وورلد برس عربي logo

وداع بطلة الإغاثة التي ضحت بحياتها في كييف

مئات المشيّعين يودعون فيتالينا طالبة الطب التي استشهدت أثناء إسعاف المصابين في كييف بعد ضربة روسية مزدوجة. قصة شجاعة وتضحية شبابية تعكس ألم الحرب وأمل الأوكرانيين في وورلد برس عربي.

فتاة شابة تقف في الظلام مع تعبير حزين، تعكس قصة طالبة أوكرانية متطوعة في الإسعاف قُتلت في هجوم روسي مزدوج في كييف.
تُرى فيتالينا ياروفينكو في كييف، أوكرانيا، يوم الجمعة 14 مارس 2025. (تصوير أسوشيتد برس/أليكس بابينكو)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

مئات المشيّعين، معظمهم يرتدون اللون الأبيض، ساروا عبر وسط كييف يوم الثلاثاء خلف نعشٍ مفتوح لطالبة جامعية لقيت حتفها في عطلة نهاية الأسبوع جرّاء ضربةٍ روسية، وهي تُسعف المصابين في هجومٍ سابق.

بدأت مراسم وداع فيتالينا يارافينكو، البالغة من العمر 20 عاماً، داخل كاتدرائية القديس ميخائيل ذات القبّة الذهبية، حيث تلا رجال الدين صلواتٍ على النعش، وتقدّم الأهل والأصدقاء لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة. طلبت عائلتها من المشيّعين ارتداء الأبيض أو القمصان الأوكرانية التقليدية المطرّزة بدلاً من السواد، حتى لا «تشعر فيتالينا بالحزن الشديد».

ورغم أنّ يارافينكو كانت مدنية، طلبت والدتها أن تُشيَّع بالطريقة ذاتها التي تُكرَّم بها أوكرانيا جنودها الشهداء. فسار عدة مئات خلف نعشها من الكاتدرائية نزولاً نحو ميدان الاستقلال.

توقّف حركة المرور لدقائق لإفساح المجال أمام الموكب. نزل السائقون من سياراتهم ووقفوا في صمت. ركع بعضهم على ركبةٍ واحدة، فيما وضع آخرون أيديهم على قلوبهم.

ضربتان على الموقع ذاته

كانت يارافينكو طالبةً في السنة الرابعة بقسم علم النفس في الأكاديمية الوطنية كييف-موهيلا، وعملت مدرّبةً في مدرسة للتدريب العسكري تابعة للجامعة.

في يوليو، انضمت متطوّعةً إلى منظمة «Hospitallers»، وهي منظمة طبية أوكرانية تُركّز بصورة رئيسية على تقديم الإسعاف الميداني، إذ تتوجّه فرقها إلى مواقع الضربات الروسية لعلاج الجرحى وإجلائهم.

في ساعاتٍ مبكرة من صباح السبت، هرعت يارافينكو إلى موقع ضربةٍ صاروخية روسية استهدفت حيّ دارنيتسكي في كييف. وبينما كانت هي وسائر المتطوعين على الموقع، ضربت صاروخٌ آخر المكان ذاته، وفق ما أفاد به أهلها وأصدقاؤها.

كان المسؤولون الأوكرانيون قد اتّهموا روسيا سابقاً باستهداف فرق الإنقاذ من خلال قصف المباني السكنية بصاروخين متتاليين الأول لاستدراج الطواقم إلى الموقع، والثاني لإيقاع الضحايا في صفوفهم. يُعرف هذا الأسلوب في المصطلح العسكري بـ«الضربة المزدوجة» (Double Tap).

عند ميدان الاستقلال، وقف الحشد دقيقةَ صمتٍ إحياءً لذكرى الذين قضوا دفاعاً عن أوكرانيا.

وقفت والدة يارافينكو، ناتاليا، تُمسك بالميكروفون بيدها اليمنى وصورةً كبيرة لابنتها بيدها اليسرى. وبصوتٍ يتهدّج من البكاء، قالت إنّها تتخلّى عن أغلى ما تملك.

«لقد تخلّيت عن معنى حياتي كلّها، لكنّني أشعر بفخرٍ عظيم»، قالت. «لا أريد بطلةً في البيت. أريد طفلتي في البيت. لكنّ هذا كان دربها.»

إلى جانبها وقفت أمٌّ أخرى تحمل الاسم ذاته، ناتاليا، فقدت ابنتها إيفا رويس (25 عاماً) التي كانت تعمل إلى جانب يارافينكو وقُتلت في الضربة نفسها. لم تكن رويس قد دُفنت بعد، إذ احترقت رفاتها بشدّة ولا يزال التعرّف على أجزاء جثّتها جارياً. لم تتكلّم والدتها خلال مراسم وداع يارافينكو، وهي تعيش حزنها على ابنتها.

«كانت جميلةً جداً»

قالت صديقتها أناستاسيا أليكسييفا إنّ يارافينكو كانت تعتزم الالتحاق بالخدمة العسكرية بعد إتمام سنتها الرابعة في الجامعة.

«قرارها بالتطوّع ومساعدة الناس في كييف إثر الهجمات أثبت مدى التزامها بهذا الهدف»، قالت أليكسييفا (21 عاماً). «لم تبلغ حتى يوم تخرّجها.»

أمّا صديقتها المقرّبة آنا دونيتس (19 عاماً)، فأوضحت أنّ يارافينكو كانت تجمع تبرّعاتٍ لصالح الجيش الأوكراني، وتتطوّع في مستشفى عسكري، وتساعد في تنظيم التدريب العسكري للشباب.

«لا كثيرون أمثالها، وقد ذهبت لتُساعد الناس»، قالت دونيتس. «أشخاصٌ كهي يصنعون المستقبل، وعلى الآخرين أن يقتدوا بهم. لكنّ روسيا، للأسف، تقتلهم.»

ووصفت دونيتس يارافينكو بأنّها كانت صاحبة روحٍ مرحة استثنائية، يُضيء وجودها من حولها.

«كنّا نتذكّر نكاتها بالأمس ونضحك، لأنّها كانت تُداعب الجميع دائماً. لم يكن الملل يعرف طريقه إليها»، قالت. «في الثامنة صباحاً في أيام التدريس، حين يكون الجميع مُنهكاً، كانت تصل كأنّها تمشي على منصّة عرضٍ للأزياء. كانت جميلةً جداً — ملكةٌ بكلّ ما تعني الكلمة.»

أمّا سيرهي بيسكريستنوف، صديق العائلة والمستشار الرئاسي لشؤون تطوير تكنولوجيا الدفاع، فقد عجز عن إيجاد الكلمات.

«نعلم أنّ ثمّة حرباً، وأنّ رجالاً ونساءً يموتون»، قال. «لكن حين يحدث هذا بعيداً عن الجبهة، لأناسٍ يُقدّمون المساعدة... لا أعرف. لا كلمات لديّ الآن.»

شحٌّ في صواريخ الاعتراض

أعلن سلاح الجوّ الأوكراني أنّ روسيا أطلقت تلك الليلة 220 سلاحاً جوّياً على أوكرانيا، منها 35 صاروخاً و185 طائرة مسيّرة. وكان من بين الصواريخ 27 صاروخاً باليستياً من طراز Iskander-M أو صواريخ أُطلقت من منظومات S-400، لم تتمكّن الدفاعات الأوكرانية من اعتراض سوى صاروخٍ واحد منها، إضافةً إلى صاروخٍ جوّي موجَّه.

لقي ما لا يقلّ عن 9 أشخاص حتفهم وأُصيب 33 آخرون في كييف تلك الليلة، وفق السلطات الأوكرانية. وقد كشف الهجوم عن الشُّح الحادّ في منظومات الدفاع الغربية المضادّة للصواريخ الباليستية؛ فأوكرانيا تعتمد اعتماداً كبيراً على منظومة Patriot الأمريكية الصنع، غير أنّ صواريخ الاعتراض لا تزال شحيحة.

في ختام المراسم، تقدّم المشيّعون واحداً تلو الآخر لوضع الزهور البيضاء بجانب نعش يارافينكو. ودُفنت لاحقاً في مقبرةٍ عسكرية في كييف، وهو تكريمٌ نادراً ما يُمنح للمدنيين.

تحدّثت والدتها عن المستقبل الذي كانت تحلم به لابنتها، وعن المستقبل الذي قالت إنّ الأوكرانيين لا يزالون مدعوّين للدفاع عنه.

«يجب أن نصمد في هذه الحرب لتبقى هذه الأرض لأطفالنا الأوكرانيين»، قالت. «ابنتي، للأسف، ستضطجع الآن في هذه التراب. كنت أودّ كثيراً أن أُقيم لها عرساً جميلاً، لكنّ ذلك لم يعد ممكناً اليوم.»

أخبار ذات صلة

Loading...
رجل إطفاء يطفئ حرائق في موقع مستودعات متضررة جراء هجمات الطائرات المسيّرة في منطقة دنيبروبتروفسك الأوكرانية.

روسيا وأوكرانيا تتبادلان هجمات بطائرات مسيّرة وسقوط قتلى في الجانبين

تتصاعد الحرب بين روسيا وأوكرانيا مع تزايد الهجمات بالطائرات المسيّرة التي تستهدف المدنيين والبنى التحتية، مما يفاقم أزمة الضحايا ويهدد الأمن الغذائي العالمي. اكتشف التفاصيل الآن.
Loading...
حطام سيارة محترقة وسط شارع مظلم في زاباروجيا بعد قصف روسي بقنابل شراعية تسبب في أضرار بشرية ومادية.

الطائرات الروسية تقصف مدينة جنوبية أوكرانية بقنابل موجهة.. قتيل وعشرات الجرحى

شهدت زاباروجيا هجوماً روسياً بالقنابل الشراعية أسفر عن قتلى وجرحى وأضرار واسعة. زيلينسكي يطالب بتعزيز الدفاع الجوي لمنع المزيد من الخسائر. اكتشف التفاصيل الآن.
Loading...
مبنى سكني مدمر في دنيبروبتروفسك بعد الضربات الجوية الروسية التي أسفرت عن مقتل وإصابة مدنيين بينهم أطفال.

الضربات الروسية تجتاح أوكرانيا من الشرق إلى الغرب: مقتل 8 على الأقل وعشرات الجرحى

شهدت أوكرانيا موجة ضربات جوية روسية مدمرة أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات، مع تدمير منازل وبنية تحتية حيوية. تعرف على تفاصيل التصعيد وأثره على المدنيين، وكن جزءاً من متابعة الأحداث لحظة بلحظة.
Loading...
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث أمام وسائل الإعلام خلال زيارته لواشنطن وسط حضور مسؤولين أمريكيين، في سياق تعزيز الدعم العسكري والدبلوماسي لأوكرانيا.

أوكرانيا تعلن استهداف مصفاة نفط روسية كبرى بعد لقاء زيلينسكي وترامب بساعات

في تصعيد حاسم، قصفت أوكرانيا مصفاة نفط روسية استراتيجية بطائرات مسيرة، مما يزيد الضغط الاقتصادي على موسكو. اكتشف تفاصيل الضربة وتأثيرها على الحرب وتطورات الدعم الأمريكي الآن.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية