تجدد العلاقات التركية الهندية في ظل التوترات
في مؤتمر تركي-هندي، أعيدت العلاقات بين البلدين إلى الواجهة رغم التوترات السابقة. المسؤولون يؤكدون أهمية الحوار لتجاوز الخلافات، مع التركيز على تعزيز التعاون التجاري والثقافي. هل ستنجح هذه المحادثات في تحسين العلاقات؟

جمع خبراءَ ومسؤولين من البلدَين في أنقرة، في مؤتمرٍ تركي-هندي عُقد للمرة الأولى العام الماضي، وسادَ الأجواءَ تفاؤلٌ لافت.
استحضر المسؤولون الأتراك والهنود الذاكرةَ التاريخية المشتركة، مستعيدين دعمَ الهند للحرب التركية للاستقلال، ومشيرين إلى ألفاظٍ مشتركة بين اللغتَين، من بينها كلمة «هاوا» بمعنى الهواء، وكلمة «كِسمت» بمعنى القدر. وكان الهدف من المؤتمر إطلاقَ مرحلةٍ جديدة من العلاقات التركية-الهندية وتعزيزها.
فعلى الرغم من برودة العلاقات السياسية التي فرضتها توجّهات زعيمَي البلدَين إذ تربط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان علاقاتٌ وثيقة بالعالم الإسلامي وبباكستان، في حين يُعمّق رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي علاقاتِه مع إسرائيل فإنّ البلدَين بوصفهما اقتصادَين ناشئَين وقوّتَين صاعدتَين، واصلا توسيعَ تبادلهما التجاري الثنائي.
وأفادت التقارير بأنّ المؤتمر حقّق نجاحاً لافتاً، حتى إنّ مسؤولين باكستانيين أبدوا استياءهم لعدم إشراكهم فيه، وفق ما أكّدت مصادر متعدّدة.
غير أنّ الأمور تبدّلت جذرياً في غضون أشهرٍ قليلة. ففي أبريل من العام الماضي، أودى هجومٌ في كشمير بحياة 26 مدنياً، ما أشعل فتيلَ مواجهةٍ بين باكستان والهند، وأجبر أنقرة على الإعلان عن موقفها.
وحين أعلنت أنقرة دعمَها اللفظي لباكستان في مواجهة العملية الهندية «سيندور»، التي استهدفت مواقعَ يقال أنها مرتبطة بالجماعات المسلّحة المتورّطة في هجوم كشمير داخل باكستان وكشمير الخاضعة للإدارة الباكستانية، بدأت التوترات تتصاعد في الجانب الهندي. وراحت وسائل الإعلام الهندية تُصوّر تركيا على أنّها دولةٌ معادية، متّهمةً إيّاها بإمداد إسلام آباد بمعدّاتٍ عسكرية وتعزيزات.
في المقابل، أكّد المسؤولون الأتراك أنّهم لم يُرسلوا أيّ دعمٍ إضافي لباكستان، مستندين إلى أنّ الشراكة الدفاعية الراسخة بين البلدَين موثّقةٌ توثيقاً جيّداً، إذ تمتدّ لعقودٍ وتقوم على تحالفٍ استراتيجي متجذّر.
وقال مسؤولٌ تركي مطّلع على الملف: "لقد أُسيء تفسير التحرّكات الاعتيادية كزيارات الموانئ ورحلات الشحن الجوي، وجرى تصويرها على أنّها إمداداتٌ إضافية أو جديدة".
ودعت أنقرة إلى تحقيقٍ مشترك لتحديد ملابسات هجوم كشمير، مُعربةً في الوقت ذاته عن تضامنها مع باكستان.
«الحوار أجدى»
مع تصاعد التقارير المعادية لتركيا في الإعلام الهندي، انطلقت حملةُ مقاطعةٍ سياحية طالت المصالحَ التجارية التركية. وسحبت الهند التصريحَ الأمني الممنوح للشركة التركية Celebi Airport Services India، التي كانت تُدير عملياتٍ في تسعة مطاراتٍ هندية من بينها دلهي ومومباي وبنغالور، مستندةً إلى اعتباراتٍ تتعلّق بالأمن القومي. ثم أعلنت Air India عزمَها تقليص اعتمادها على شركة Turkish Technic في صيانة طائراتها العريضة الجسم.
وهكذا دخلت العلاقات بين البلدَين مرحلةَ تجميدٍ فعلي امتدّت قرابةَ عام.
ثم جاء التحوّل من الجانب الهندي.
الشهرَ الماضي، وجّهت الهند دعوةً مفاجئة لتركيا للمشاركة في الجولة الثانية عشرة من المشاورات الثنائية. وأوفدت أنقرة نائبةَ وزير الخارجية Berris Ekinci، التي ترأّست الاجتماعاتِ مشتركةً مع Sibi George، أمين وزارة الخارجية الهندية للشؤون الغربية.
وأفاد مسؤولون أتراك لموقع بأنّ الاجتماعات سارت على نحوٍ جيّد جداً، وأبدى الطرفان اهتماماً بصون قنوات الحوار وإبقائها مفتوحة.
وقال مسؤولٌ هندي: "قرّرنا إصلاح العلاقات الثنائية. نؤمن بأنّ الحوار أجدى من الصمت الذي يُعمّق الخلافات وسوءَ الفهم. وقد جاءت المحادثات مُرضيةً لكلا الطرفَين".
عُقدت الجولة الثانية عشرة من المشاورات الثنائية بين الهند وتركيا على مستوى وزارتَي الخارجية في نيودلهي في 8 أبريل 2026، برئاسةٍ مشتركة من أمين الوزارة للشؤون الغربية AmbSibiGeorge والسيدة Berris Ekinci، نائبة وزير الخارجية التركية.
ومن العوامل التي مهّدت الطريقَ أمام هذه المشاورات أنّ أنقرة آثرت العامَ الماضي عدمَ الردّ على التصريحات الاستفزازية لعددٍ من البرلمانيين الهنود، ولا على الإجراءاتِ العقابية التي اتّخذتها الحكومة في قطاعَي الطيران والسياحة.
وأوضح المسؤول التركي: "آثرنا عدمَ الردّ حرصاً على تهدئة الأوضاع، وتركنا الأمور تأخذ مجراها الطبيعي ريثما تتّضح فرصُ التعاون".
وبحسب إحصاءات وزارة الثقافة التركية، تراجع عدد السياح الهنود القادمين إلى تركيا الذين يُفضّل كثيرٌ منهم الاحتفالَ بأعراسهم وشهر العسل فيها من 330,000 إلى 250,000 سائحٍ في عام 2025، بانخفاضٍ بلغ نحو 25 بالمئة جرّاء حملة المقاطعة السياحية. بيد أنّ المسؤولين الهنود يتوقّعون أن تتعافى هذه الأرقام خلال العام الجاري مع انحسار التوترات.
الممرّات وكشمير
يؤكّد المسؤولون الهنود أنّه على الرغم من التداعيات الدبلوماسية، ظلّت الروابط التجارية بين البلدَين متينةً نسبياً.
فقد انخفض حجم التبادل التجاري الثنائي من 9 مليارات دولار إلى 7.5 مليارات دولار في عام 2025، بتراجعٍ نسبته 16.7 بالمئة وفق البيانات التركية. ولا يزال الميزان التجاري يميل لصالح الهند، إذ تستورد أنقرة بضائعَ هندية بقيمة 6 مليارات دولار، تشمل في معظمها المواد الخام والمنتجات الوسيطة كالمنسوجات والمواد الكيميائية ومكوّنات السيارات والآلات.
ويُعدّ التبادل التجاري أحدَ الدوافع الرئيسية التي تحثّ الهند على ترميم علاقاتها مع أنقرة.
ووفق مصادر في أنقرة، بدأت الهند أيضاً تُعيد تقييمَ خياراتها بجدّيةٍ أكبر في أعقاب الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران وما خلّفته من اختناقٍ في مضيق هرمز منذ أواخر فبراير الماضي.
وفي عام 2023، طرحت الهند مبادرةَ ممرّ الهند-الشرق الأوسط-أوروبا الاقتصادي (IMEC)، الذي يمرّ بحراً عبر الإمارات العربية المتحدة ثم براً عبر المملكة العربية السعودية والأردن وإسرائيل. وقد رأت أنقرة في هذا المشروع محاولةً لتهميش تركيا، فأيّدت بدلاً منه مقترحاً عراقياً منافساً.
ومنذ عام 2023، يتعثّر مشروع IMEC في ظلّ التوترات المتصاعدة بين الإمارات والمملكة العربية السعودية، لا سيّما على خلفية الملف اليمني العام الماضي. كما بقيت صفقةُ التطبيع المرتقبة بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية مجمّدةً في ظلّ الحرب على غزة والتوترات الإقليمية المتشعّبة.
في غضون ذلك، رسّخت تركيا حضورَها بوصفها ركيزةً محوريةً في «الممرّ الأوسط» (Middle Corridor) الرابط بين شرق آسيا وأوروبا عبر أذربيجان وجورجيا وأرمينيا.
وتحدث مسؤولون هنود عن اهتمامهم بمشاريع الربط الجديدة، ومن بينها الممرّ الأوسط، حرصاً على عدم الاعتماد على ممرٍّ واحد.
ويبقى ملفّ كشمير من أكثر القضايا تعقيداً في العلاقات بين البلدَين. فتركيا تؤيّد الموقفَ الباكستاني القائل بأنّ الهند تبسط سيطرتها بصورةٍ غير مشروعة على الإقليم ذي الأغلبية المسلمة، وأنّ الكشميريين يستحقّون تقرير مصيرهم عبر استفتاء شعبي.
وعلى الرغم من أنّ تركيا تُعلن دعمَها لباكستان في قضية كشمير على كلّ المنابر الدولية، فإنّ أردوغان أغفل الإشارةَ إليها في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2024، في ما بدا إيماءةً دبلوماسية نحو الهند.
غير أنّ القضية عادت لتحتلّ مكانها في خطابه عقب أزمة العام الماضي، إذ قال خلال الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة: "نؤيّد حلَّ قضية كشمير عبر الحوار، استناداً إلى قرارات مجلس الأمن الدولي وتطلّعات إخواننا وأخواتنا الكشميريين".
ويرى المسؤولون الهنود أنّ تليينَ تركيا لموقفها العلني من هذه القضية واعتمادَ نهجٍ أكثر دقّةً ومرونةً دبلوماسيةً من شأنه أن يُسهم في تعزيز العلاقات بين البلدَين وترسيخها.
وأشار المسؤول الهندي إلى أنّ الطرفَين يُقيّمان حالياً خياراتِهما لإجراء زياراتٍ على مستوياتٍ أرفع.
أخبار ذات صلة

باكستان تخفف القيود التنظيمية لتعزيز صادرات الغذاء إلى إيران

كيف وضعت باكستان نفسها في مركز إدارة الأزمات العالمية

مراجعة الصحافة الإيرانية: تقارير عن قناة خلفية أمريكية إلى غاليباف تسبب ردود فعل سلبية في طهران
