اكتشاف فوهة قمرية جديدة تكشف أسرار الفضاء
كشف ناسا عن فوهة قمرية جديدة نادرة بحجم ملعبين كرة قدم ناجمة عن ارتطام نيزكي حديث في منطقة فريدة بين البراكين والمرتفعات القمرية تعطي فرصة فريدة لدراسة تشكل الفوهات وتأثيراتها المستقبلية على استكشاف القمر عبر وورلد برس عربي.

تكشف بيانات القمر الصناعي «مستكشف الاستطلاع القمري» (Lunar Reconnaissance Orbiter - LRO) التابع لناسا (NASA) عن حدثٍ فلكي نادر: فوهة جديدة على سطح القمر، تُعدّ الأكبر من نوعها التي رُصدت حديثاً منذ إطلاق المسبار عام 2009. الفوهة، التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» (McGetchin)، لم تتشكّل منذ آلاف أو ملايين السنين كمعظم فوهات القمر المعروفة، بل نتجت عن ارتطام نيزكي وقع في أبريل أو مايو 2024 أي أنّ عمرها الحالي لا يتجاوز عامَين ونصف العام. وهذا بالضبط ما يجعلها، بحسب وصف ناسا، حدثاً "يقع مرّة كل قرن".
القيمة العلمية للفوهة لا تكمن في حجمها وحده، بل في كونها لقطةً حيّة نادرة لعملية تشكّل الفوهات وهي في أوّل مراحلها، قبل أن يطمس الزمن تفاصيلها كما يحدث للفوهات الأرضية. وقد نُشرت نتائج الدراسة في ورقتين بحثيتين في مجلة Science Advances بتاريخ 16 سبتمبر، في خطوةٍ تفتح نقاشاً علمياً حول معدّل الارتطامات على القمر وتداعياته على بعثات الاستكشاف والاستيطان القمري المستقبلية.
فوهة عمرها عامان ونصف فقط: ماذا حدث؟
مسبار LRO، وهو قمرٌ صناعي روبوتي بحجم سيارة "مينيفان" تقريباً، يدور حول القمر منذ 2009 والتقط حتى الآن أكثر من 3 ملايين صورة لسطحه. خلال ربيع 2024، ظهرت في صور المسبار فوهةٌ جديدة لم تكن موجودة سابقاً، ناتجة عن ارتطام جسمٍ نيزكي بحجم مبنى من ثلاثة إلى ستة طوابق. قياسات الفوهة تُظهر قطراً يبلغ نحو 728 قدماً (222 متراً) أي ما يعادل ملعبَي كرة قدم أمريكية تقريباً وعمقاً يصل إلى 141 قدماً (43 متراً)، وهو عمقٌ كافٍ لاستيعاب مبنًى من 14 طابقاً.
أُطلق على الفوهة اسم عالِم الجيولوجيا وعلوم القمر الراحل توم ماكغيتشين، وتُعدّ أكبر فوهة رُصدت خلال 17 عاماً من نشاط المسبار، وكذلك أكبر فوهة "جديدة" رُصدت في المجموعة الشمسية حتى الآن. ومع ذلك، تظلّ صغيرة جداً مقارنةً بأكبر فوهة على القمر، وهي حوض «قطب الجنوب - إيتكن» (South Pole-Aitken)، الذي يفوقها اتساعاً بنحو 10 آلاف مرة.
لماذا استغرق اكتشافها 18 شهراً؟
رغم وقوع الارتطام في الربيع، لم يكتشف الباحث Robert Wagner الفوهة في بيانات LRO إلا في أكتوبر 2025، أي بعد نحو عام ونصف. سُئلت جولي ستوبار، الباحثة الأولى في معهد القمر والكواكب (Lunar and Planetary Institute) ونائبة الباحث الرئيسي في فريق كاميرا LRO، عن سبب هذا التأخير خلال حوارٍ مع Brandon Specktor من Live Science، فأجابت: "يدور LRO حول القمر نحو 12 مرّة يومياً. وخلال دورانه، لا يمكننا تصوير سوى جزء صغير جداً من سطح القمر في كل تمريرة. لذا يمكنكم تخيّل أنّ الأمر يتطلّب مدارات كثيرة جداً لإعادة تصوير كل جزء من السطح. وحين لا يكون لدينا وميضُ ارتطامٍ يساعدنا على تحديد أين نبحث عن هذه الفوهات، يصبح البحث عشوائياً في الأساس".
وأضافت أنّ معالجة الصور "قبل وبعد" الارتطام عمليةٌ مضنية بحدّ ذاتها: "مع الوقت، نحصل في النهاية على تصويرٍ متكرّر للمنطقة نفسها، لكن ذلك يستغرق سنوات. وفوق ذلك، فإنّ المعالجة اللازمة لصنع صور المقارنة قبل وبعد تتطلّب عملاً كثيراً؛ فأنت تنظر أساساً في كل الصور التي التُقطت للقمر في الظروف المناسبة، ويستغرق ذلك وقتاً وجهداً كبيرَين".
ولم تُخفِ ستوبار دهشتها حين عُرضت عليها الفوهة لأوّل مرّة، بعدما قال زميلها Wagner إنّه "توقّف عن كل شيء" لحظة اكتشافها. تقول ستوبار: "فوجئت بأنّها بهذا الحجم! لكنّني رأيت الكثير من الفوهات المشابهة على القمر، لذا كانت فكرتي الأولى الفعلية: يا إلهي، ربما تساعدني هذه الفوهة على تقدير أعمار كل تلك الفوهات الأخرى!". وأوضحت أنّها كانت تدرس عدداً من الفوهات التي تبدو، من حيث الشكل ونسبة انعكاس الضوء (Albedo)، طازجةً جداً لها موادّ مقذوفة زاهية اللون وحوافّ حادّة لكن دون أي دليل مؤكّد على عمرها الفعلي، لأنّها كانت موجودة قبل إطلاق LRO. فوهة ماكغيتشين، بعمرها المعروف بدقّة، أصبحت مرجعاً يساعدها على تفسير تلك الفوهات الأخرى.
حدود بين عالمين: بين البراكين والمرتفعات
من الخصائص اللافتة لفوهة ماكغيتشين موقعها الجيولوجي: فقد وقع الارتطام تماماً على الحدّ الفاصل بين نوعين مختلفين من تضاريس القمر. تقول ستوبار: "الأمر المثير الآخر هو أنّها ارتطمت على الحدّ بين نوعين مختلفين من الرواسب على القمر. هناك رواسب البحار البركانية البقع الداكنة المرئية من الأرض وهناك المرتفعات، وهي مادّة القشرة القمرية القديمة. المرتفعات أكثر سطوعاً وتميل إلى أن تكون أكثر تلّالاً وجبلية، بينما البحار سهولٌ مسطّحة وداكنة جداً. يبدو أنّ هذا الارتطام وقع تماماً على الحدّ بين هاتين المنطقتين، وهذا ينعكس في المواد التي أُخرجت من الفوهة نتيجة الانفجار".
وربما لم يكن هذا الحدث خافياً عن الأرض تماماً. فحين سُئلت ستوبار عمّا إذا كان بالإمكان مشاهدة هذا الارتطام من الأرض، أجابت: "نعم. هذا ارتطامٌ كبير نسبياً، وقد رصدنا من الأرض وميضاً مرتبطاً بارتطامات أصغر. لذا أعتقد أنّه من الممكن، في ظروف جيّدة، أن يكون هذا قد أنتج وميضاً. لكننا لا نعرف إن كان أحدٌ يراقب حينها فإن كان لدى أحدهم تسجيلات يمكنه تفحّصها، فبإمكانه العودة والبحث عن ذلك الوميض". وبالفعل، أبلغ بعض المراقبين للسماء عن مشاهدات محتملة لحلقة حطامٍ لامعة قد تكون مرتبطة بالحدث.
لماذا يهمّ هذا مستقبل استكشاف القمر؟
الجانب العلمي الأعمق لهذا الاكتشاف يتعلّق بإحصاء الأجسام التي تصطدم بالقمر وتكرارها الزمني. تقول ستوبار: "نعرف عموماً أنّ الأجسام الصغيرة في الفضاء أكثر عدداً من الأجسام الكبيرة، وهذا يعني أنّنا نميل إلى الحصول على الكثير من الفوهات الصغيرة على القمر وقليل جداً من الفوهات الكبيرة". وأضافت: "لذا فإنّ شيئاً بحجم هذه الفوهة، لا نتوقّع مصادفته إلا مرّة كل 130 عاماً تقريباً".
هذه الفجوة الإحصائية النادرة، بحسب ستوبار، تفتح أفقاً بحثياً مهمّاً: "هناك أمل في أن نستخدم هذا لفهم معدّل حدوث الفوهات الحالي. كم مرّة وبأي كمّية ترتطم أحجام مختلفة من الحطام في النظام الشمسي بالقمر؟". وتوضّح أنّ هذا السؤال ليس أكاديمياً بحتاً: "هذا مهمّ، لأنّ الناس يريدون الذهاب إلى السطح لأغراض الاستكشاف، وإرسال المركبات الهابطة، وبدء بناء قواعد قمرية وغير ذلك، وهناك بعض القلق من أن تشكّل الأجسام المرتطمة خطراً. لذا سيكون مفيداً أن يكون لدينا فكرة أفضل عمّا إذا كان هذا قلقاً متكرّراً حقاً أم مجرّد قلقٍ عرضي. يمكننا أيضاً دراسة أشياء مثل كيفية تأثير زاوية الارتطام، ومواد الهدف، وسرعة ونوع الجسم المرتطم في تشكّل الفوهات".
كما ترى في الفوهة الجديدة موقعاً واعداً لأخذ عيّنات مستقبلية: "هذه الفوهة ستساعدنا على تفسير جميع الفوهات الأخرى بشكل أفضل. أعتقد أنّ هذه ستكون فوهة جيّدة جداً للحصول منها على عيّنات، لأننا نعرف متى تشكّلت ولدينا الكثير من الأسئلة التي يمكن أن نجيب عنها بذلك".
أمّا بخصوص الارتطامات التي يتسبّب بها الإنسان كتلك الناتجة عن معزّزات برنامج أبولو (Apollo) التي اصطدمت بسطح القمر منذ عقود فلا ترى ستوبار فيها حالياً خطراً يهدّد "الموائل الطبيعية" على القمر، لكنّها تنبّه إلى ضرورة التنسيق مستقبلاً: "مع تزايد عدد الأشخاص والدول بل والشركات المتوجّهة إلى القمر، سيتعيّن عليهم التنسيق فيما بينهم حتى لا يتداخلوا مع أنشطة بعضهم البعض لأنّ ذلك سيكون مشكلة. إنّه تذكيرٌ بأنّه يجب على الجميع التحدّث والتنسيق والتأكّد من تتبّع هذه الارتطامات وحطامها والعمل معاً". وتضيف أنّ الفوهات الناتجة عن أجسامٍ من صنع الإنسان، بأشكالها غير المنتظمة كالأسطوانات المجوّفة، تحمل قيمةً علمية أيضاً: "تمنحنا رؤية جديدة حول كيفية تشكّل الفوهات حين يكون لديك كتلٌ غير منتظمة الشكل. كما تخبرنا عن سطح القمر أيضاً، لأنّه نوعٌ مختلف من الارتطام وله طاقة وشكل مختلفان. لذا نتعلّم الكثير عن عملية تشكّل الفوهات بشكل عام من تلك الحالات أيضاً".
فوهة ماكغيتشين، إذن، ليست مجرّد ندبةٍ جديدة على وجه القمر، بل مختبرٌ مفتوح لدراسة كيفية تشكّل الفوهات في زمنٍ حقيقي، وأداة قياس نادرة لتقييم المخاطر التي قد تواجه روّاد الفضاء والبعثات القمرية في العقود المقبلة في وقتٍ تتّجه فيه عدّة دول ووكالات وشركات نحو إعادة استيطان القمر جدّياً لأوّل مرّة منذ عصر أبولو.
أخبار ذات صلة

ماذا تتوقّع أن يكتشف تلسكوب Roman الفضائي التابع لناسا؟

OpenAI تشكّل فريق استشاري في الرياضيات بعد حلّ أكثر من 100 مسألة مفتوحة

الرحلات الفضائية قد تؤثر على الجهاز التناسلي لأطفال رواد الفضاء وأحفادهم، تشير دراسة أولية على الفئران
