ارتفاع أسعار الغذاء يغير عادات التسوق الأمريكية اليومية
ارتفاع قياسي في أسعار الغذاء بأمريكا يغير عادات التسوق ويجعل اللحم البقري ترفاً. ملايين الأمريكيين يبحثون عن العروض والكوبونات لتخفيف العبء المالي وسط تضخم غذائي غير مسبوق تابع التفاصيل على وورلد برس عربي.





أصبح السؤال اليومي «ماذا نأكل الليلة؟» سؤالاً اقتصادياً بامتياز في الولايات المتحدة. بالنسبة لـ Apral Jack، باتت الإجابة بسيطة: ما هو معروض بسعرٍ مخفَّض.
قبل أن تتوجّه إلى السوق، تفتح Jack تطبيقاً على هاتفها لتتصفّح العروض في المتجر القريب من منزلها. وحين تصل، تمسك بالنشرة الأسبوعية بحثاً عن كوبونات ربما أغفلتها. وإن بدت أسعار الرفوف مرتفعةً أكثر من اللازم، شطبت بعض المنتجات من قائمتها أو انطلقت إلى متجرٍ آخر.
تقول Jack، البالغة من العمر 50 عاماً، وهي تدفع عربة التسوّق داخل متجر Stop & Shop قرب منزلها في Lexington بولاية Massachusetts: «ارتفع سعر التفاح هنا، التفاح الذي أشتريه دائماً، فلن أشتريه من هنا بعد الآن. سأذهب إلى Market Basket حيث يكون أرخص».
عادات جديدة في مواجهة أسعارٍ قياسية
البحث عن الكوبونات، والمقارنة بين المتاجر، والاستغناء عن الأطعمة المفضّلة كلّها عاداتٌ جديدة لـ Jack وملايين الأمريكيّين الآخرين، في مواجهة أكبر ارتفاعٍ في أسعار المواد الغذائية منذ نصف قرن. فقد ارتفعت تكلفة الغذاء المنزلي في المدن الأمريكية بنسبة 33% منذ مطلع عام 2019، وفق أرقام حكومية رسمية. وللمقارنة، لم ترتفع الأسعار سوى 6.4% في السنوات السبع ونصف التي سبقت ذلك.
وقد تضافرت عوامل عديدة في صنع هذه القفزة التاريخية: اضطربت سلاسل الإمداد جرّاء جائحة كوفيد-19، وارتفعت تكاليف العمالة والنقل. وأسهمت موجات الجفاف والأعاصير والأمراض كإنفلونزا الطيور في خفض الإنتاج. ورفعت الرسوم الجمركية أسعار منتجاتٍ مستوردة كالقهوة والطماطم والشوكولاتة. وأخلّت الحرب الروسية المستمرة في أوكرانيا بإمدادات النفط والأسمدة. ثمّ جاء الصراع في الشرق الأوسط ليُعجِّل من وتيرة التضخّم الغذائي مجدّداً هذا العام، فغدت القدرة الشرائية للأسرة الأمريكية قضيةً محوريةً في الانتخابات النصفية.
الأجور ترتفع، لكن الضغط لا يتراجع
ثمّة بعض المؤشّرات الإيجابية، وإن كانت محدودة: فقد ارتفعت متوسّطات الأجور الأسبوعية للعمّال بدوام كامل بوتيرةٍ أسرع قليلاً من أسعار المواد الغذائية منذ 2019، وفق بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي.
غير أنّ Jared Bernstein، الباحث الأوّل في السياسات بـ Stanford Institute for Economic Policy، يُحذّر من الاطمئنان إلى هذه الأرقام. يقول Bernstein، الذي شغل منصب رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديّين في عهد الرئيس السابق Joe Biden: «الناس يعرفون أسعار الغذاء جيّداً، تماماً كما يعرفون أسعار الوقود، بل ربّما أكثر. الغذاء ضرورةٌ للحياة».
ويُضيف أنّ الأجور كانت ترتفع قبل الجائحة بوتيرةٍ أسرع بكثير من أسعار المواد الغذائية. وحتّى لو كانت رواتب العمّال لا تزال تتفوّق على فاتورة السوق بهامشٍ ضيّق، فإنّ المستهلكين يشعرون بالضغط لأنّ تكاليف أخرى كالإيجار والكهرباء قفزت هي الأخرى بشكلٍ لافت.
والأرقام الكلّية لا تحكي القصة كاملةً. فالأمريكيّون أنفقوا في المتوسّط 12.9% من دخولهم قبل الضريبة على الطعام خارج المنزل وداخله عام 2024، لكنّ هذه النسبة ترتفع إلى 33% لدى الخُمس الأدنى دخلاً من الأسر الأمريكية، وفق وزارة الزراعة الأمريكية. والفارق هنا ليس مجرّد رقمٍ إحصائي، بل هو الفرق بين عائلةٍ تأكل ثلاث وجباتٍ يومياً وأخرى تكتفي بوجبة.
وتتباين الأسعار تبايناً واضحاً بين المناطق؛ ففي St. Louis ارتفعت أسعار الغذاء المنزلي 2% في يونيو مقارنةً بالعام السابق، في حين بلغت الزيادة 6% في San Francisco، وفق مؤشّر أسعار المستهلك.
تقول Sally Lyons Wyatt، نائبة الرئيس التنفيذي العالمي في شركة أبحاث السوق Circana: «باتت الأمر أشبه باستراتيجية منزلية متكاملة؛ الضغط المالي لم يختفِ، فصار المستهلكون يُطوّرون خطّتهم الخاصة للتعامل مع الواقع».
اللحم البقري ترفٌ في ولاية تكساس، أكبر منتجٍ للبقر في أمريكا
اللحم البقري بات يُجسّد الغلاء الجامح في نظر كثيرٍ من الأمريكيّين. فقد بلغ سعر الرطل (الباوند) من اللحم المفروم 6.82 دولاراً في يونيو، بارتفاعٍ نسبته 79% عن مستوياته في مطلع 2019، وفق بيانات مكتب إحصاءات العمل. وتتضافر في ذلك عوامل عدّة: تراجع أعداد الماشية الأمريكية، والجفاف في الغرب، وارتفاع تكاليف الأعلاف والوقود.
Ada Torres، 60 عاماً، واحدةٌ ممّن توقّفوا عن شراء اللحم المفروم. تقول هذه الجدّة التي تعيش مع ابنتها البالغة وثلاثة أحفاد في Cleveland بولاية Texas، على بُعد 45 ميلاً شمال شرق Houston: «الأسعار وصلت إلى عنان السماء. مئة دولار لا تكفي لشيء في الوقت الحالي. ربّما تعود بسبعة أصناف عائلية، إن وجدت عرضاً جيّداً».
مع خمسة أرطال من اللحم المفروم بما يقارب 20 دولاراً، أصبح اللحم ترفاً لا تستطيع عائلتها المؤلّفة من خمسة أفراد تحمّله. تحاول Torres خفض التكاليف بالتحوّل من علب الفاصوليا Goya وصلصة الطماطم Hunt's إلى منتجات Great Value التابعة لـ Walmart. وصار الدجاج ولحوم الدلاّيات (الديلي) المصدرَ الرئيسي للبروتين الحيواني في المنزل.
لكنّها تقلق على صحّة أحفادها الثلاثة، أعمارهم 12 و15 و16 عاماً، من الإفراط في لحوم الدلاّيات. يشتاقون إلى أطباق اللحم التي كانت ثوابت على مائدتهم: اللازانيا باللحم المفروم، والفاهيتا البقرية، والستيك مع رقائق الموز. وحين يخفّ عمل ابنتها في خدمة غسيل السيارات المتنقّلة خلال موسم الأمطار، لا تستطيع الأسرة سوى تحمّل وجبةٍ كاملة واحدة في اليوم، ويقتصر الفطور والعشاء على البيض وحبوب الإفطار الاقتصادية.
التسوّق قرب Boston: تطبيقات ومتاجر متعدّدة ووصفات الدجاج
كانت Apral Jack تتسوّق من Whole Foods حتى وقتٍ قريب. لكنّها باتت أكثر تحفّظاً في إنفاقها. تشتري الستيك فقط حين يكون بسعرٍ مخفَّض. وتبدأ تخطيطها الأسبوعي للوجبات من المنزل، عبر تطبيقٍ يعرض العروض الخاصة والكوبونات الرقمية، وتبني قائمة مشترياتها حول ما هو في التخفيض.
تقول: «عادةً أختار الوجبات بناءً على ذلك. مثلاً، فاهيتا الدجاج: كان هناك عرضٌ على الدجاج لثلاثة أيام. سأقلي الدجاج مع الخضار والأرز».
وقلّصت قائمتها من المعلّبات، وأزالت منها Ginger Snaps وNilla Wafers من Nabisco لأنّها ترى أسعارها مبالغاً فيها. ولا تلجأ إلى بدائل العلامات التجارية للمتاجر؛ فهي لا تجد فيها الطعم ذاته.
يُفسّر Matt Hamory، المسؤول عن ممارسات البقالة العالمية في شركة الاستشارات AlixPartners، هذا السلوك بقوله: «المستهلك لديه مبلغٌ محدّد مرتاحٌ لإنفاقه أسبوعياً على الطعام. إن انخفضت الأسعار، قد يذهب إلى متجرٍ أغلى أو يدلّل نفسه ببعض الكماليات. أمّا إن بدت الأسعار مجحفةً أو كان المشهد الاقتصادي ضبابياً، فسيبحث عن بدائل أرخص أو سيقلّص مشترياته». ويُضيف: «إن كنت أنفق 250 دولاراً أسبوعياً، وبات Stop & Shop أغلى، فسأبدأ بتوزيع تسوّقي بين متاجر أرخص، وربّما أتخلّى عن Stop & Shop كلياً في نهاية المطاف».
ثلاثة أجيالٍ تتشارك المعلّبات والبيض في San Francisco
تشتهر San Francisco بأنّها مدينةٌ للذوّاقة ومحبّي الطعام الراقي. لكنّ الطعام يشغل تفكير Jack Chang، 33 عاماً، لأسبابٍ مختلفة تماماً. هذا الحلّاق المستقلّ يعول ثلاثة أطفالٍ صغار وشريكةً عاطلة عن العمل، وما يكسبه من قصّ الشعر خمسة أو ستة أيام في الأسبوع لا يكفي دائماً.
يقول Chang: «لديّ خمسة أفواهٍ أطعمها في الأساس، وأحياناً والدتي أيضاً، فالعبء المالي كبيرٌ عليّ».
لا يتردّد هذا الأب على مقاهي مشروبات البوبا أو محلّات الآيسكريم الحرفي التي تعجّ بها San Francisco. يأخذ أطفاله إلى مركز الترفيه الياباني Round 1 Bowling & Arcade حيث يبلغ ثمن قمع الآيسكريم دولاراً واحداً.
شعر Chang بوطأة الأعباء المتراكمة خلال العام الماضي. ارتفع إيجار صالون الحلاقة 10% في الوقت الذي كان يخسر فيه عملاءً أُحيلوا إلى التسريح من وظائفهم في قطاع التكنولوجيا. واشترى حافلةً صغيرة مستعملة، فأضاف إلى نفقاته قسطاً شهرياً.
يقول بصراحة: «أنظر إلى بطاقة الائتمان كلّ شهر وأقول: كيف سأسدّد هذا؟ أنا متأخّر قليلاً في بعض الفواتير، صراحةً».
يحاول Chang وشريكته Tina Chhous التوفير بشراء المنتجات الاقتصادية غير الماركة في الطعام والدواء. يشتريان الحليب العضوي، لكنّهما يتمسّكان بالمنتجات التقليدية في بقيّة المشتريات. وحين يتبقّى في روضة ابنتهما البالغة 4 أعوام طعامٌ من الغداء كاللحم أو الخبز، تعرض Chhous أخذه. كما تتلقّى مساعدةً غذائية شهرية من برنامج SNAP الفيدرالي (برنامج المساعدة التغذوية التكميلية).
يقول Chang: «لولا ذلك، لا أعرف كيف كنت سأتدبّر أمري».
وقد تقلّص عدد المستفيدين من هذا البرنامج بعد أن شدّدت إدارة Trump شروط الأهلية للالتحاق به. ففي أبريل الماضي، كان 37 مليون أمريكي مسجّلاً في البرنامج، بانخفاضٍ نسبته 12% مقارنةً بالعام السابق، وفق وزارة الزراعة الأمريكية.
أمّا والدة Chang، Lien، البالغة 77 عاماً، فتتلقّى هي الأخرى مساعدات SNAP، وتزور بنكَين للطعام أسبوعياً، وتُشارك ما تحصل عليه من معلّباتٍ وبيضٍ وخضروات مع بقيّة الأسرة.
يُحبّ Chang الاعتناء بأطفاله، ويُقرّ بأنّ الأمر كان أيسر ماليّاً لو كان أعزب. لكنّه يقول: «أحاول أن أكون متفائلاً وأن أفعل ما يجب فعله لأُعيل عائلتي. الفشل ليس خياراً بالنسبة لي».
في Hawaii: طاهية المعجنات تودّع المنتجات المحلية
تأتي فواتير البقالة المرتفعة جزءاً لا يتجزّأ من الحياة في Hawaii، إذ تعتمد الولاية على السفن لاستيراد ما يقارب كامل احتياجاتها الغذائية من مسافاتٍ بعيدة، ما يجعل أسعارها عرضةً لتقلّبات أسواق النفط. وقد شهدت تكاليف الشحن بين الجزر ارتفاعاً حادّاً هذا العام، مدفوعةً بأسعار الوقود المرتبطة بالتوتّرات المتعلّقة بإيران، وبالاضطرابات المالية في شركة الشحن التي تكاد تحتكر هذا المسار.
Amanda Tabadero، 28 عاماً، طاهية معجنات من Kāneʻohe في جزيرة Oahu، تتذكّر حين كانت تشتري الفراولة والتوت الأزرق المزروعَين في Maui بـ 7.99 دولارات للرطل عام 2024. اليوم وصل سعرهما إلى 11 دولاراً، فتحوّلت إلى شراء التوت المزروع في California أو المكسيك من Costco بـ 5 دولارات حين تحتاج كمياتٍ كبيرة للخبز.
وتقول إنّها لن تشتري فاكهة اللّيتشي قريباً. فقد بلغ ثمن قهوةٍ مثلّجة وكيسٍ من اللّيتشي اشترتهما في حيّ Chinatown في Honolulu 30 دولاراً. تقول بحسرة: «هذا يُحزنني. أريد استخدام المنتجات المحلية».
ومن حلوياتها المفضّلة Butter Mochi، وهو حلوى لزجة تُصنع من دقيق الأرز. لكنّ حتّى هذه الوصفة البسيطة باتت أصعب؛ إذ وصل سعر الحليب إلى 9 دولارات للغالون في سلسلة Foodland المحلية. تقول Tabadero: «Foodland لم تعد في متناول السكّان المحليّين»، وقد تحوّلت إلى التسوّق من Target أو Times Supermarket.
في المنزل الذي تتقاسمه مع والدَيها وشقيقتها الصغيرة وثلاثة قطط وكلب، استلزم تحضير العشاء تعديلاتٍ مستمرة. فقد قفز سعر قطعة Chuck Roast المستخدمة في حساء اللحم البقري الهاوايي الشهير إلى نحو 10 دولارات للرطل من 7.99 دولاراً أو أقلّ قبل الجائحة. وما لم تظفر بعرض الجمعة الخاص في Safeway بـ 5 دولارات، فإنّها تضطرّ إلى إيجاد بدائل حتّى حين يشتهيه أحد أفراد الأسرة.
أخبار ذات صلة

بنوك إسرائيلية تعتزم قطع علاقاتها المالية مع البنوك الفلسطينية مما يثير مخاوف بشأن المدفوعات

أوروبا تُبقي أسعار الفائدة على حالها رغم تذبذب أسعار النفط

موجة من المقترضين تدخل التخلف عن السداد بعد انتهاء حماية جائحة كورونا
