الصحفيون في لبنان بين الخطر والحقيقة المرة
تغطية الصحافة في جنوب لبنان أصبحت رحلة وجودية، حيث يتحول الصحفيون إلى أهداف. مع تزايد استهداف زملائنا، تتجاوز المخاطر مجرد نقل الأحداث. هذا المقال يستكشف كيف تغيرت مهنة الصحافة في زمن الحرب.

تجربة الصحفي في جنوب لبنان
في كل مرة أسلك فيها الطريق إلى جنوب لبنان، لا تبدو الرحلة وكأنها انتقال جغرافي بسيط من مدينة إلى أخرى. بل هي بالأحرى عبور نفسي بين نسختين من المهنة: النسخة التي عرفناها عندما أصبحنا صحفيين لأول مرة، والنسخة التي فرضتها علينا الحرب الإسرائيلية منذ ثلاث سنوات.
تغيرات في أدوات العمل الصحفي
لم تعد السترة الواقية والخوذة الواقية مجرد أدوات للمهنة، بل أصبحت جزءًا من روتيننا اليومي، مثلها مثل المفكرة والكاميرا والميكروفون.
التحديات النفسية للصحفيين
أحاول كل يوم أن أقنع نفسي بأن هذا يوم عادي من التغطية الصحفية على الأرض، ومهمة أخرى سنكملها ونعود منها. لكن الحقيقة هي أن الواقع قد تغير منذ أن بدأ زملاؤنا أنفسهم يتعرضون لإطلاق النار.
لم تعد التغطية الإخبارية مجرد نقل للأحداث. لقد أصبحت مواجهة شخصية مع خوف ثقيل يرافقني وفريق العمل في المقعد الخلفي للسيارة، في ذلك الصمت الطويل الذي لا يكسره سوى رسائل من الأصدقاء والعائلة: لماذا تعود؟ ألست خائفاً؟ ألم تكن كل هذه السنوات من التقارير كافية؟
في الماضي، كان الخطر جزءًا من جغرافية النار. واجهته لأول مرة في شمال لبنان، في طرابلس، خلال جولات العنف الداخلي. في ذلك الوقت، كان الخطر واضحًا، مرتبطًا بالمكان الذي تقف فيه، وبالشارع الذي تقترب منه، وبالرصاصة التي يمكنك تحديد مصدرها.
أما اليوم، فالأمر مختلف تمامًا.
أصبح الصحفي جزءًا من بنك الأهداف الإسرائيلي.
أسباب الاستهداف في النزاع
إن الاستهداف المتكرر لزملائنا أصبح مجرد وجود كاميرا أو مجرد نقل قصة لا تتماشى مع من يحمل السلاح سببًا كافيًا لوضع الصحفي في مرمى النيران.
وقد تجلى ذلك في 19 مارس/آذار، عندما نجا مراسل قناة RT ستيف سويني ومصوره علي رضا سبيتي من هجوم إسرائيلي بالقرب من جسر القاسمية في جنوب لبنان.
وكان الاثنان، اللذان كان من الواضح أنهما صحفيان، يغطيان غارات سابقة على الجسر نفسه، وهو معبر حيوي في المنطقة.
تحولات في مفهوم الخطر
أصبحت التغطية من جنوب لبنان قرارًا وجوديًا نتخذه كل يوم.
هذا هو التحول الأكثر عمقًا في الحرب: لم يعد الخطر محددًا بالطريق، أو قرب نقطة البث من الاشتباكات في بلدة الخيام الحدودية، أو عدد الكيلومترات التي تفصلك عن الخطوط الأمامية.
فالعتاد الصحفي ذاته الذي نحمله لنقل الحقيقة يمكن أن يصبح في لحظة سببًا كافيًا لاستهدافنا.
الوعي المزدوج أثناء التغطية
بالنسبة للمراسلين الحربيين في لبنان اليوم، هناك تحوّل نفسي أعاد تشكيل الطريقة التي نعدّ بها أنفسنا لأداء واجبنا، بما يتجاوز تدابير السلامة والتقييمات الأمنية.
أن تقف أمام الكاميرا الآن يعني أن تحمل وعيًا مزدوجًا لما يجري حولك، واحتمال أن تصبح أنت أيضًا القصة.
لماذا نحن مستهدفون؟
اليوم الذي فقدنا فيه زميلنا عصام عبد الله، المصور الصحفي في وكالة رويترز، في غارة إسرائيلية مستهدفة في ألما الشعب، غيّر كل شيء.
فقبل ساعات فقط من الهجوم، في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وقفنا مع صحفيين آخرين نبحث عن نقطة مراقبة تطل على القصف الإسرائيلي في المنطقة الحدودية. ثم ذهب كل منا في طريقه.
بدا كل شيء عاديًا تمامًا: كنا صحفيين نقوم بعملنا، ولسنا طرفًا في أي صراع. كان السؤال في ذلك اليوم بسيطًا ومؤلمًا في الوقت نفسه: لماذا تم استهدافنا؟
شاهد ايضاً: الإمارات تعتقل مضيفة طيران بسبب صورة لغترة جوية
كنت أقوم بتغطية مباشرة من على سطح أحد المنازل عندما فتحت دبابة إسرائيلية النار عبر الحدود.
أتذكر أنني قلت على الهواء مباشرة: "يبدو أن الإسرائيليين أصابوا منزلاً أو ربما سيارة بالنظر إلى الدخان الأسود الكثيف".
بعد دقائق، وجدت أن الجيش الإسرائيلي قد أصاب مجموعة من زملائي الصحفيين الذين كان من الواضح أنه يمكن التعرف عليهم.
كان عصام أول صحفي تقتله إسرائيل في لبنان منذ أن بدأت هجماتها على البلاد في أواخر عام 2023. وأصيب ستة آخرون في الهجوم.
وبعد أكثر من شهر، قُتلت الصحفية فرح عمر وربيع المعمري في هجوم إسرائيلي على بلدة أخرى في الجنوب.
وقبل أقل من أسبوعين، قُتلت الصحفية فاطمة فتوني وعلي شعيب في سلسلة من الغارات التي استهدفت سيارتهما أثناء مرورهما في جزين.
قتلت إسرائيل ما لا يقل عن 259 صحفيًا وإعلاميًا منذ عام 2023، من بينهم 210 صحفيًا فلسطينيًا في غزة و14 صحفيًا في لبنان. ويبدو أن 64 منهم على الأقل تم استهدافهم بشكل مباشر، وفقًا لـ خبراء الأمم المتحدة.
لقد حوّل القتل المتكرر للصحفيين صوت الطائرات بدون طيار، الأزيز الدائم في سماء الجنوب، إلى تحذير دائم بأننا نحن أيضًا تحت المراقبة. لم تعد لحظة الصمت التي تسبق الغارة الجوية ترقبًا لما سيحدث للآخرين وحدهم، بل لما قد يحدث لنا أيضًا.
ومع ذلك، أعود.
أعود لأن الحرب لا تقاس بعدد الضربات أو خرائط السيطرة، بل بوجوه الناس الذين يبقون خارج لغة البيانات العسكرية الجافة.
دور الصحفي كشاهد على الأحداث
في القرى الحدودية، وسط الركام والدخان، هناك دائمًا أم تبحث عن ابنها، وعائلة تقف أمام منزل تحوّل إلى أثر، وناجون لا يريدون سوى أن يسمعهم أحد قبل أن تبتلعهم لغة الأرقام والإحصاء اليومي للقتلى.
هنا، يصبح دور الصحفي أكثر من مجرد نقل الأخبار. نصبح شهودًا على جرائم تُرتكب، وعلى أرواح بريئة تحتاج إلى من يسحب قصصها من تحت النار ويرويها للعالم.
نحن لا نعود إلى الميدان بدافع الخوف، بل لأننا ندرك ما يعنيه أن تمر هذه الحرب دون أن نشهدها.
في نهاية كل يوم، وبعد أن تظلم الكاميرا ويعود الصمت، أجد نفسي أجيب على السؤال نفسه مرارًا وتكرارًا.
لهذا السبب أعود. ليس لأنني أبحث عن الخطر، ولكن لأن الحرب لا يجب أن تُترك وحدها، خاصة مع أولئك الذين يحاولون إخفاء قصتها.
أخبار ذات صلة

الغارات الأمريكية الإسرائيلية تدمر بالكامل كنيسًا في طهران

الولايات المتحدة وإيران تراجعان اتفاق وقف إطلاق النار، وفقًا للتقارير

الإمارات تدين الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين التي تستهدف سفارتها في سوريا
