جرائم قوات الدعم السريع في الفاشر وصمة على ضمير الإنسانية
منظمة العفو الدولية تكشف جرائم ضد الإنسانية وتطهير عرقي ارتكبتها قوات الدعم السريع في الفاشر تستهدف الأطفال والمجتمعات غير العربية في ظل حصار دام طويل. تقرير يفضح الانتهاكات ويطالب بتحرك دولي عاجل ووقف إطلاق النار وورلد برس عربي.

منظمة العفو الدولية تُوثّق جرائم ضد الإنسانية وتطهيراً عرقياً ارتكبتها قوات الدعم السريع في الفاشر
خلصت منظمة العفو الدولية إلى أن قوات الدعم السريع شبه العسكرية في السودان ارتكبت جرائم ضد الإنسانية وعمليات تطهير عرقي في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، وذلك وفق تقرير أصدرته المنظمة الأربعاء. وتأتي هذه النتائج لتعزّز أدلةً متراكمة على مدى العام الماضي، تُثبت أن قوات الدعم السريع ارتكبت فظائع واسعة النطاق خلال حصارها للفاشر الذي امتدّ ثمانية عشر شهراً.
وصفت Agnes Callamard، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، نتائج التقرير بأنها "وصمةٌ على ضمير الإنسانية"، وقالت في بيانٍ رسمي: "لم يكن الأطفال ضحايا عَرَضيين لهذا العنف بل كانوا في أغلب الأحيان هدفاً مقصوداً، وقد عانوا معاناةً بالغة. ارتقوا، وأُصيبوا، واغتُصبوا، واختُطفوا، وجرى تجنيدهم قسراً على نطاقٍ واسع." وطالبت المنظمة بوقف فوري لإطلاق النار على المستوى الوطني، ونشر قوة دولية مستقلة في السودان.
وثّقت المنظمة استهداف المجتمعات غير العربية، ولا سيما مجموعة الزغاوة العرقية، بصورة ممنهجة ومقصودة، حيث رصد المحققون توظيف شتائم عرقية وإشاراتٍ إلى العبودية من بينها لفظة "فلنقي" خلال تلك الهجمات. كما أحرقت قوات الدعم السريع القرى بعد فرار سكّانها لمنع عودتهم، وهو ما وصفته المنظمة بأنه سلوكٌ يتسق مع التطهير العرقي.
شهادات من داخل مراكز الاحتجاز
استند التقرير إلى مقابلات أُجريت مع 247 شخصاً، غالبيتهم العظمى شهدوا انتهاكاتٍ عنيفة أو تعرّضوا لها مباشرةً في ولاية شمال دارفور المتاخمة لليبيا والتشاد. ومن بين هؤلاء تسعة رجال احتُجزوا في مركز احتجاز مينا البري على الأطراف الشرقية للفاشر، لفتراتٍ بلغت خمسة أشهر بين منتصف عام 2024 ومطلع عام 2026.
أفاد المحتجزون بأنهم أُودعوا داخل حاويات شحن ظلّت موصدةً في معظم الأوقات، ما جعل الحرارة الخانقة وشُحّ تهوية الهواء تُصعّب عليهم التنفّس. وروى أحدهم: "كان جسدي يجفّ تماماً، وفقدتُ الوعي أنا وآخرون معي. ظنّ عناصر قوات الدعم السريع أننا متنا، فألقوا بنا خارج الحاوية. وبعد لحظات، أدركوا أننا لا نزال أحياء، فعادوا إلى تعذيبنا وأعادونا إلى الداخل."
قادة متّهمون بانتهاكات جسيمة
حدّد تقرير المنظمة ثلاثة قادة من قوات الدعم السريع يُتّهمون بـ"انتهاكاتٍ جسيمة للقانون الدولي"، في مقدّمتهم قائد قوات الدعم السريع الفاتح عبدالله إدريس المعروف بلقب "أبو لولو"، الذي ظهر في مقاطع مصوّرة وهو يُعدم أسرى يرتدون ملابس مدنية. أما في مركز احتجاز مينا البري، فقد جرى تحديد اللواء جيدو حمدان أحمد محمد المعروف بـ"أبو شوك"، والمقدّم عباس خاطر بخيت، وكلاهما يُبلَّغ عنهما بتعذيب المحتجزين.
وفي هذا السياق، قالت Callamard: "يجب على المجتمع الدولي أن يتجاوز بيانات القلق." وحمّلت مسؤولية تفاقم الأزمة لقرارات خفض التمويل الإنساني التي اتخذتها الدول مرتفعة الدخل في أعقاب عودة إدارة Trump إلى السلطة، فضلاً عن تراجع الدعم لآليات المساءلة كالأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، اللتين تعرّضتا للتقويض والتهديد عبر عقوبات أمريكية طالت مسؤولين في هذه الهيئات الدولية.
ولا يزال السودان يحتضن أكبر أزمة إنسانية ونزوح مستمرة في العالم، وفق ما أعلنته منظمة Refugees International غير الربحية الشهر الماضي. وخلال فترة الحصار الممتدة من مايو 2024 حتى أكتوبر 2025، انتشر الجوع بسرعةٍ مُقلقة، وأُرغمت الأسر على الاعتماد على "العمباز" وهو مخلّف إنتاج زيت الفول السوداني يُستخدم عادةً علفاً للحيوانات لسدّ رمقها.
دور الإمارات والولايات المتحدة
تضرب جذور قوات الدعم السريع في ميليشيا الجنجويد التي ارتكبت إبادةً جماعية في دارفور قبل أكثر من عقدين. وفي مارس 2025، استناداً إلى معلومات استخباراتية شاركتها إدارة Biden السابقة، تقدّم السيناتور الديمقراطي عن ولاية Maryland، Chris Van Hollen، بمشروع قانون يهدف إلى وقف خطوط الإمداد الأمريكية غير المباشرة لقوات الدعم السريع، غير أن الجمهوريين أسقطوه بعد نحو ستة أشهر، بُعيد توغّل قوات الدعم السريع في الفاشر واستيلائها على موقع الجيش السوداني.
ومنذ اندلاع الحرب الأهلية في أبريل 2023، واصلت واشنطن في عهد إدارتين متعاقبتين الموافقة على صفقات أسلحة لحليفتها أبوظبي. وتستضيف الإمارات قاعدة الظفرة الجوية، وتربطها علاقاتٌ وثيقة بعائلة Trump. وعلى الرغم من نفي المسؤولين الإماراتيين، فإن تقارير موسّعة أعدّت اعتمدت على صور الأقمار الاصطناعية وبيانات تتبّع الرحلات والسفن وأدلة مصوّرة وأرقام تسلسلية للأسلحة ومصادر متعدّدة من المنطقة، تُشير إلى أن الإمارات زوّدت قوات الدعم السريع بالأسلحة طوال فترة الحرب.
وفي وقتٍ سابق، طالب سفير السودان لدى الولايات المتحدة، محمد عبدالله إدريس، إدارة Trump بتصنيف قوات الدعم السريع منظمةً إرهابية لفرض عقوبات عليها، مستنداً إلى مبادرة ثنائية يقودها السيناتور الجمهوري عن ولاية Idaho، Jim Risch. وقال السفير: "جرى تصنيف Boko Haram. وجرى تصنيف Al-Qaeda. وجرى تصنيف داعش... فلماذا لا يُصنَّف الجنجويد؟ ما يرتكبه الجنجويد أشدّ وطأةً مما اقترفته بعض تلك التنظيمات."
العنف الجنسي سلاحٌ ممنهج
تأتي نتائج منظمة العفو الدولية في أعقاب تقريرٍ أممي صدر الشهر الماضي، خلص إلى أن قوات الدعم السريع مسؤولةٌ عن غالبية الجرائم الجنسية التي ارتكبتها أطراف النزاع في السودان خلال السنوات الثلاث الماضية. وكشف التقرير أن الاغتصاب والاغتصاب الجماعي والاستعباد الجنسي وُظّفت بصورة ممنهجة أسلحةً في الحرب، محذّراً من أن الإفلات من العقاب قد يُرسّخ دوامات العنف لسنواتٍ مقبلة. وأُسند ما يقارب 87% من الحوادث الموثّقة إلى عناصر يرتدون زيّ قوات الدعم السريع أو ينتمون إلى ميليشياتها العربية الحليفة، فيما نُسبت حوادث أخرى إلى القوات المسلحة السودانية وجهات أمنية تابعة لها وحركاتٍ مسلحة أخرى.
شبكة دعم تمتد عبر ليبيا
كشف تحقيقٌ مشترك أجرته Lighthouse Reports وSudan War Monitor وEvident أن مقاتلين من قوات الدعم السريع يتلقّون تدريباتٍ على أسلحة مُوردة من الإمارات في معسكراتٍ عسكرية منتشرة في ليبيا. وأفاد منشقّون عن قوات الدعم السريع ومصادر من القوات المسلحة العربية الليبية بقيادة خليفة حفتر بأن المعسكرات الخمسة التي حدّدها المحققون تُوفّر أيضاً دعماً لوجستياً للقوات شبه العسكرية السودانية، يشمل الوقود وسيارات الدفع الرباعي.
وفي اليوم ذاته، طالب تحالفٌ من منظمات حقوق الإنسان المحكمةَ الجنائية الدولية بالتحقيق في دور مسؤولين رفيعي المستوى من الإمارات ودول مجاورة للسودان في الاشتراك المزعوم في جرائم الفظاعة بدارفور. وقدّم هذا الطلب مركز Raoul Wallenberg لحقوق الإنسان وتحالفٌ واسع من المنظمات القانونية والتحقيقية والمجتمع المدني.
أخبار ذات صلة

بيلاروسيا تحكم على صحفي بالسجن 3.5 سنوات

تحذيرات من سياسات Trump لإدراج الأشخاص ذوي الإعاقات في مؤسسات متخصصة

اعتقالات إسرائيلية لناشطات في الضفة الغربية
