الثقوب السوداء المرتدة تكشف أسرار اندماج المجرات
كشف بحث جديد في وورلد برس عربي عن احتمال ارتداد الثقوب السوداء فائقة الكتلة من مراكز مجراتها بعد اندماجها العنيف ما يشير إلى انتشار هذه الظاهرة ويعد بموجات ثقالية يمكن رصدها مستقبلاً عبر مرصد LISA المخصص للموجات الثقالية.

إذا كانت بعض الثقوب السوداء فائقة الكتلة قد قُذفت بعيداً عن مراكز مجراتها بعد اندماجٍ عنيف، فهذا يعني أن اندماج هذه الأجرام أكثر شيوعاً مما نظن، وأن مرصد الموجات الثقالية المخطط لإطلاقه عام 2035 قد يجد أمامه عملاً وفيراً. هذا ما يقترحه فريق بحثي بعد تحليل نحو 100 ألف كوازار (Quasar)، لكنه يقترحه بحذرٍ واضح: النتيجة موحية وليست حاسمة.
الدراسة بعنوان «أدلة إحصائية على ارتداد الثقوب السوداء الضخمة في النوى المجرية النشطة»، ونُشرت في مجلة «الإشعارات الشهرية للجمعية الفلكية الملكية» (Monthly Notices of the Royal Astronomical Society). قاد البحث بنس بيتشي (Bence Bécsy)، الأستاذ المساعد في كلية الفيزياء والفلك بجامعة برمنغهام. ويمكن الاطلاع على الورقة البحثية الكاملة.
ما معنى أن يرتدّ ثقب أسود عن مركز مجرته؟
يُعتقد أن المجرات الكبيرة تحتضن في مراكزها ثقوباً سوداء فائقة الكتلة. وتتراكم لدى كاشفات الموجات الثقالية أدلة متزايدة على أن هذه الثقوب تندمج حين تندمج مجراتها. وفي هذا السياق كتب مؤلفو الدراسة: «من المتوقع أن تندمج ثقوب سوداء فائقة الكتلة ثنائية كثيرة بعد أن تتقارب حلزونياً بفعل انبعاث الموجات الثقالية، وسيكون بالإمكان رصدها بواسطة LISA في نطاق الموجات الثقالية بالميلي هرتز».
لكن الاندماج لا ينتهي دائماً بثقبٍ أسود مستقر في المركز. ففي اللحظات الأخيرة قد تنبعث الموجات الثقالية بصورة غير متماثلة في اتجاهات مختلفة، فتدفع الثقب الناتج بعيداً عن مركز المجرة كما تدفع الركلةُ كرةً. ولا يغادر هذا الثقب المرتدّ مجرته، بل يتأرجح عبر مركزها كالبندول: يبلغ أقصى سرعته قرب المركز وأدناها عند طرف مداره الأبعد. وتتراوح سرعات الارتداد المتوقعة بين 360,000 كيلومتر في الساعة و 3.6 مليون كيلومتر في الساعة.
ويمكن أن يبقى الثقب المرتدّ نشطاً بعد الاندماج. يقول المؤلفون: «من المتوقع أن يحتفظ هذا الثقب الأسود بالمنطقة الداخلية من قرص التراكم الخاص به، وأن يظل نشطاً بين 10 ملايين و 100 مليون سنة بعد الاندماج، ما يتيح رصده كوازاراً (QSO) تظهر عليه سمات حركية ومكانية قابلة للكشف تدل على الاندماج». والكوازارات أشد النوى المجرية النشطة سطوعاً، وفيها ثقب أسود فائق الكتلة يلتهم المادة بنشاط. وسطوعها العالي يجعل العثور عليها ورصدها أسهل.
كيف صيد الأثر الإحصائي؟
سبق لباحثين أن اقترحوا مرشحين لثقوبٍ سوداء مرتدّة، غير أن لكل مرشح تفسيراً بديلاً. ويشرح بيتشي المأزق بقوله: «من الصعب جداً إثبات أن الثقب الأسود في كوازار بعينه قد طُرد، لأن ظواهر أخرى قد تنتج سمات مشابهة. الجديد في بحثنا أننا لم نبحث عن مرشحين فرادى، بل بحثنا إحصائياً عن آثار مجموعة سكانية كاملة».
اعتمد الفريق على الإصدار السادس عشر من بيانات مسح «سلون الرقمي للسماء» (Sloan Digital Sky Survey) وفهرس الكوازارات المرافق له. وصاغ الباحثون هدفهم هكذا: «نبحث عن بصمة على مستوى المجموعة السكانية للثقوب السوداء فائقة الكتلة المرتدّة بفعل الموجات الثقالية: ارتباط موجب بين الحجب الغباري ومقدار إزاحة السرعة على خط البصر للخطوط الانبعاثية العريضة بالنسبة إلى المجرة المضيفة».
المنطق وراء ذلك يقوم على غازين يحيطان بالثقب الأسود:
- الغاز القريب منه يُسمّى «منطقة الخطوط العريضة» (Broad Line Region، واختصارها BLR).
- الغاز الأبعد يُسمّى «منطقة الخطوط الضيقة» (Narrow Line Region، واختصارها NLR).
وتفترض الدراسة، بحسب مؤلفيها: «سنفترض فيما يلي أن الثقب الأسود المرتدّ سيتحرك مع منطقة الخطوط العريضة الخاصة به، بينما ستُترك منطقة الخطوط الضيقة خلفه وتُظهر انزياحاً أحمر متسقاً مع انزياح المجرة المضيفة وطوق الغبار في مركز المجرة».
وتفرّق إزاحات دوبلر بين ضوء المنطقتين، وتكشفها المطيافات. ومقارنة إشارتي الغاز تُظهر سرعة الثقب الأسود. أما الغبار القريب من الكوازار فيُحمّر ضوءه بظاهرة تُسمّى الخمود أو الانطفاء (Extinction)، ويمكن قياسه بالتحليل الطيفي والقياس الضوئي. والغبار أكثف ما يكون قرب مراكز المجرات، حيث تبلغ الثقوب المرتدّة أعلى سرعاتها. فإذا كانت الفرضية صحيحة، فيُنتظر أن تقترن السرعات الأعلى بحجبٍ غباري أكبر.
ماذا وجد الباحثون، وما حدود ما وجدوه؟
وجد الفريق هذا الاتجاه فعلاً. فمجموعة الكوازارات الأكثر احمراراً سجّلت نسبة حجبٍ تعادل ثلاثة أضعاف نسبتها في المجموعة الأبطأ. ويعلّق بيتشي: «هذا مكّننا من تحديد علاقة تتسق مع التوقعات النظرية».
غير أن الاتساق لا يعني الإثبات. فالاتجاه المرصود لا يثبت أن كل هذه الكوازارات تحتوي ثقوباً سوداء مرتدّة، ويقرّ المؤلفون بذلك صراحةً: «بينما قد يكون الارتباط الذي وجدناه دليلاً على وجود مجموعة من الثقوب السوداء فائقة الكتلة المرتدّة، فإن تفسيرات بديلة ممكنة». وتشمل هذه التفسيرات الرياح الصادرة عن الكوازار وزاوية الرصد وعوامل أخرى. فهذه نتيجة ترصد ارتباطاً في بيانات رصدية، والارتباط وحده لا يحدد السبب.
لماذا يهمّ ذلك مرصد LISA؟
هنا تتجاوز النتيجة حدودها الظاهرة. يقول البروفيسور زولت فريي (Zsolt Frei)، المشارك في الدراسة ورئيس مجموعة أبحاث الفيزياء الفلكية خارج المجرية HUN-REN–ELTE: «إذا كانت الإشارة ناجمة فعلاً عن ثقوب سوداء مقذوفة، فهذا يعني أن ثقبين أسودين فائقي الكتلة اندمجا في زمن قريب نسبياً في نسبة كبيرة من الكوازارات، أي أن هذه الأحداث شائعة». ويضيف: «وهذا يحدد مباشرةً عدد هذه الأحداث التي قد يتمكن LISA من رصدها».
و LISA، أي هوائي الليزر التداخلي الفضائي (Laser Interferometer Space Antenna)، مرصد مخطط لإطلاقه عام 2035. ويرى المؤلفون أن الاتجاه الذي رصدوه قد يساعد في تقدير عدد أحداث الاندماج التي سيلتقطها.
يبقى السؤال المفتوح: هل ستصمد هذه العلاقة أمام اختبارات تستبعد الرياح وزاوية الرصد وسواهما؟ إن صمدت، فستصبح الكوازارات القريبة سجلاً لاندماجات حديثة. وإن لم تصمد، فستبقى خطوة منهجية مفيدة تتمثل في الانتقال من مطاردة المرشحين الفرادى إلى قراءة المجموعة السكانية بأكملها.
أخبار ذات صلة

تلسكوب خاص يستهدف 27 كوكباً خارجياً في مهمته الأولى

رحلة أرتيميس 3 القمرية: ناسا تحدد الخطة لكن التاريخ غامض

البحث عن الحضارات الفضائية: السعودية تنضم للمشروع العالمي
