اكتشاف معبد مارس في غابات حصن كابرسبورغ الروماني
اكتشاف معبد للإله مارس في غابات هيسن الألمانية يكشف أسرار الحياة الدينية والعسكرية على حدود الإمبراطورية الرومانية. اكتشف تفاصيل مذهلة عن طقوس ونمط حياة الحامية الرومانية في موقع محفوظ نادر من القرن الثالث مع وورلد برس عربي.

في غابات جبال تاونوس بولاية هيسن الألمانية، وعلى عمقٍ لا يتجاوز بضعة سنتيمترات تحت أرضية الغابة، عثر فريقٌ من علماء الآثار على معبدٍ مخصّص للإله مارس، إله الحرب عند الرومان، إلى جانب مجموعة من اللقى الدينية وآثار نشاطٍ حِرفي كانت تدور رحاه قرب أحد أهمّ خطوط الدفاع الرومانية في أوروبا. الاكتشاف، الذي أعلنته هيئة آثار هيسن (Hessen Archaeology) في بيانٍ مترجَم صدر في 25 سبتمبر، يفتح نافذةً نادرة على المعتقدات الدينية وأنماط الحياة اليومية التي سادت قرب حدود الإمبراطورية الرومانية في القرن الثالث الميلادي.
ماذا وجد الفريق داخل المعبد؟
يقع الموقع ضمن حصن كابرسبورغ (Kapersburg) الروماني، على بُعد نحو 16 ميلاً (26 كيلومتراً) شمال مدينة فرانكفورت. وبحسب عالم الآثار كاي موكنبرغر (Kai Mückenberger) من هيئة آثار هيسن، فإنّ "داخل المعبد، عثرنا على عدّة شظايا من نقشٍ تكريسي"، وقد تمكّن الخبراء من ترجمة جزءٍ من هذا النقش الذي يُثبت أنّ المعبد كُرِّس تحديداً للإله مارس.
ولم يتوقّف الاكتشاف عند النقش وحده، إذ يضيف موكنبرغر: "لدينا أيضاً بقايا تمثالٍ لمارس"، وهو ما يعزّز الدلالة الدينية للموقع. كما كشفت الحفريات عن تمثالٍ صغير يصوّر شخصيةً مجنّحة، يُرجَّح أنها تمثّل فيكتوريا (Victoria)، تجسيد النصر عند الرومان، ويصفها موكنبرغر بأنها "شخصية مجنّحة تحمل غصن نخيلٍ وإكليل غار" رمزان تقليديان للانتصار العسكري، ما يشير إلى أنّ الطقوس في هذا المعبد كانت مرتبطة بشكلٍ مباشر بالحياة العسكرية للحامية المرابطة هناك.
حصنٌ على حدود الإمبراطورية منذ القرن الثاني
يعود بناء حصن كابرسبورغ إلى أوائل القرن الثاني الميلادي، ويُرجَّح أنه أُقيم في عهد الإمبراطور تراجان (Trajan)، الذي حكم بين عامَي 98 و117 ميلادية، أو خلفه الإمبراطور هادريان (Hadrian) الذي امتدّ حكمه من عام 117 إلى 138 ميلادية، والمعروف بتوسيع الإمبراطورية نحو شمال إنجلترا وبنائه سور هادريان الشهير. وقد استخدمت وحدة من الجنود والفرسان الرومان هذا الحصن لنحو قرنٍ ونصف القرن، قبل أن ينتهي استخدامه حوالي عام 275 ميلادية.
أما المعبد المكتَشف حديثاً، فينتمي إلى مستوطنةٍ عسكرية أُقيمت في القرن الثالث كجزءٍ من خطّ الدفاع الروماني في مواجهة القبائل الجرمانية. ويندرج هذا الحصن ضمن منظومةٍ أوسع، إذ بنت القوات الرومانية آلاف الحصون عبر أوروبا وشمال أفريقيا وغرب آسيا، وكان مُعظمها محاطاً بمستوطناتٍ مدنية ملحقة تُعرف باسم "فيكي" (vici)، يقطنها بصورةٍ رئيسية التجّار والعائلات وغيرهم من المدنيين.
وتجدر الإشارة إلى أنّ البُنى الدفاعية لحصن كابرسبورغ وبعض أسواره ظلّت ظاهرةً للعيان منذ العصور القديمة، وأنّ أوّل تنقيبٍ أثري في الموقع جرى قرب مطلع القرن العشرين. غير أنّ المستوطنة المدنية الملحقة به ظلّت شبه مجهولة حتى بدأت أعمال التنقيب المنهجية فيها عام 2024.
لماذا تُعدّ هذه الطبقات الأثرية استثنائية؟
ما يلفت انتباه الباحثين ليس فقط محتوى الاكتشافات، بل حالة حفظها. تبدأ الطبقات الأثرية مباشرةً تحت أرضية الغابة، وتتضمّن موادّ محروقة نادراً ما تصمد في المناطق الزراعية بسبب الحراثة المتكرّرة وتعرية التربة. ويصف موكنبرغر هذا الأمر بقوله: "المدهش هو الحفظ البديع للطبقات الأثرية التي تبدأ مباشرةً تحت أرضية الغابة"، مضيفاً أنّ هذا "عمليةٌ تعليمية مذهلة ومكسبٌ معرفي بالنسبة لنا".
هذا النوع من الحفظ يمنح الباحثين فرصةً نادرة لدراسة تفاصيل الحياة اليومية في المستوطنة بدقّةٍ يصعب الحصول عليها عادةً من مواقع أثرية تعرّضت لاضطرابٍ زراعي طويل الأمد وهي ميزةٌ منهجية تضاعف القيمة العلمية لموقع كابرسبورغ مقارنةً بمواقع رومانية أخرى في المنطقة.
ماذا يكشف غياب المنازل عن طبيعة المستوطنة؟
فاجأ الفريق أيضاً عدد المنازل المكتشفة في المستوطنة المدنية (الفيكوس)، إذ كان أقلّ من المتوقّع. في المقابل، عثر الباحثون على حُفَرٍ خاصة بالحدادة، وأفران لتجفيف القمح وخَبز الخبز. ويفسّر موكنبرغر هذا المزيج من المعطيات قائلاً: "هذه كلّها عناصر تقنية مرتبطة بخدماتٍ محلية، ما يشير إلى أننا في نوعٍ من منطقةٍ وسيطة لا تلاصق الحصن نفسه مباشرةً، لكنها ربما أشبه بمنطقة الحِرف التابعة للحصن".
بعبارةٍ أخرى، لا يبدو أنّ هذا الجزء من الموقع كان حيّاً سكنياً تقليدياً بقدر ما كان منطقةً وظيفية لخدمة احتياجات الحامية العسكرية من معادن وخبزٍ وموادّ غذائية أساسية وهو نمطٌ يضيء جانباً أقلّ توثيقاً من الاقتصاد العسكري على حدود الإمبراطورية.
و وفق البيان الصادر عن هيئة آثار هسن، فإنّ هذه المكتشفات تمنح علماء الآثار رؤية جديدة حول المعتقدات الدينية الرومانية على حدود الإمبراطورية. ويُعرف أنّ الرومان، في مرحلةٍ لاحقة، سوّوا المعسكر بالأرض واستبدلوه بمبانٍ سكنية، في إشارةٍ إلى تحوّل وظيفي للموقع مع تراجع الحاجة العسكرية إليه.
يخطّط فريق موكنبرغر لمواصلة التنقيب في الموقع العام المقبل، على أمل الكشف عن مزيدٍ من التفاصيل حول طبيعة الحياة اليومية في هذه المستوطنة الحدودية، وعن حدود "المنطقة الوسيطة" التي لا تزال ملامحها الدقيقة قيد التحديد. فكلّ طبقة جديدة تُكشَف تحت أرضية هذه الغابة قد تعيد ترتيب ما نعرفه عن كيفية تنظيم الرومان لحياتهم الدينية والاقتصادية على أطراف إمبراطوريةٍ امتدّت من شمال أفريقيا إلى شمال أوروبا.
أخبار ذات صلة

كواكب غريبة: علماء يكتشفون "جواهر" في غلاف كوكب "الإسفنج" الملتهب

الراديو الفينيقي: رصدٌ فلكي يتجاوز منطقة العمى الكوني

نكهة النيوترينوات تحدّد مصير النجم الضخم
