الذكاء الاصطناعي بين الحقيقة والإفراط في الترويج
نماذج الذكاء الاصطناعي لا تخترق أنظمة الحماية أو تحل مسائل رياضية خارقة كما يُروج. الإخفاقات الأمنية والادعاءات الرياضية تكشف عن تضخيم إعلامي وإهمال تقني. تعرف على التفاصيل في وورلد برس عربي.

هل تخترق نماذج الذكاء الاصطناعي فعلاً أنظمة الحماية بمفردها، وهل تحلّ مسائل رياضية عجز عنها البشر عقوداً؟ الإجابة القصيرة، بعد قراءة ما كتبه خبراء الأمن السيبراني والرياضيات أنفسهم: لا، ليس بالطريقة التي تُروَّج بها هذه الإنجازات. وبين إعلانٍ صحفي وآخر، تتكشّف صورة مختلفة تماماً عمّا تسوّقه شركات مثل Anthropic و OpenAI — صورة أقرب إلى إهمالٍ أمني وتضخيمٍ إعلامي منها إلى قفزةٍ نحو "الذكاء الخارق".
من "اختراق يفوق الخبراء" إلى إهمالٍ أمني موثّق
في نهاية أبريل، أعلنت Anthropic أنّ نموذجها Claude Mythos تفوّق على معظم خبراء الأمن السيبراني في اكتشاف الثغرات البرمجية. الخبر انتشر بسرعة، لكنّ ما تبعه كان أكثر دلالة: حادثة اختراق طالت OpenAI ومنصّة Hugging Face، تلتها إفصاحات مشابهة من Anthropic و Meta عن حوادث أمنية متعلّقة بنماذجهما. الفارق في طريقة التعامل مع الخبر كان لافتاً: Anthropic أعلنت عن حادثتها بشكل علني وبنبرةٍ شبه احتفالية، بينما تعاملت Meta مع الأمر بتحفّظ واضح.
الأهمّ من ذلك أنّ خبراء الأمن السيبراني، حين فحصوا الحوادث، لم يجدوا أثراً لنماذج تصرّفت بمفردها أو لوكلاء ذكاء اصطناعي "يبنون حضارات". بل ردّوا الأمر أساساً إلى إهمال OpenAI في تطبيق ممارسات أمنية أساسية ومعروفة منذ سنوات. عبارات مثل "نماذج خرجت عن السيطرة" و"وكلاء ذكاء اصطناعي يبنون حضارات" — وهي التعبيرات التي راجت في التغطية الإعلامية — رفضها هؤلاء الخبراء جملةً وتفصيلاً، معتبرين أنّ المشكلة إدارية وتقنية بسيطة، لا معجزة تقنية.
"إنجاز رياضي" استمرّ أسبوعين فقط قبل أن ينهار
الأمر تكرّر مع الرياضيات. ادّعت Anthropic أنّ أحد نماذجها حقّق اختراقاً رياضياً. بعدها بوقتٍ قصير، أعلنت OpenAI عن اختراقها الخاص عبر روبوتها المحادثي Astra، قائلةً إنّه حلّ مسائل ظلّت مفتوحة دون أيّ تقدّم في نتيجتها الأساسية منذ عقدٍ على الأقلّ.
ردّة الفعل الأولى من الرياضيين كانت الذهول. لكنّ الذهول تحوّل بسرعة إلى اتهام: فبعد فحصٍ أعمق، خلص الرياضيون إلى أنّ نتائج Astra لم تكن بالجدّة التي بدت عليها في البداية، وأنّها لا تمثّل أيّ "قفزة فكرية عميقة". بل ذهب بعضهم إلى وصف ما فعلته OpenAI بأنّه سوء سلوك بحثي وسرقة أدبية.
اللافت أنّ هذا لم يوقف الشركة. فبعد أسابيع قليلة فقط من فضيحة Astra، أعلنت OpenAI عن اختراقٍ رياضي آخر. وقبل يومين فقط من هذا الإعلان الجديد، كان تريستان باكماستر، الرياضي في جامعة نيويورك (Courant Institute)، قد نشر بياناً يتّهم فيه الشركة بسرقة عمل آخرين ونسبته لنفسها بشكلٍ غير سليم — توقيتٌ يصعب اعتباره صدفة.
هذا النمط دفع مئات الرياضيين إلى التوقيع على بيانٍ جماعي ينتقد ادّعاءات قطاع التكنولوجيا. جاء في البيان: "يوجد حالياً حافز تجاري قوي لدى قطاع التكنولوجيا لتضخيم قدرات منتجاته"، مع دعوة صريحة لصنّاع السياسات: "استشيروا الخبراء، بمن فيهم الرياضيون، عند صياغة القرارات السياسية، بدلاً من الاعتماد على البيانات الصحفية أو التغطية الشعبية للنتائج الرياضية".
ولماذا الرياضيات والبرمجة تحديداً؟ لأنّهما من المجالات القليلة التي يمكن فيها تقييم مخرجات النموذج بعد إنتاجها مباشرة — وهو ما يسهّل ضبط أداء الأنظمة وتحسينها، مع فائدة إضافية للشركات: تقليل الحاجة إلى تعليق البيانات المدفوع الأجر.
حين يستقيل مهندس Anthropic محذّراً من "المقامرة بحياتنا"
في خضمّ كلّ هذا، أعلن جايكوب كوكسون، مهندس في Anthropic، استقالته من الشركة — وهو الحدث الأحدث في هذه السلسلة. تصريحه كان صريحاً بشكل غير معتاد: قال إنّ Anthropic و OpenAI تسيران "مباشرةً نحو ذكاء خارق قادر على تحسين نفسه بنفسه، ونحن نقامر بحياتنا".
هذا التصريح يضع إصبعه على جوهر ما تحاول الكاتبتان تيمنيت جبرو وإيميلي إم. بيندر تفكيكه: القول بأنّ هذه الأنظمة تقترب من "الذكاء الاصطناعي العام"، وأنّها "خارقة"، وأنّ ما يحصل أحياناً هو "نماذج خرجت عن السيطرة". برأي الكاتبتين، هذه المصطلحات ليست وصفاً محايداً، بل أداة تُحوّل المسؤولية من الشركات إلى المنتج نفسه — فحين "يتصرّف" النموذج بشكل خارق أو "يخرج عن السيطرة"، تتوارى مسؤولية الشركة التي صمّمته وأهملت حمايته. جبرو وبيندر تربطان هذا الخطاب بجذوره الفكرية في تيارات ما بعد الإنسانية (Transhumanism) وحتى أفكار تتعلّق بتحسين النسل، وتصورات عن "بشر رقميين" متخيَّلين — وهو سياق أوسع بكثير من مجرّد نموذج برمجي.
التشريع أيضاً يقع في الفخّ
حتى الجهود التشريعية لم تسلم من هذا التأطير. اقترح السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز تشريعاً يمنع تطوير "ذكاء اصطناعي خارق" (artificial superintelligence). الكاتبتان تصفان المقترح بأنّه حسن النية لكنّه مضلَّل — لأنّه، مثله مثل الخطاب الذي يعارضه، يفترض ضمنياً أنّ هذا "الذكاء الخارق" وشيك ومحتمل، بينما لا توجد له أسس علمية أو هندسية سليمة، بحسب الكاتبتين.
التكلفة الحقيقية: ليست خوارزمية، بل بيئية
بينما ينشغل النقاش العام بحديثٍ عن "حضارات يبنيها الذكاء الاصطناعي"، تشير الكاتبتان إلى أنّ صناعة الذكاء الاصطناعي تصف النشاط المناهض لمراكز البيانات بأنّه مجرّد "تشتيت" — في حين أنّ هذا النشاط، بحسب المقال، يحظى بدعمٍ شعبي وعابر للتوجهات السياسية. مراكز البيانات هذه لها كلفة ملموسة: تفاقم مخاطر المناخ، وارتباط موثّق بحالات ربو لدى السكان القريبين منها، وضغط على فواتير الكهرباء عبر الدعم العمومي، وتحويل موارد مائية ضخمة لأغراض التبريد.
هذه التفاصيل — الملموسة والقابلة للقياس — غالباً ما تُدفن تحت عناوين عن "الذكاء الخارق" و"الاختراقات الرياضية"، رغم أنّها الأثر الفعلي والمباشر على حياة الناس اليوم، لا في مستقبلٍ افتراضي.
لمن يريد التعمّق أكثر في هذا النقد، تصدر لتيمنيت جبرو، المديرة التنفيذية لمنظّمة DAIR، مذكّراتها القادمة بعنوان Deep Unlearning: The Radicalization of a Tech Idealist، المتاحة للطلب المسبق وموعد صدورها 16 فبراير. أمّا إيميلي إم. بيندر، أستاذة اللسانيات في جامعة واشنطن، فهي شريكة في تأليف كتاب The AI Con الذي يفكّك الآليات ذاتها التي تُبنى عليها هذه الادّعاءات.
الدرس العملي هنا بسيط: كلّ إعلانٍ "ثوري" من شركة ذكاء اصطناعي يستحقّ الانتظار حتى يفحصه خبراء مستقلّون قبل تصديقه — لا لأنّ التكنولوجيا بالضرورة كاذبة، بل لأنّ الحافز التجاري لتضخيم القدرات موجودٌ وموثَّق، بشهادة من عاشوا داخل هذه الشركات قبل أن يغادروها.
أخبار ذات صلة

الفلبين تُوسّع حافلتها الكهربائية خارج العاصمة

إيريزار تُسلّم 31 حافلة كهربائية لشبكة GZM البولندية

حكومات تُجبر X على حذف منشورات المستخدمين.. والآن ستعرف الحقيقة
