قصص المواطنة الأمريكية تحت شجرة واشنطن التاريخية
في حفل مميز في Mount Vernon، خمسون شخصاً من خمسين دولة أصبحوا مواطنين أمريكيين على أرض جورج واشنطن، يحملون قصصهم وتاريخهم ليبدأوا فصلاً جديداً في وطنهم الجديد مع وورلد برس عربي.









في حديقة جورج واشنطن في Mount Vernon بولاية فيرجينيا، جلس مئة وخمسون شخصاً على كراسٍ متفرّقة تحت شمس يوليو الحارقة. كانوا يُمسكون بمراوح صغيرة مطبوع عليها العلم الأمريكي، وعائلاتهم تلتصق بظلال الأشجار على الجانبَين. امرأةٌ في الحشد كانت قد أقحمت علمَين أمريكيَّين في ضفيرتها. المشهد يبدو احتفالياً للوهلة الأولى لكنّ ما يجري فيه أعمق من احتفال.
كان ذلك يوم السبت الموافق الرابع من يوليو، في اليوبيل المئوي والخمسين لإعلان الاستقلال الأمريكي. وعلى العشب نفسه الذي وطئه واشنطن قبل 250 عاماً، كان هؤلاء الخمسون من خمسين دولة على وشك أن يُصبحوا مواطنين أمريكيين.
قالت Anne Neal Petri، رئيسة جمعية Mount Vernon Ladies' Association، وهي تفتتح الحفل بحيوية: "صباح الخير للجميع!"
فردّ الحشد بصوتٍ واحد: "صباح الخير!"
ثم أضافت: "وعيد ميلاد سعيد للولايات المتحدة الأمريكية!"
بين الجالسين في تلك الكراسي كان العريف Diakaria Sangare من غينيا، يرتدي زيّه الرسمي الأزرق الداكن لسلاح مشاة البحرية الأمريكية (Marines) مكتملاً بثلاث أوسمة على صدره الأيسر. خدم Sangare في دورتَي انتشار عسكري، ومرّ كسائر المتجنّسين بمسار طويل: الاختبار، والمقابلات، والبطاقة الخضراء، وبصمات الأصابع. وكان في الحشد آخرون قدِموا من بلدانٍ تعصف بها الحروب، وبعضهم فرّ من الاضطهاد.
بعد كلمةٍ عن واشنطن، طُلب من الجميع الوقوف للنشيد الوطني. رُفعت القبّعات، وغطّت الأيدي القلوب، وخمدت المراوح. حين وصل المغنّي إلى مقطع "والوهج الأحمر للصواريخ، والقنابل تنفجر في الهواء، أثبتت طوال الليل أنّ علمنا لا يزال هناك" كان Sangare واقفاً بتحيّةٍ عسكرية صارمة، وجهه هادئٌ وجادّ.
ثم جاءت اللحظة التي ينتظرها الجميع. طُلب من الحضور الوقوف حين يُنادى على بلدهم.
"ألبانيا."
نهضت امرأةٌ في الصفّ الأوّل بشعرٍ أسود طويل، وعلى وجهها ابتسامةٌ عريضة، تمسك بعلمٍ أمريكي صغير.
"بنغلاديش."
وقف رجلٌ يرتدي قميصاً أسود. التفتت إليه الألبانية و ابتسمت أكثر.
تتالت الأسماء على مدى خمسين دولة الصين، السلفادور، العراق، منغوليا وكان الناس يقومون، بعضهم بابتسامة، وبعضهم بصمتٍ وقور.
عند "المغرب"، رفع رجلٌ في المؤخّرة قبضتَيه في الهواء. نظر إليه طفلٌ صغير بجانبه، ثم فعل الشيء نفسه، وفي قبضته علمٌ صغير.
ثم رفع الجميع أيديهم وأدّوا قسم الولاء، الذي لا يختلف كثيراً عن القسم الذي وقّعه واشنطن عام 1778.
"تهانيّنا. لقد أصبحتم مواطنين أمريكيين."
صفّقوا وضحكوا. ثم جاء قسم الإخلاص (Pledge of Allegiance). وضع Sangare يده على قلبه وأغمض عينَيه لحظةً.
قرب المنصّة كانت تقف شجرة حور (Tulip Poplar) زرعها واشنطن بنفسه قبل 250 عاماً، عاشت طوال تاريخ أمريكا شاهدةً صامتة.
أشار إليها المؤرّخ Douglas Bradburn في كلمته قبل أن يُقدّم الضيف المميّز لذلك اليوم:
"كلّ القصص التي تحملونها معكم، تصبح الآن قصصاً أمريكية. وحين يسألني أحدٌ كيف هم الأمريكيون، سأتحدّث عنكم وعن حكاياتكم."
ثم أضاف: "والوجه الآخر من هذه المعادلة أنّ تاريخ أمريكا كلّه أصبح تاريخكم. أبو وطنكم الآن هو جورج واشنطن."
وكان الرئيس الأوّل هو المتحدّث التالي بالفعل في هيئة ممثّلٍ يجسّد دوره، واقفاً أمام علمٍ أمريكي ضخم مُسدَل، وسيفٌ معلّقٌ على خاصرته. صعد المنصّة، خلع قبّعته للحشد، وبدأ يتكلّم:
"اليوم، اسم 'أمريكي' ينتمي إليكم تماماً كما ينتمي إليّ."
وختم بجملةٍ بسيطة حملت ثقلاً حقيقياً:
"إذاً، أيّها الأمريكيون، أقول لكم ببساطة: مرحباً بكم في وطنكم."
بعد انتهاء الحفل، وقف Sangare لالتقاط صورة يداه متشابكتان أمامه، يمسك بمروحة العلم الأمريكي، وقبّعته العسكرية مائلةٌ قليلاً. كان وجهه يقول ما قاله بصوتٍ عالٍ:
"لقد أصبحتُ للتوّ مواطناً أمريكياً."
