لغز الثقوب السوداء وحقيقة العدسة الجاذبية الكونية
مرصدا LIGO يرصدان اندماج ثقبين أسودين بكتلة غير متوقعة داخل فجوة كتلة غامضة لكن تفسير جديد من معهد ماكس بلانك يقترح أن ظاهرة العدسة الجاذبية قد تكون سبب التضخيم الكتلي مما يغير فهمنا للثقوب السوداء ويفتح أبواب لغز جديد تابع التفاصيل على وورلد برس عربي

في نوفمبر 2023، سجّل مرصدا LIGO في واشنطن ولويزيانا توقيعاً موجيّاً غير مألوف في سجلّات الفيزياء الفلكية: انصهار ثقبين أسودين نتج عنه جسمٌ واحد تُقدَّر كتلته بنحو 230 مرة كتلة الشمس. المشكلة لم تكن في ضخامة الرقم بمفرده، بل في أنّ الثقبين الأصليين، بكتلتي 100 و130 كتلة شمسية، يقعان في منطقةٍ يُفترض علمياً أنّها "فجوة كتلة" يستحيل على ثقوبٍ سوداء نجمية أن تتشكّل داخلها. اليوم، يطرح فريقٌ من معهد ماكس بلانك لفيزياء الجاذبية في ألمانيا تفسيراً بديلاً: ربّما لم تكن هذه الكتل حقيقية على الإطلاق، بل نتيجة خداعٍ بصري كوني يُعرف بالعدسة الجاذبية. الفرضية، إن صحّت، تحلّ لغزاً وتفتح آخر: من أو ما الذي لعب دور هذه العدسة؟
إشارة GW231123 ولغز الكتلة المحيّرة
الموجات الجاذبية، وهي تموّجات في نسيج الزمكان تنتج عن أحداثٍ كونية عنيفة كانفجار النجوم أو دوران النجوم النيوترونية بسرعة فائقة، رصدها LIGO هذه المرّة قادمةً من اندماج ثقبين أسودين على مسافة تُقدَّر بحوالي 2 مليار سنة ضوئية من الأرض. أُطلق على الحدث اسم GW231123. ما استرعى انتباه الباحثين لم يكن حجم الكتلة الناتجة فحسب، بل أن الثقبين اللذين اندمجا كانا يدوران بسرعةٍ أكبر بكثير من المتوقّع قبل التصادم، وهو مؤشّر آخر يصعب تفسيره ضمن نماذج التشكّل المعروفة.
الثقوب السوداء النجمية تتشكّل عادةً عبر انهيار نجوم ضخمة، بينما تبقى الثقوب السوداء متوسطة الكتلة فئةً لم تُفهم جيداً حتى الآن. مشكلة GW231123 أنّ كتلتَي مكوّنيه تقعان بين هاتين الفئتين تماماً، في منطقةٍ نظرية يُفترض أنّ آليات التشكّل المعروفة لا تصل إليها. دراسةٌ نُشرت السنة الماضية حاولت تجاوز هذه العقبة بافتراض أنّ الثقوب "الممنوعة" هذه قد تنشأ من نجومٍ منهارة تتجنّب الانفجار كمستعرٍ أعظم، لكنّ هذا المسار يتعارض مع كمٍّ كبير من الأدلة الرصدية السابقة، ما جعله تفسيراً هشّاً لم يحسم النقاش.
حين تخدع الجاذبية الأدوات: فرضية العدسة
في 25 أغسطس، نشر الباحثون سراشتي غويال (الباحثة الرئيسية بعد الدكتوراه) وفيارّوبيا-روخو وميغيل زومالاكارّيغي، جميعهم من معهد ماكس بلانك لفيزياء الجاذبية، تفسيراً مختلفاً في مجلة The Astrophysical Journal Letters، المجلّد 1008، العدد 1، المقالة L12. الفكرة تعود جزئياً إلى نظرية أينشتاين للنسبية العامة في 1915: الأجسام الضخمة تُحدِث انحناءاً في الزمكان المحيط بها، وحين تعبر الإشارات ضوءاً كانت أم موجاتٍ جاذبية هذا الانحناء، فإنّها تنحرف وتتضخّم وقد تنقسم إلى إشاراتٍ متعدّدة. هذه الظاهرة، المعروفة بالعدسة الجاذبية، رُصدت مراراً في الضوء القادم من مجرّاتٍ بعيدة، منتجةً حلقات أينشتاين الشهيرة، أو أشكالاً صليبية، أو صوراً متعدّدة لمصدرٍ واحد. لكن لم يسبق رصد أي دليلٍ مؤكّد على تعرّض موجةٍ جاذبية للعدسة من قبل.
يقول ميغيل زومالاكارّيغي، أحد مؤلّفي الدراسة: "تماماً كالضوء، يمكن للموجات الجاذبية أيضاً أن تنحرف وتتضخّم وتنقسم إلى إشاراتٍ متعددة بواسطة أجسامٍ ضخمة". ويضيف: "بالنسبة للموجات الجاذبية، تمنحنا تأثيرات الحيود والتداخل وسيلةً إضافية لتحديد ودراسة الإشارات المعدّسة".
نمذج الفريق كيف يمكن لجسمٍ يعمل كعدسة أن يشوّه إشارة GW231123، ووجدوا أنّ التضخيم الناتج عن العدسة قد يكون هو المسؤول عن تضخيم الكتل الظاهرة للثقبين، لا كتلتهما الحقيقية. تقول سراشتي غويال، الباحثة الرئيسية للدراسة: "إذا افترضنا أنّ GW231123 انحرفت وتشوّهت بواسطة جسمٍ متراصّ تتراوح كتلته بين 190 و850 كتلة شمسية أو بنية ممتدّة كعنقودٍ نجمي كروي يمكننا تفسير الكتل المرتفعة المرصودة". وتضيف: "علاوة على ذلك، تفسير العدسة لا يتطلّب دورانات عالية بشكلٍ غير معتاد".
بحسب النموذج، فإنّ كتلة الثقب الأسود المدمَج الحقيقية تقترب من 140 كتلة شمسية فقط رقمٌ يضع الثقبين الأصليين خارج فجوة الكتلة المثيرة للجدل تماماً. كما أنّ العدسة، إذا صحّت، تعني أنّ GW231123 أبعد فعلياً عن الأرض من التقدير الأولي.
الأدلة الناقصة: من صنع هذه العدسة؟
مع ذلك، يُقرّ الباحثون بأنّ التفسير يبقى نظرياً بالكامل، فلم يُعثر على أي حلقة أينشتاين مرافقة تؤكّد وقوع عدسة على GW231123، ولم يُرصد أي جسمٍ مناسب بين الأرض ومصدر الإشارة يمكن أن يكون قد أدّى هذا الدور. والأكثر إثارة للحيرة أنّ العدسات المحتملة يجب أن تكون أصغر بكثير من عدسات الضوء المعتادة على مستوى المجرّات، والتي قد تصل كتلتها إلى تريليونات كتل الشمس، بينما عدسات مفردة متراصّة بكتلةٍ بين 100 و1000 كتلة شمسية يُفترض أن تكون نادرة للغاية في الكون.
يعترف زومالاكارّيغي بهذه المفارقة بوضوح: "طبيعة العدسة تبقى لغزاً كبيراً في تحليلنا، لأنّ العدسات المتراصّة المفردة بكتلةٍ بين 100 و1000 كتلة شمسية يُفترض أن تكون نادرة للغاية". ويشير إلى أنّ "العمل المستقبلي سيحتاج إلى إثبات إمكانية تشكّل عدساتٍ من هذا النوع، أو إن كانت مجموعة من أجسامٍ أخفّ، بما فيها النجوم، قادرة على تفسير هذا الحدث".
ما الذي يتغيّر إذا تأكّدت الفرضية؟
إن ثبتت فرضية العدسة الجاذبية مستقبلاً، فإنّها لن تحلّ لغز GW231123 وحده، بل قد تفتح نافذةً منهجية جديدة أمام علم الفيزياء الفلكية: عدسات الموجات الجاذبية يمكن أن تكشف اندماجات ثقوبٍ سوداء قديمة يصعب رصدها بالوسائل الأخرى، كما أنّ أنماط الحيود الناتجة عنها قد تحمل إشاراتٍ حول طبيعة المادة المعتمة نفسها، تلك المادة الخفيّة التي يستخدم العلماء بالفعل تأثيرات العدسة الضوئية لدراستها ووزن الأجسام غير المرئية في الكون.
لكن حتى صدور دليلٍ رصديّ مباشر حلقة أينشتاين، أو جسمٍ عدسة مؤكّد، أو نموذج يفسّر كيف تتشكّل مثل هذه العدسات النادرة أساساً يبقى السؤال مفتوحاً: هل خدعتنا الجاذبية في GW231123، أم أنّ الثقوب السوداء وجدت طريقةً حقيقية للتشكّل خارج ما نعرفه عنها؟
أخبار ذات صلة

بدلة الفضاء الأوروبية الجديدة تحتاج تطويراً أكثر، رائد فضاء فرنسي: «نحن في البدايات»

الخلايا التي تُرسل دماغنا إلى النوم

نجمٌ نادرٌ يُولَد من جديد... ويتغيّر مجدّداً
