وورلد برس عربي logo

ترامب وإسرائيل الصراع بين الولاء والخيانة الحتمية

ترامب من الحليف المخلص إلى المستهدف بالكراهية في الإعلام الإسرائيلي الموالي لنتنياهو بعد تحوله إلى "خائن" بسبب موقفه من إيران وخياراته السياسية. قراءة عميقة في التحولات والصراعات داخل التحالف الأمريكي الإسرائيلي على وورلد برس عربي.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتصافحان من الخلف في لحظة تعبر عن العلاقة السياسية المتقلبة بينهما.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتعانقان أثناء دخولهما نادي مار-أ-لاجو بفلوريدا في 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في غضون أسابيع قليلة لا تعدو أن تكون لحظةً عابرة في مسار هذا الصراع الممتدّ انقلب المشهد رأساً على عقب: الرئيس الأمريكي Donald Trump الذي كان يتباهى بأنّه قادرٌ على أن يكون رئيساً للوزراء في إسرائيل، بات اليوم مستهدفاً بأشدّ أنواع الكراهية حدّةً من الوسط الإعلامي الموالي للحكومة الإسرائيلية.

لم يتوانَ المعلّقون المقرّبون من السلطة في إطلاق أحكامٍ قاسية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، وصف Yinon Magal، مقدّم برنامجٍ في ساعات الذروة على القناة 14، الرئيسَ الأمريكي بـ"الخاسر"، ونعت صهره Jared Kushner ومستشاره Steve Witkoff بـ"اليهود الصغار". وذهب المحلّل السياسي Yaakov Bardugo إلى أبعد من ذلك حين قارن Trump ونائبه JD Vance بـChamberlain، رئيس الوزراء البريطاني الذي ارتبط اسمه بسياسة الاسترضاء مع Hitler عام 1938.

أمّا Amit Segal، كبير المحلّلين السياسيين في القناة 12 وصحيفة Israel Hayom المملوكة للمليارديرة Miriam Adelson فقد رأى أنّ Trump استسلم استسلاماً تاماً بقبوله السماح لإيران بتخصيب اليورانيوم. وفي السياق ذاته، نشر Shimon Riklin، المذيع في القناة 14 اليمينية، على منصة X أنّ الولايات المتحدة باتت في أضعف حالاتها، وأنّ أحداً لن يرغب في الارتباط بها حليفاً.

هؤلاء المعلّقون مقرّبون من رئيس الوزراء Benjamin Netanyahu، وبعضهم يُعدّ ناطقاً غير رسمي باسمه. وقد نفّذوا جميعاً ما يشبه الانعطافة الحادّة والمفاجئة.

إنّهم ينقلبون على رئيسٍ منح إسرائيل، في ولايته الأولى، اعترافاً أمريكياً بضمّ هضبة الجولان المحتلّة، وبالقدس عاصمةً لإسرائيل وهو ما أحجم عنه طويلٌ من أسلافه في البيت الأبيض. وهو الرئيس ذاته الذي عيّن David Friedman، المدافع الصريح عن المستوطنين، سفيراً لبلاده في إسرائيل؛ ذلك الرجل الذي تخلّى عن أيّ ادّعاءٍ بالحياد حين شارك بمعوله في افتتاح نفقٍ تحت حيّ سلوان الفلسطيني في القدس الشرقية المحتلّة.

وحين خاض Trump سباق الرئاسة مرّةً ثانية، قبل Adelson ثالث أكبر ممولّيه في حملة إعادة انتخابه عام 2024. بل إنّ Netanyahu لم يكن بحاجةٍ حتى إلى رفع الهاتف للتواصل مع البيت الأبيض، إذ كان Kushner وسواه يهمسون في أذن الرئيس نيابةً عنه.

من الحليف المخلص إلى الخائن

وقف Trump إلى جانب إسرائيل في حربها على غزة، ولا يزال كذلك حتى اليوم. وكان Kushner العقل المدبّر وراء ما سُمّي "مجلس السلام"، وخطّة تحويل غزة إلى منتجعٍ ساحلي على البحر المتوسط. ولا يكاد أحدٌ يجادل في أنّ قرار Trump شنّ الحرب على إيران جاء عقب إحاطةٍ قدّمها له Netanyahu ومدير الموساد آنذاك David Barnea في غرفة الأزمات بالبيت الأبيض وهو ما اعتُبر سابقةً لم تشهدها الإدارات الأمريكية من قبل.

هذا هو الرجل الذي يلصقون به اليوم وصف "الخائن".

والسؤال الجوهري: إلى أيّ عمقٍ يمتدّ هذا الشرخ؟ وهل هو شرخٌ دائم؟ Trump هو الرئيس الذي أعطى إسرائيل كلّ ما تحتاجه وأكثر لخوض حروبها المفتوحة. فهل هو مقدّرٌ له أن يكون آخر رئيسٍ أمريكي صهيوني الهوى؟

الشقاق من هذا النوع ليس استثناءً في تاريخ الحركة الصهيونية؛ فثمّة نماذج متعدّدة لصهاينة انقلبوا على القوى الكبرى التي اعتمدوا عليها.

نمطٌ متكرّر عبر التاريخ

حين علق 250,000 لاجئ يهودي في مخيّمات النازحين الأوروبية عقب الحرب العالمية الثانية، ورفضت بريطانيا رفع الحظر على الهجرة والسماح لـ100,000 يهودي بالتوجّه إلى فلسطين، توحّدت التنظيمات اليهودية السرية. وبين عامَي 1945 و1948، لقي أكثر من 780 جندياً وضابط شرطة ومدنياً بريطانياً حتفَهم في فلسطين، كثيرٌ منهم على أيدي منظّمتَي الإرغون وعصابة شتيرن (ليهي).

وكان ذلك كلّه على الرغم من أنّ بريطانيا هي التي طالبت بإقامة وطنٍ قومي لليهود عبر وعد بلفور عام 1917، ناقضةً بذلك وعودها للزعماء العرب بإقامة دولةٍ عربية.

وكانت أبشع الجرائم تفجير فندق King David في 22 يوليو 1946، المقرّ الإداري البريطاني في القدس، الذي قتل فيه 28 مواطناً بريطانياً من أصل 91 قتيلاً. وحتى اليوم، ترفض إسرائيل تكريم قبورهم، فيما تحتفي بمن نفّذ التفجير. ففي عام 2006، أقام مركز Menachem Begin التراثي المسمّى باسم الزعيم السابق لعصابة الإرغون الإرهابية الذي أجاز التفجير ثمّ أصبح رئيساً للوزراء احتفاليةً لإحياء ذكرى الهجوم. أمّا العميد Peter Smith-Dorrien، أرفع المسؤولين رتبةً الذين لقوا حتفهم في التفجير، فيرقد في قبرٍ مجهول لا يحمل اسمه.

ولم تشفع البطولة في مواجهة المحرقة النازية أمام الإرهاب اليهودي. فقد اغتالت عصابة ليهي الدبلوماسيَّ السويدي الكونت Folke Bernadotte، الذي أسهم في انتزاع أكثر من 4000 يهودي من مخيّمات الاعتقال النازية في الأشهر الأخيرة من الحرب، ثمّ أصبح أوّل وسيطٍ رسمي للأمم المتحدة في النزاع بين الدولة الإسرائيلية الوليدة والفلسطينيين. وكانت "جريمته" في نظر عصابة شتيرن أنّه تفاوض على هدنة ومهّد لجهود الإغاثة الأولى.

هذا النمط يتكرّر على امتداد تاريخ إسرائيل.

فقد كانت آخر هدايا الرئيس الأمريكي السابق Barack Obama لإسرائيل حزمةً عسكريةً بقيمة 38 مليار جنيه إسترليني (51 مليار دولار) على مدى عشر سنوات، وهي أضخم حزمة مساعداتٍ في التاريخ الأمريكي. ومع ذلك، كتب المؤرّخ الإسرائيلي Avi Shlaim في صحيفة The Guardian آنذاك: "لم يكن Netanyahu يردّ على كرم Obama إلا بالجحود والإساءة. لم يفوّت فرصةً للهجوم عليه؛ تدخّل بصورةٍ فجّة في انتخابات 2012 الرئاسية بدعم المرشّح الجمهوري؛ أساء استخدام امتياز الخطاب أمام جلسةٍ مشتركة للكونغرس لإهانة رئيسهم؛ وقاد أعنف حملةٍ علنية لتخريب الاتفاق النووي مع إيران. يصعب أن يخطر على البال مثالٌ أكثر وضوحاً على عضّ اليد التي تطعمك. سلوك Netanyahu يجعله الحليف الأكثر سميّةً على الإطلاق."

وكان الرئيس الأمريكي السابق Joe Biden، الصهيوني الليبرالي بالفطرة، يلقى المعاملة ذاتها. إذ كتب الجنرال Amos Gilead أنّ "انتهار" Netanyahu غير المسبوق لـBiden كان تجلّياً صارخاً للجحود وإخفاقاً استراتيجياً من الدرجة الأولى، مضيفاً: "الولايات المتحدة هي الحليف الحقيقي الوحيد لإسرائيل، وJoe Biden هو أكثر رؤساء أمريكا ودّاً لها في التاريخ. لا منطق استراتيجياً في الانقضاض عليه وعلى زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ Chuck Schumer، ولا يسع المرء إلا أن يستنتج أنّ حسابات السياسة الداخلية الضيّقة تحلّ محلّ الاستراتيجية الضرورية لأمن إسرائيل ومستقبلها."

الوجه الحقيقي للصهيونية

يرى بعض المحلّلين أنّ ما نشهده اليوم هو الصهيونية تكشف عن وجهها التفوّقي الحقيقي. وهو رأيٌ يشاطرهم إيّاه Moshe Ya'alon، وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق في عهد Netanyahu بين عامَي 2013 و2016. ففي مقابلةٍ مع Ynet، قال Ya'alon إنّ تياراتٍ داخل حركة الصهيونية الدينية المتوافقة مع المستوطنين تحمل "أيديولوجيا التفوّق اليهودي"، مضيفاً: "ما هو التفوّق اليهودي؟ بعد ثمانين عاماً من المحرقة، إنّه Mein Kampf معكوساً. العرق المتفوّق هو نحن."

وقد باتت هذه النزعة التفوّقية راسخةً في صلب الخطاب السياسي الإسرائيلي السائد. يكفي الاستماع إلى طريقة Naftali Bennett، المنافس الرئيسي لـNetanyahu، في الحديث عن إيران والفلسطينيين، أو الاستماع ببساطة إلى الطريقة التي يتحدّث بها الإسرائيليون اليهود عن الفلسطينيين.

وما يغذّي الخلاف الإسرائيلي مع Trump قد يختزله في نهاية المطاف صدمةُ المستجدّ: صدمة أن يجد مستعمرٌ استيطاني نفسَه أمام رئيسٍ أمريكي يأمره بوقف الحرب، صدمة إدراك أنّه فقد السيطرة على الدولة الراعية له.

صدمةٌ مماثلة عاشها المستوطنون الفرنسيون في الجزائر (Pieds-Noirs) حين ساعدوا في إيصال Charles de Gaulle إلى السلطة عام 1958، ليروا الجنرال ينقلب نحو تقرير المصير واستقلال الجزائر. أو لنتأمّل غضب الوحدويين في أيرلندا الشمالية حين وقّعت رئيسة الوزراء البريطانية Margaret Thatcher، أكبر رموز الوحدة البريطانية، الاتفاقية الأنغلو-إيرلندية التي أتاحت لدبلن دوراً في مسار السلام.

تسونامي سامّ

مهما كانت التحوّلات الجارية داخل إسرائيل، فإنّ تداعياتها السامّة تتجلّى بوضوح في الرأي العام على الضفّة الأخرى من الأطلسي.

ليس مبالغةً القول إنّ الإبادة الجماعية في غزة، والحرب الفاشلة على إيران، ورفض إسرائيل الانسحاب من سوريا وجنوب لبنان وغزة، قد أجهزت على جيلٍ كامل من المؤيّدين في الولايات المتحدة. فوفقاً لمركز Pew Research، تُبدي أغلبية البالغين دون الخمسين من العمر في الحزبَين الجمهوري والديمقراطي نظرةً سلبيةً تجاه إسرائيل وNetanyahu. واليوم، يُبدي 57% من الجمهوريين بين 18 و49 عاماً نظرةً غير مواتية تجاه إسرائيل، مقارنةً بـ50% العام الماضي. وعلى المستوى الإجمالي، يحمل 60% من الأمريكيين البالغين نظرةً سلبيةً تجاه إسرائيل، مقابل 53% العام الماضي، فيما يُبدي 59% ثقةً محدودةً أو معدومةً في قدرة Netanyahu على اتّخاذ القرار الصائب في الشؤون الدولية، ارتفاعاً من 52% في العام الماضي.

اتّجاه الرياح واضح.

غير أنّ الجدل لا يزال قائماً حول ما تعنيه هذه التحوّلات في الرأي العام على الصعيد السياسي، ومتى يمكن أن تُفضي إلى تغييرٍ فعلي في السياسة.

في نيويورك، موطن أكبر تجمّعٍ يهودي في الشتات على مستوى العالم، أُطيح بثلاثة من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين المتمرسين، وسقطت خمسة مقاعد محلية في أيدي مرشّحين يدعمهم عمدة المدينة Zohran Mamdani. وفي أعقاب ذلك مباشرةً، حقّقت Melat Kiros، المحامية وطالبة الدكتوراه، مفاجأةً مدوّيةً حين أُعلن فوزها في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية في الدائرة الانتخابية الأولى بولاية كولورادو، التي تضمّ عاصمة الولاية دنفر. فأطاحت بـDiana DeGette، السياسية التي أمضت ثلاثة عقود في الكونغرس وتلقّت أكثر من 1.6 مليون دولار من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (Aipac).

وقالت منظّمة Jewish Voice for Peace - Action إنّ هذه النتيجة أثبتت أنّ Aipac باتت "علامةً سامّة" في الحزب الديمقراطي، وأنّ الناخبين الديمقراطيين باتوا متعبين من المشرّعين الذين يدعمون الإبادة أو يبرّرونها.

كان ذلك بلا شكّ هزيمةً لـAipac؛ إذ هزم ثلاثة مرشّحين ناقدين للحرب الإسرائيلية الإبادية منافسيهم المدعومين من Aipac.

لكن هل تعكس هذه النتائج تحوّلاً حقيقياً نحو القضية الفلسطينية، أم أنّها مجرّد إعادة استيعابٍ للصهاينة الليبراليين داخل الحزب الديمقراطي بمعزلٍ عن Aipac؟ وهل يستعدّ الحزب ببساطة لمرحلة ما بعد Netanyahu، حين سيعود الدعم لإسرائيل راسخاً في المنظومة مرّةً أخرى؟

أحد الفائزين كان Brad Lander الذي فاز بالانتخابات التمهيدية في الدائرة الانتخابية العاشرة بنيويورك. وLander، الذي خاض سباق رئاسة البلدية قبل أن يدعم Mamdani، كان في السابق يعارض حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، بل رفع استثمارات صندوق تقاعد مدينة نيويورك في Elbit Systems، شركة الأسلحة الإسرائيلية، خلال فترة توليّه منصب مراقب الحسابات. ويصف نفسه بأنّه "صهيوني ليبرالي".

وقالت Nazia Kazi، أستاذة في جامعة Stockton، لموقع Middle East Eye: "في وقتٍ تواجه فيه عناصر من حركة التضامن مع فلسطين التي عطّلت عمليات Elbit Systems أشدّ أنواع القمع الحكومي، فإنّ الاحتفاء ببعض عناصر الحركة ذاتها بـLander، نظراً لارتباطه بشركة الأسلحة Elbit، يبدو طعنةً في الظهر."

وعقب فوز Kiros، هنّأها السيناتور الديمقراطي Bernie Sanders على منصة X، كاتباً: "المدّ يتحوّل. الأمريكيون ملّوا سياسة الوضع الراهن." وقال Mamdani نفسه إنّ الفوز كان انتصاراً للطبقة العاملة، وهو ما يتوافق مع نتائج استطلاعٍ أجري العام الماضي وأظهر أنّ الناخبين يحرّكهم أساساً الهمّ الاقتصادي الداخلي وأزمة الإسكان وتكاليف المعيشة. غير أنّ المرشّحين الفائزين قدّموا في خطاباتهم القضايا الداخلية والمطالبة بوقف الإبادة في غزة حزمةً واحدةً لا تتجزّأ.

مسارٌ طويل

بالنسبة لخبراء العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية أمثال Daniel Levy، رئيس مشروع الولايات المتحدة/الشرق الأوسط (USMEP)، فإنّ أمريكا لا تزال في بداية مسارٍ طويل نحو إعادة معايرة دعمها لإسرائيل.

"لم يتّضح بعد ما إذا كان يمكن لحركة الجانب الديمقراطي أن تتمحور بما يكفي حول تراكم القوة، حتى لو اضطرّت إلى التغاضي عن بعض الأمور لتحقيق تحوّلٍ في السياسة، وإن كان ذلك يسير أبطأ ممّا يتمنّى أيٌّ منّا. ثمّة فرصٌ غير مسبوقة في الأفق، وأودّ أن أرى هذا التغيير يتحقّق، لكنّه لم يتحقّق بعد. فالضغط المضادّ من اللوبي الراسخ، وقابليّة جانبنا للوقوع في الأخطاء، فضلاً عن غياب حركة تحرّرٍ فلسطينية تقود هذا التغيير، كلّها عوامل تعني أنّنا لم نصل بعد."

ومع ذلك، ثمّة تحوّلٌ حقيقي في الرأي العام الأمريكي. ولعلّ أبرز ما طرأ هو انتقال القضية الفلسطينية من هامش الاهتمام السياسي إلى قلبه. فبعد أن كانت تُختزل في هموم اليسار الضيّقة، أو تُربط بالإسلاموية والإرهاب، باتت قضيةً تتقاطع مع مختلف أطياف الطيف السياسي. بل إنّ شرائح من اليمين الأمريكي باتت ترى في إسرائيل عبئاً لا رصيداً، إذ يُصعب على بعض المحافظين التوفيق بين الدعم المطلق لإسرائيل وبين الصورة التي تريد أمريكا أن تقدّمها عن نفسها.

غير أنّ هذا التحوّل نحو المركز جاء معه حدودٌ جديدة. فقد اتّسعت مساحة النقاش، لكنّها لا تزال مُحكَمة الإدارة عبر الأطياف المحافظة والتقدّمية على حدٍّ سواء. بات مقبولاً الحديث عن نفوذ Aipac، لأنّ ذلك يتيح لكثيرٍ من الأمريكيين تأطير المشكلة باعتبارها تأثيراً مفرطاً لجماعة ضغطٍ نافذة. لكن حدود هذا النقاش لا تزال واضحة: المقاومة الفلسطينية وتقرير المصير والتطلّعات السياسية التي تُشكّل جوهر النضال الفلسطيني تبقى خارج حدود النقاش المقبول.

قد تكون أمريكا على مسارٍ يسير بالتدريج: تصاعدٌ في التعاطف مع المعاناة الفلسطينية، وتنامٍ في الاستياء من إسرائيل الدائمة في حالة حرب، وهو ما قد يُفضي إلى إنهاء الاستثناء الإسرائيلي في السياسة الأمريكية، وصولاً في نهاية المطاف إلى الاعتراف الكامل بحقوق الفلسطينيين. وقد يستغرق ذلك عدّة دورات انتخابية.

لكنّ Netanyahu، أو من يخلفه، لن يجد في إعادة جعل إسرائيل وثيقة الصلة باليمين الأمريكي مهمّةً يسيرة. فبعد أن وجد نفسه محاصَراً في الملفّ الإيراني، لكنّه أُبقي على مكاسبه الإقليمية في لبنان وسوريا، سيكون ردّ فعله إعادة إشعال الحرب للسيطرة الكاملة على غزة — لا لشيء إلا لأنّه يحتاج إلى إبقاء اليمين المتطرّف في حكومته وإلى جانب حملته الانتخابية. لكنّ المجزرة المتجدّدة في غزة ستُعمّق الشعور بالاشمئزاز في الولايات المتحدة على جانبَي الطيف السياسي.

ورقة تأطير الحرب بوصفها "11 سبتمبر إسرائيل" قد لُعبت. حتى إنّ جمهوريين من أمثال Tucker Carlson باتوا يراجعون الحرب على الإرهاب باعتبارها مقاربةً خاطئة سعت إلى تصوير الإسلام كلّه عدوّاً وجودياً.

في الوقت الراهن، لا مخرج واضح. اللوبي لن يستسلم، وسيشنّ معركةً دفاعيةً شرسة في أروقة السياسة الأمريكية.

لكن كلّما غدا دعم إسرائيل فعلاً مفروضاً بالقوة لا عقيدةً راسخة بالإيمان، كان ذلك إيذاناً بمزيدٍ من الأزمات التي تنتظر الصهيونية.

أخبار ذات صلة

Loading...
عامل بريد أمريكي يدفع عربة تحمل بطاقات اقتراع بريدية داخل مركز فرز البريد، في سياق الجدل حول تقييد إرسال بطاقات الاقتراع بناءً على أوامر تنفيذية.

الولايات الديمقراطية تطالب البريد الأمريكي بالتراجع عن خطة مرتبطة بأوامر ترامب الانتخابية

في مواجهة محاولات ترامب تقييد بطاقات الاقتراع البريدية، يرفض حكام ديمقراطيون هذه الخطوة التي تهدد نزاهة الانتخابات وحقوق الناخبين. اكتشف التفاصيل وكن جزءاً من النقاش الديمقراطي الحيوي.
Loading...
ميلات كيروس المرشحة الاشتراكية الديمقراطية تحتفل مع مؤيدين بفوزها في الانتخابات التمهيدية في كولورادو وسط موجة انتصارات يسارية داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي.

الصحافة الإسرائيلية قلقة: انتقاد إسرائيل يصبح سلاحاً رابحاً في السياسة الأمريكية

تشهد الانتخابات التمهيدية في الحزب الديمقراطي الأمريكي تحوّلاً جذرياً مع انتصارات مرشحين يساريين يعارضون الدعم التقليدي لإسرائيل، ما يفتح نقاشاً حاداً حول مستقبل العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية. اكتشف التفاصيل الآن!
Loading...
رفوف صيدلية تحتوي على أدوية متنوعة تعكس موضوع تنظيم أسعار الأدوية في المستشفيات ضمن برنامج Medicare في الولايات المتحدة.

إدارة ترامب تقترح قاعدة لتوفير 1.1 مليار دولار على مرضى Medicare في الأدوية

تسعى إدارة ترامب لخفض تكاليف أدوية Medicare عبر قاعدة جديدة تحد من أرباح المستشفيات على برنامج 340B، مما يوفر ملايين الدولارات للمرضى. اكتشف التفاصيل وكيف تؤثر على الرعاية الصحية اليوم.
Loading...
زهران ممداني يحمل لافتة دعائية لحملته الانتخابية لعمدة نيويورك وسط دعم من منظمات صحية، يعكس تأثيره السياسي المتصاعد.

زهران ممداني: جرأة جيلٍ جديد في السياسة الأمريكية

في نيويورك المتغيرة، زهران ممداني يعيد تشكيل السياسة بشجاعة غير مسبوقة، متحدياً الفساد والدعم الصهيوني، ويقود تحالفاً وطنياً جديداً. اكتشف كيف يغير المدينة والبلاد، تابع التفاصيل الآن.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية