تقارب تاريخي بين كوريا الجنوبية واليابان
استضاف الرئيس الكوري الجنوبي رئيسة الوزراء اليابانية في قمة تاريخية تعكس تحسّن العلاقات بين البلدين. ناقشا التعاون في الطاقة وسلاسل الإمداد وسط ضغوط جيوسياسية، مع تحذيرات من قضايا تاريخية قد تندلع مجددًا. تفاصيل أكثر في وورلد برس عربي.





في لقاءٍ يعكس عمق التحوّل الذي طرأ على إحدى أكثر العلاقات توتّراً في آسيا، استضاف الرئيس الكوري الجنوبي Lee Jae Myung رئيسة الوزراء اليابانية Sanae Takaichi في مدينة أندونغ الجنوبية الشرقية، الثلاثاء، في إطار قمّتهما الرابعة خلال نحو ستّة أشهر. وتُعدّ أندونغ مسقط رأس الرئيس الكوري، وتشتهر بقريتها الشعبية التقليدية التي تعود إلى قرون مضت، والمُدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو.
وكان الزعيمان قد التقيا في يناير في مدينة نارا اليابانية القديمة، مسقط رأس Takaichi، ليُسجّلا بذلك سابقةً تاريخية: إذ لم يسبق لقائدَين من البلدين أن تبادلا زيارة مدينتَيهما الأصليتَين خلال توليّهما السلطة.
قال Lee في مؤتمرٍ صحفي مشترك عقب القمّة: "إنّ حدوث هذا التبادل المعنوي والتاريخي في غضون أربعة أشهر فحسب يدلّ على عمق الصداقة والروابط التي باتت تجمع كوريا واليابان اليوم."
حوافز التعاون: الحرب والطاقة والسلاسل التجارية
أكّد Lee أنّ التعاون الثنائي بات أكثر إلحاحاً من أيّ وقتٍ مضى، في ظلّ اضطراب سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة جرّاء الحرب في الشرق الأوسط. وأشارت Takaichi إلى أنّ البلدين ناقشا سُبُل استقرار إمدادات الطاقة والمعادن الحيوية، بما في ذلك ترتيبات المقايضة (Swap Arrangements) للنفط الخام ومنتجاته والغاز الطبيعي. وأعلن الزعيمان أيضاً أنّ محادثاتهما تناولت أهمية التعاون الثلاثي بين سيول وطوكيو وواشنطن.
علاقة تاريخية معقّدة
لا يمكن قراءة هذا التقارب بمعزلٍ عن السياق التاريخي الثقيل الذي يُلقي بظلاله على العلاقة بين البلدين. فكوريا الجنوبية واليابان حليفتان رئيسيتان للولايات المتحدة، غير أنّ علاقتهما شهدت تقلّباتٍ حادّة على مدى عقود، تغذّيها مظالم متجذّرة تعود إلى حقبة الاستعمار الياباني لشبه الجزيرة الكورية التي امتدّت خمسةً وثلاثين عاماً قبل نهاية الحرب العالمية الثانية.
بدأت العلاقات تتحسّن عام 2023 حين اتّخذ سلفا الزعيمَين الحاليَّين خطواتٍ للتجاوز عن النزاعات التاريخية وتعزيز التعاون الثنائي، مستندَين إلى تحدّياتٍ مشتركة كالتنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، وهشاشة سلاسل الإمداد، والترسانة النووية المتنامية لكوريا الشمالية.
حين تولّى Lee وTakaichi السلطة العام الماضي، ساد القلق في أوساط المراقبين؛ إذ عُرفت Takaichi بتوجّهاتها الأمنية اليمينية المتشدّدة، فيما خشي بعضهم أن يميل Lee، بوصفه ليبرالياً سياسياً، نحو كوريا الشمالية والصين على حساب العلاقة مع واشنطن وطوكيو. بيد أنّ الزعيمَين واصلا التعاون، بل وصل أحياناً إلى مستوياتٍ غير مسبوقة: ففي أغسطس، قبل شهرَين من تنصيب Takaichi، اختار Lee اليابانَ وجهةً أولى لقمّة ثنائية، في سابقةٍ لم يُقدم عليها أيّ زعيم كوري جنوبي من قبل. وفي ختام لقائهما بيناير، انضمّ الزعيمان إلى جلسة عزفٍ موسيقي أعدّتها Takaichi وهي عازفة طبول سابقة من أيّام الجامعة ومعجبة بالهيفي ميتال حيث قرعا الطبول على أنغام أغانٍ من K-pop، من بينها أغنية "Dynamite" لفرقة BTS.
ضغوط جيوسياسية مشتركة
يرى كثيرٌ من المحلّلين أنّ ما يدفع الزعيمَين نحو التقارب ليس فقط الانسجام الشخصي، بل حسابات جيوسياسية بالغة الدقّة. فكلا البلدين يواجهان تداعيات سياسة "أمريكا أولاً" التي ينتهجها الرئيس الأمريكي Donald Trump، وما تُلقيه من شكوكٍ على الضمانات الأمنية الأمريكية، فضلاً عن الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الحرب الإيرانية. وقد تعهّدت كوريا الجنوبية واليابان بضخّ مئات المليارات من الدولارات في الاقتصاد الأمريكي، لكنّ حرب الرسوم الجمركية التي يشنّها Trump ونهجه التعاملي في الأمن باتا يُهدّدان الثقة التي يكنّها كثيرٌ من الكوريين واليابانيين تجاه واشنطن.
قالت Choi Eunmi، الباحثة المتخصّصة في الشأن الياباني في معهد Asan للدراسات السياسية في سيول: "يُركّز البلدان على التعاون أكثر من انشغالهما بالملفّات الخلافية، وباتا يُدركان أنّ العلاقات الثنائية السلبية لن تُفيد أحداً."
استقرار هشّ
غير أنّ الخبراء يُحذّرون من أنّ هذا الاستقرار هشٌّ في جوهره. فملفّات من قبيل تجنيد اليابان قسراً للكوريين عمّالاً وعبيداً جنسيّين خلال الحقبة الاستعمارية لا تزال قابلةً للانفجار في أيّ لحظة، وإن كانت الحكومتان تتحاشيان الخوض فيها علناً في الوقت الراهن.
وختمت Choi بقولها: "لا يتحدّث أيٌّ من الطرفَين عن كيفية تسوية هذه النزاعات أو منع تكرارها، ولا نعلم متى قد تندلع من جديد."
أخبار ذات صلة

الحرب الإيرانية نزيد من مبيعات الطاقة الشمسية في آسيا

الهند وتركيا تُطبّعان علاقتهما بعد عام من التوتّر حول باكستان

أسواق آسيا تصعد في تداولات خفيفة بعطلة العيد، والنفط يستقرّ عند 111 دولاراً
