئران والبشر."
ما التالي في خرائط الدماغ؟
الخريطة المنشورة ليست نهاية المطاف، بل محطّةٌ في مسارٍ أطول. يخطّط الباحثون لرسم خرائط مماثلة لأدمغة يرقات سمك الزرد (Danio rerio) وسمك Danionella البالغ وهي خطوةٌ نحو فهم الدماغ الفقاري، وبالتالي الاقتراب تدريجياً من الأسئلة الأصعب: كيف تنشأ الاضطرابات العصبية؟ وأين تبدأ في الدوائر؟ الإجابة لن تأتي من دماغ الإنسان مباشرةً — فهو بالغ التعقيد بل ستُبنى خطوةً خطوةً، من بذرة الخشخاش إلى الفقاريات، ومن الفقاريات إلى ما هو أبعد.
أخبار ذات صلة

انفجار صاروخ Blue Origin أرسل موجات صوتية عبر 1600 كيلومتر في الولايات المتحدة

الفيروسات القاتلة في المخطوطات القديمة: كنوز بيولوجية تكشف أسرار الأمراض

كوكب الزهرة يتناقص ليصبح هلالاً — وهنا تبدأ الحقائق بالظهور
