وداع السيناتور غراهام بين الحقيقة والأسطورة السياسية
وداع السيناتور ليندسي غراهام يكشف تناقضات الخطاب الأمريكي بين تمجيد شخصيته ودوره في دعم الحروب والتدخلات العسكرية التي أودت بحياة الكثيرين. قراءة نقدية تسلط الضوء على الاستثنائية الأمريكية في وورلد برس عربي.

مات السيناتور الجمهوري Lindsey Graham هذا الشهر، فأُسبغت عليه في وسائل الإعلام الأمريكية السائدة صفاتٌ مألوفة: رجلٌ بسيط يُحبّه الجميع، ذو روح مرحة، يؤمن بقدرة أمريكا على صنع الخير في العالم. هذه الرواية، بقدر ما هي متوقّعة، تكشف عن آليةٍ راسخة في الخطاب السياسي الأمريكي: إعادة تدوير أسطورة الاستثنائية الأمريكية عند كل رحيل، بصرف النظر عن السجلّ الفعلي للراحل.
قال الرئيس Donald Trump في بيانه الرسمي إنّ Graham كان يتعامل مع الجميع بودٍّ، رغم ما عُرف عنهما من خلافات حادّة في مراحل سابقة. وقال زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ John Thune إنّ Graham كان يؤمن «بقوّة أمريكا لتحقيق الخير في العالم». غير أنّ هذه الصورة الدافئة تبتعد كثيراً عن الدور الفعلي الذي اضطلع به Graham بوصفه ترساً أساسياً في آلة المجمّع الصناعي العسكري، تلك الآلة التي تُنتج المعاناة والموت عبر الحملات الإمبريالية الأمريكية حول العالم.
وقد جاءت ردود الفعل على الجانبين متطابقةً في جوهرها، وهو ما يعكس ثنائية قطبية تدفع بميزانيات وزارة الدفاع إلى الأمام، وتُبقي على دعم التدخّلات العسكرية الأمريكية وعمليات تغيير الأنظمة حول العالم دون أن تربط يوماً هذه السياسات بتداعياتها على الشعوب الأقلّ قوّةً والأكثر تضرّراً.
فمن الديمقراطيين، كتب السيناتور Mark Warner أنّه «مكلومٌ»، فيما أشاد Adam Schiff بـ«روح Graham الفكاهية»، وأبدت Amy Klobuchar إعجابها بـ«حبّه للعالم والبهجة الخالصة التي أضفاها على الحياة»، بينما لاحظت Elizabeth Warren: «رغم اختلافنا في كثير من المسائل، كان دائماً مستعداً للتفاوض بروحٍ من الفكاهة والذكاء».
أمّا في الجانب اليساري، فلم يكن الجميع بهذه الحماسة. كتب Brandon Friedman، المحارب العراقي القديم، رداً على منشور Schiff: «ما سيبقى في ذاكرتي عن السيناتور Graham هو كيف أرسل أصدقائي إلى الموت في حربٍ لا مسوّغ لها في العراق».
وفي تعليقٍ لاذع، كتب المستشار السياسي Jamison Foser: «أنا حزينٌ جداً لفقدان صديقي العزيز الشيطان، أمير الكذب. رغم خلافاتنا المتكرّرة حول الدور المناسب للتعذيب في الحياة الأخرى، سأتذكّر دائماً كيف كانت روحه المرحة وطبيعته الودودة تجعل جولات الغولف الأسبوعية طقساً لا غنى عنه. سيُفتقد».
«مع إسرائيل حتى آخر نَفَس»
في الأيام الأخيرة التي سبقت وفاته، انقلب عليه بعض المعلّقين المحافظين والمقرّبين من تيار MAGA، ولا سيّما بعد أن صرّح بابتهاجٍ واضح إزاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران: «أنا مع إسرائيل. سأكون مع إسرائيل حتى آخر نَفَس... سأعود إلى ساوث كارولاينا وأطلب من أبنائها وبناتها التوجّه إلى الشرق الأوسط».
ردّت عليه المذيعة Megyn Kelly على منصّة X (تويتر سابقاً): «المشكلة في Graham ليست فقط أنّه مجنونٌ دمويّ، بل أنّ Trump يُحبّه ويُصغي إليه، وقناته المفضّلة تُعرضه في كل برنامج».
وقد أدلى رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu والرئيس الأوكراني Volodymyr Zelensky بتعازيهما، وهو أمرٌ مفهوم؛ إذ كان Graham من أشدّ المؤيّدين لـدعم أوكرانيا حتى آخر أوكراني، فيما كان يحثّ إسرائيل على استخدام الأسلحة النووية ضدّ من يقاومون إرهابها الإبادي. نشر Netanyahu: «سارة وأنا نتقاسم مع الشعب الأمريكي حزنه على فقدان صديقنا العزيز»، فيما وصفه Zelensky بأنّه «مدافعٌ حقيقي عن الحرية والقيم التي تجعل عالمنا أكثر أماناً».
في الإعلام الأمريكي السائد، لا تُطرح الأسئلة البديهية أبداً: أماناً لمن؟ للأفغان، والعراقيين، والليبيين، والفلسطينيين، واللبنانيين، والإيرانيين وهم جزءٌ فقط من الشعوب التي تلقّت الضربات العسكرية الأمريكية التي دافع عنها Graham بلا كلل؟ وعلى حياة مَن بالضبط، كما قالت Klobuchar، أضفى هذا البهجة؟
في تصريحه الشهير على برنامج «Meet the Press» في مايو 2024، خلال نقاشٍ حول الخطوط الحمراء المزعومة في رفح بغزة، أطلق Graham العنان لخطابٍ يستحضر شخصية «Dr. Strangelove»، وكاد يُسكت المذيعة Kristen Welker تماماً وهو يواصل حديثه:
«حين واجهنا الدمار بعد بيرل هاربر وكنّا نحارب الألمان واليابانيين، قرّرنا إنهاء الحرب بقصف هيروشيما وناغازاكي بالأسلحة النووية. كان ذلك القرار الصحيح. أعطوا إسرائيل القنابل التي تحتاجها لإنهاء الحرب التي لا تستطيع خسارتها، واعملوا معها على تقليل الضحايا... لماذا كان مقبولاً أن تُلقي أمريكا قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناغازاكي لإنهاء تهديدٍ وجودي؟ اعتقدتُ أنّ ذلك كان صحيحاً. لإسرائيل: افعلوا ما يلزم للبقاء دولةً يهودية».
التحالف المشبوه
طوال مسيرته في مجلس الشيوخ، لم يلتقِ Graham بتدخّلٍ عسكري إلا وأيّده. وفي خضمّ الحملة لتغيير النظام في إيران، قال بصراحةٍ لا تخلو من ابتهاج: «سنجني أموالاً طائلة».
في مستنقع السياسة الأمريكية حيث تُحدّد أموال الحملات الانتخابية وضغوط جماعات المصالح مسار القرارات، كان Graham بارعاً في استقطاب التمويل الكبير. فبينما كانت منظّمة Aipac وغيرها من مؤيّدي إسرائيل تُشكّل الحصّة الأكبر من تمويله، كان يحصل أيضاً على دعمٍ من متبرّعين مرتبطين بعمالقة صناعة الدفاع العالمية Boeing وLockheed Martin وRaytheon، إلى جانب شركاتٍ أخرى في صناعة الحرب. أمّا النتيجة النهائية لهذه الحملات — تدمير الدول وإبادة الملايين — فنادراً ما يُشار إليها.
كتب الصحفي Ahmed Asmar في «Middle East Monitor»: «هذه العلاقة الشيطانية بين تجّار الموت وحلفائهم التشريعيين هي التي أجّجت الحروب الأمريكية في العقدين الماضيين، في العراق وسوريا وأوكرانيا، وصولاً إلى الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة والحرب الأمريكية الإسرائيلية الجارية على إيران».
وأضاف: «يمثّل Lindsey Graham النموذج الأمثل لسياسي هذا التحالف المشبوه — سياسيٌّ تُقدّم كلماته وأصواته باستمرار أرباح صناعة الحرب والطموحات التوسّعية لدولةٍ أجنبية (إسرائيل) على حساب رفاه الشعب الأمريكي الذي يموّل كلّ ذلك من أموال ضرائبه».
وفي حين تتداول بعض الأوساط تكهّناتٍ حول ملابسات وفاة Graham، لا سيّما أنّه كان قد عاد للتوّ من زيارة مصنع طائرات مسيّرة في أوكرانيا، فقد لخّص المعلّق Pepe Escobar المشهد بأسلوبه المعهود: «سواءٌ أصيب هذا الحشرة المحرّضة على الحرب بـ«مرضٍ مفاجئ» أم تلقّى بطاقة عمل صاروخية، فذلك لا يهمّ. المشكلة أنّ كلّ الأهوال التي جسّدها لا تزال قائمة».
وإحدى هذه الأهوال هي المنظومة السياسية التي كان Graham ركيزةً أساسية فيها. هذه المنظومة لا تزال قائمةً بدورها رغم ما تلوح في الأفق من مؤشّرات على تصدّعها.
أخبار ذات صلة

لوكسمبرغ تُنهي دعمها لسندات الحرب الإسرائيلية

الطلب على المعادن الحيوية يغذي الصراعات لكنه قد يساعد الدول الغنية بالموارد

تركيا: حزب المعارضة الجديد بين التهديد والفرصة لأردوغان
