سوريا وحزب الله مستقبل المواجهة والتهدئة في لبنان
حزب الله يعلن استعداده للحوار مع دمشق بينما واشنطن تدعو سوريا للانخراط في ملف نزع سلاح الحزب. دمشق ترفض التدخل العسكري لكنها تسعى لتعزيز نفوذها السنّي في لبنان وسط مخاوف من تصاعد الصراع الطائفي وتهديد داعش وورلد برس عربي

عاد ملفّ الدور السوري المحتمل في مسألة حزب الله إلى الواجهة، في خضمّ موجةٍ من التصريحات الرفيعة المستوى التي تتلاحق في الأسابيع الأخيرة.
ففي خطوةٍ لافتة، أعلن الحزب للمرة الأولى علناً استعداده للحوار مع دمشق. إذ قال الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في كلمةٍ متلفزة: «لا مانع من لقاءٍ علني بين حزب الله والقيادة السورية في الوقت الذي يراه الطرفان مناسباً».
جاء هذا الإعلان في أعقاب تصريحاتٍ أطلقها الرئيس الأمريكي Donald Trump خلال لقائه بالرئيس اللبناني جوزيف عون في البيت الأبيض الشهر الماضي، حين أبدى مجدّداً انفتاحه على فكرة انخراط سوريا في ملفّ نزع سلاح الحزب. وقال Trump: «الرئيس السوري يودّ الدخول على الخطّ. إنه يقاتل حزب الله منذ زمنٍ طويل. أعتقد أن ذلك سيكون فعّالاً جداً، وهو أمرٌ أفكّر فيه».
لم تكن تلك المرة الأولى التي يُلمح فيها Trump إلى دعمه لتدخّلٍ سوري ضد حزب الله في لبنان، مع إيحاءاتٍ بأن الرئيس أحمد الشرع مستعدٌّ لذلك. وقد سبق أن طرح المبعوث الأمريكي Tom Barrack هذه الفكرة للمرة الأولى في نوفمبر الماضي، حين نشر على منصة X (تويتر سابقاً) تغريدةً أعقبت الزيارة الأولى للشرع إلى واشنطن، كتب فيها: «ستعمل دمشق الآن بنشاطٍ على مساعدتنا في مواجهة وتفكيك بقايا تنظيم داعش والحرس الثوري الإيراني وحماس وحزب الله وغيرها من الشبكات الإرهابية».
غير أن Barrack لم يُوضّح كيفية تقديم دمشق لهذه المساعدة. ولاحقاً، نقلت وكالة Reuters أن واشنطن حثّت دمشق على شنّ عمليات عسكرية ضد حزب الله في لبنان، إلا أن المسؤولين السوريين أبدوا تحفّظاً بسبب المخاوف المتعلقة بالاستقرار الداخلي. وقد نفى Barrack صحّة هذا التقرير.
دوائر النفوذ
في المقابل، نفى الشرع بشكلٍ قاطع أي نيّةٍ للقتال ضد حزب الله، وإن كان في الوقت ذاته يُصعّد اللعمليات الرامية إلى قطع طرق إمداد الأسلحة التي تقول دمشق إنها كانت متجهةً إلى الحزب. وفي مقابلةٍ أجريت معه، قال الشرع: «لا نفكّر في تدخّلٍ عسكري، لكن لدى سوريا أوراقٌ عدّة يمكنها تقديمها للدولة اللبنانية لتستخدمها كما تشاء»، مؤكّداً في الوقت ذاته دعمه لاحتكار الدولة اللبنانية للسلاح.
ولم يُفصح الشرع علناً عن آليةٍ محدّدة لنزع سلاح حزب الله بعيداً عن الخيار العسكري، لكن بعض المراقبين يرجّحون أن دمشق قد تسعى إلى ذلك عبر بناء «قاعدةٍ سنية» موالية لها داخل لبنان.
وقد استقطبت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى مدينة طرابلس شمال لبنان في يوليو اهتماماً واسعاً، إذ رأى فيها كثيرون مؤشّراً على أن دمشق تسعى إلى بناء نفوذٍ سنّي في لبنان يتمحور حول طرابلس، ممّا أثار تساؤلاتٍ حول ما إذا كانت سوريا تعتزم توظيف هذه الورقة للمساهمة في القضاء على حزب الله.
بيد أن المضيّ في هذا المسار ينطوي على خطرٍ جسيم: فهو يُغذّي رواية الصراع السنّي-الشيعي التي تتغذّى عليها تنظيماتٌ كداعش وتزدهر في ظلّها. وهذا من شأنه أن يُتيح للتنظيم اختراق الأراضي اللبنانية وترسيخ وجوده فيها، على غرار ما فعله في سوريا والعراق، ليمضي من هناك نحو أجندةٍ أشمل تشمل إسقاط الحكومة السورية ذاتها.
وقد جاءت تطوّراتٌ ميدانية حديثة لتُضخّم هذا الخطر؛ إذ أعلنت السلطات اللبنانية الشهر الماضي عن اعتقال مسؤولٍ أمني رفيع في داعش يُعتقد أنه كان يُشرف على عمليات التنظيم في وسط سوريا وجنوبها. وبعد أيامٍ قليلة، جاء اعتقال شخصٍ آخر يُشتبه في تمويله لداعش داخل سوريا.
فضلاً عن ذلك، فإن تأجيج الرواية الطائفية سيُقوّض التعاون السوري-اللبناني المشترك في مواجهة داعش، ويُضعف المؤسسات الأمنية والعسكرية اللبنانية ذات الطابع التعددي، وهو ما سيكون في نهاية المطاف في غير صالح دمشق نفسها.
التوتّرات المتشعّبة
برز لبنان شريكاً استراتيجياً لسوريا في مواجهة داعش؛ إذ يُشار إلى أن تبادل المعلومات الاستخباراتية بين البلدين أسهم في كشف الخلية التي يُعتقد أنها دبّرت التفجير الذي هزّ دمشق خلال زيارة الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron في مطلع يوليو.
ورغم تصريحاته العلنية، يرى بعض المراقبين أن الشرع قد يُقدم في نهاية المطاف على إرسال قواتٍ سورية إلى لبنان لقتال حزب الله، في محاولةٍ لاسترضاء التيارات الأكثر تشدّداً داخل البنية السورية، التي تتّهمه بالتفريط في مسار الجهاد. غير أن هذا الخيار بدوره قد يصبّ في مصلحة داعش.
فالانزلاق إلى حربٍ ضد حزب الله استجابةً للضغط الأمريكي العلني سيُصوّر الشرع أمام الرأي العام بوصفه أداةً في يد واشنطن، مما قد يُذكي التوترات مع التيارات المتشدّدة بدلاً من تهدئتها، ويُعطي مصداقيةً للرواية التي يروّجها داعش ضد الشرع، ويُعزّز جهود التنظيم في استقطاب المجنّدين من صفوف المؤسستين العسكرية والأمنية السوريتين.
في المقابل، رفض كبار المسؤولين اللبنانيين فكرة التدخّل العسكري السوري رفضاً قاطعاً؛ إذ وصف الرئيس عون مسألة نزع السلاح بأنها شأنٌ لبناني داخلي بامتياز. بل إن شخصياتٍ سياسية معروفة بمعارضتها الشديدة لحزب الله، كرئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، رفضت هي الأخرى فكرة التدخّل السوري معتبرةً إياها «غير قابلةٍ للتطبيق».
ويعود هذا الرفض في جوهره إلى أن التمدّد السوري في لبنان يُثير نفوراً شعبياً عميقاً، في ظلّ ما خلّفته حقبة الوصاية السورية في زمن آل الأسد من جراحٍ لم تندمل. يُضاف إلى ذلك أن أي تدخّلٍ عسكري سوري سيُلقي بظلاله الثقيلة على العلاقات الثنائية بين البلدين، ويُضرّ بتعاونهما في مواجهة داعش.
صحيحٌ أن ثمّة تاريخاً من العداء بين حزب الله والشرع، لكن يقابله تاريخٌ لا يقلّ مرارةً بين الرئيس السوري وداعش. والفارق الجوهري أن حزب الله لم يُعلن الحرب على الحكومة السورية، ولم ينفّذ ضرباتٍ تطال عمق دمشق، خلافاً لما يفعله داعش.
من هنا، يبقى داعش هو التهديد الوجودي الحقيقي الذي يواجه الشرع وهو يسعى إلى إعادة بناء سوريا.
وإيماءات الانفتاح التي أبداها حزب الله هذا الأسبوع ستكون سبباً إضافياً يدفع الشرع إلى التروّي والحذر، لئلاّ يُفرّط في حربٍ مفروضة عليه ضد داعش، مقابل حربٍ يختارها بمحض إرادته ضد حزب الله.
أخبار ذات صلة

الجيش الإسرائيلي يشنّ عملية عسكرية واسعة في مخيم قلنديا بالقدس الشرقية

ترامب طلب حواراً مباشراً مع حزب الله لكن طلبه رُفض

المغرب يعيد حساب علاقاته بإسرائيل عبر نشره العسكري في غزة
