تصعيد أمريكي ضد المحكمة الجنائية الدولية يهدد سيادتها
الولايات المتحدة تصعد ضد المحكمة الجنائية الدولية بعقوبات على قضاة ومحامين بارزين ردًا على تحقيقات جرائم حرب تخص مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين. صراع قانوني وحقوقي يتصاعد وسط ضغوط دولية متزايدة وورلد برس عربي يكشف التفاصيل.

فيما يشبه تصعيداً منهجياً لا مجرد إجراء معزول، أعلنت الولايات المتحدة يوم الثلاثاء فرض عقوبات على رئيسة المحكمة الجنائية الدولية اليابانية Tomoko Akane، إلى جانب المحامي السنغالي الأول في المحكمة Abdoulaye Seye. الخطوة ليست الأولى، لكنّها تكشف عن نمطٍ يستحقّ القراءة بعناية.
هذه الخطوة تأتي في سياق مسعى معلنٍ أطلقه الرئيس الأمريكي Donald Trump، يرمي إلى تفكيك المحكمة الجنائية الدولية رداً على تحقيقاتها في مسؤولين إسرائيليين، وربما أمريكيين، بتهم جرائم حرب. والجدير بالملاحظة أن الولايات المتحدة وإسرائيل ليستا طرفاً في نظام روما الأساسي الذي أسّس المحكمة عام 2002، في حين ينتمي إليها 125 دولة، عدد منها تأثّر بعمليات عسكرية أمريكية وإسرائيلية خارج نطاق القانون الدولي.
وقال وزير الخارجية Marco Rubio في بيانٍ رسمي: «أوضحت إدارة Trump موقفها: المحكمة الجنائية الدولية محكمةٌ فوق وطنية فاسدة ومسيّسة بشكل مميت، أساءت استخدام صلاحياتها بخبثٍ وتجاوزت ولايتها. لن نتسامح مع اعتدائها على سيادة الدول».
وأضاف Rubio أن Akane وSeye «انخرطا مباشرةً في جهود المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في مسؤولين أو اعتقالهم أو احتجازهم أو ملاحقتهم قضائياً دون موافقة حكوماتهم على اختصاص المحكمة... وهذا يُرسي سابقةً خطيرة لجميع الدول».
مسار العقوبات: من الأفراد إلى المؤسسات
ما قد لا يظهر في العنوان هو أن هذه العقوبات ليست ردود فعل عشوائية، بل تتّبع منطقاً تصاعدياً واضحاً. بعد أيامٍ قليلة من توليه السلطة في أواخر يناير 2025، وقّع Trump أمراً تنفيذياً يفرض عقوبات على المحكمة بسبب تحقيقاتها في كبار المسؤولين الإسرائيليين. وكان المدّعي العام السابق للمحكمة، المحامي البريطاني Karim Khan، أبرز المستهدفين في ذلك الوقت، قبل أن تُصوّت الدول الأعضاء على إعفائه من منصبه — وإن كان ذلك بسبب اتهاماتٍ بالتحرش الجنسي نفاها Khan.
وامتدّت العقوبات لتطال ثلاثة من أصل ثمانية قضاة في المحكمة، ونائبَين لـ Khan، والمقرّر الخاص للأمم المتحدة المعني بالأراضي الفلسطينية المحتلة، وثلاث منظمات فلسطينية لحقوق الإنسان. وقد لجأ القضاة إلى القضاء ورفعوا دعوى على إدارة Trump.
جاء الأمر التنفيذي في أعقاب زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu للبيت الأبيض، وهو المطلوب للمحكمة بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة منذ أكتوبر 2023. وكانت المحكمة قد أصدرت مذكرات اعتقال بحق Netanyahu ووزير دفاعه آنذاك Yoav Gallant في نوفمبر 2024، إلى جانب ثلاثة قادة من Hamas استشهدوا لاحقاً في ضربات إسرائيلية.
ويشمل نطاق العقوبات كل الأفراد غير الأمريكيين وذويهم ممن يُساعدون في تحقيقات المحكمة المتعلقة بمواطنين أمريكيين أو حلفاء الولايات المتحدة؛ إذ تُجمَّد أصولهم، ويُحرمون من الوصول إلى النظام المصرفي الدولي، ويُمنعون من دخول الأراضي الأمريكية.
وختم Rubio بيانه بعبارةٍ لافتة: «إدارة Trump مستعدة لاتخاذ تدابير إضافية إذا لزم الأمر، لتفكيك المحكمة الجنائية الدولية بشكل منهجي حتى تعجز عن تهديد السيادة الأمريكية».
«لبنةً لبنة»
الإشارة الأضعف في هذا المشهد تأتي من الجبهة القانونية الداخلية الأمريكية. الأسبوع الماضي، رفعت أربع منظمات حقوقية مقرّها الولايات المتحدة دعوى قضائية ضد إدارة Trump بسبب عقوباتها على المحكمة. وفي بيانٍ مشترك، وصفت كلٌّ من American Friends Service Committee وCenter for Constitutional Rights وHuman Rights Watch وOpen Society Institute هذه العقوبات بأنها «مخالفة صريحة للقانون».
وأكدت هذه المنظمات أنها باتت مضطرة إلى «تقليص نطاقٍ واسع من أعمالها الحقوقية والقانونية انتهاكاً للتعديلَين الأول والخامس من الدستور الأمريكي وقانون استعادة الحرية الدينية»، في ظل مخاوف من أن أي تواصل مع قضايا المحكمة أو مسؤوليها قد يُعرّض أصحابه لتبعاتٍ قانونية.
وفي يوليو، رفعت منظماتٌ تدافع عن حقوق الفلسطينيين في الولايات المتحدة دعوى أمام محكمة فيدرالية في مدينة New York، تطلب فيها أمراً قضائياً يوقف تطبيق العقوبات على الجهات والأفراد المتعاملين مع المحكمة. ومن أبرز المدّعين منظمة Democracy for the Arab World Now التي أسّسها الصحفي الراحل Jamal Khashoggi، إلى جانب Taxpayer Alliance Against Genocide — وقالت المنظمتان إنهما وجدتا نفسيهما مضطرتَين للتحرك الفوري نحو القضاء بعد أن كتب Rubio في مقالٍ رأي أن الولايات المتحدة مستعدة لتفكيك المحكمة «لبنةً لبنة».
ضغوط الموساد وشهادة Bensouda
في سياقٍ يُضيء أبعاداً أعمق لهذا الملف، كشفت المدّعية العامة السابقة للمحكمة Fatou Bensouda في وقتٍ سابق من هذا العام أن رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي السابق مارس ضغوطاً عليها في سلسلة من الاجتماعات لإسقاط تحقيقها في جرائم الحرب المرتكبة في فلسطين المحتلة.
وقالت Bensouda، التي شغلت منصبها بين عامَي 2012 و2021، إن رجالاً مجهولي الهوية توجّهوا إلى منزلها في The Hague بعد أن فتحت تحقيقاً استكشافياً أولياً في الوضع في فلسطين عام 2015.
وأدلت Bensouda بشهادتها في مقابلةٍ نُشرت يوم الأحد، قائلةً: «جاؤوا مباشرةً إلى منزلي. فهمتُ الرسالة التي يريدون إيصالها». وأضافت أن هؤلاء الرجال سلّموها ظرفاً يحتوي على 500 دولار، مشيرين إلى أنه من شخصٍ أسدت إليه معروفاً. وخلصت Bensouda إلى أن الهدف من هذه الإيماءة كان إثبات أن من يقفون وراءها يعرفون عنوان منزلها.
ثلاثة سيناريوهات تبدو واقعية لمسار هذا الملف: الأرجح، أن تستمر إدارة Trump في توسيع نطاق العقوبات تدريجياً، مستهدفةً أفراداً ومنظمات بعينها، في ظل غياب ردٍّ جماعي فعّال من الدول الأعضاء في المحكمة. المحتمل، أن تُفضي الدعاوى القضائية الداخلية الأمريكية إلى قرارات قضائية تُقيّد صلاحيات الإدارة في تطبيق العقوبات، مما يُبطئ وتيرة التصعيد. الأقلّ احتمالاً، أن تتّخذ الدول الأعضاء في المحكمة موقفاً موحّداً وحازماً يُكلّف الولايات المتحدة ثمناً دبلوماسياً أو اقتصادياً ملموساً — وهو سيناريو يظل بعيداً في ظل التشتّت الراهن في المواقف الأوروبية والدولية.
أخبار ذات صلة

Buttigieg يعود إلى كارولينا الجنوبية وسط تقييمه لخوض سباق البيت الأبيض

قاضٍ فيدرالي يلغي سياسة ترامب لوقف معالجة تأشيرات الهجرة من 75 دولة

نشطاء هونغ كونغ يواصلون إحياء ذكرى تيانانمن رغم الملاحقات القضائية
