انهيار التربة المتجمدة في كندا بعد حرائق الغابات
تربة متجمدة في شمال غرب كندا تنهار بعد حرائق الغابات وتسبب انزلاقات أرضية ضخمة غير مسبوقة تغير مجاري الأنهار وتشكّل بحيرات جديدة. دراسة تكشف كيف تؤثر الحرائق على التربة المتجمدة ومدى انتشار الظاهرة في المناطق الشمالية وورلد برس عربي.

بعد حريق واحد شديد عام 1995 بقيت التربة المتجمدة في شمال غرب كندا مستقرة نحو 20 عاماً، ثم بدأت تنهار. تحدّث Joseph Young، قائد الدراسة من University of Alberta، عن هذا التحوّل فقال: «كان مستقراً، ثم إنه ببساطة ضغط على المفتاح، في جوهر الأمر». نتيجة ذلك في الأقاليم الشمالية الغربية الكندية أكثر من 150 انزلاقاً أرضياً، بعضها من نوع لم يُرصد في المنطقة من قبل، وفق باحثين رصدوه ميدانياً وبالأقمار الاصطناعية ثم نمذجوه.
ما قد لا يظهر في العنوان أن الأمر لا يتعلق بانزلاق أرضي عادي ناجم عن ذوبان الجليد. فالفريق يصف ظاهرة مختلفة سمّاها «انزلاقات انفصال التربة الجليدية الدائمة» (Permafrost detachment slides)، وتحدث في المناطق التي تكون فيها طبقة التربة المتجمدة رقيقة نسبياً. وتبدو هذه الانزلاقات أثراً طويل الأمد للحرائق في هذه البيئات.
ما الذي يميّز هذا النوع من الانزلاقات؟
يلاحظ الباحثون أن التربة المتجمدة عادةً، كما قال Young، «تذوب كلها وتتحول إلى طين سائل يتحرك كالوحل على المنحدر». أما في هذه الانزلاقات الكبيرة فقال: «لكننا وجدنا في الركام كتلاً من مادة متجمدة». وتؤكد صور الأقمار الاصطناعية والعمل الميداني وجود هذه الكتل، وبلغ ارتفاع بعضها 10 أمتار (33 قدماً).
بدأت القصة حين لاحظ الباحثون ندوباً ضخمة لانزلاقات أرضية أثناء عمليات رصد ميدانية في المنطقة. وقد يكون هذا النمط، بحسب Young، غير مسبوق فيها منذ 10 آلاف عام أو أكثر.
وتقف الدراسة عند انزلاقين بعينهما:
- وادي نهر جونسون (Johnson River Valley): وقع الانزلاق عام 2017 وحرّك أكثر من 18 مليون متر مكعب (أكثر من 636 مليون قدم مكعبة) من التربة والصخور. وقد حفر نحو 3.2 كيلومتر (نحو ميلين) من سفح التل.
- وادي نهر ريدستون (Redstone River Valley): وقع الانزلاق عام 2018 وحرّك نحو 4.5 مليون متر مكعب (قرابة 159 مليون قدم مكعبة) من الركام. وترك ندبة بطول 1.2 كيلومتر (ثلاثة أرباع الميل).
وأقام الانزلاقان سدوداً على مجريين نهريين، وأنشآ بحيرات جديدة، وأودعا رواسب بسرعة في اتجاه المجرى. وقال Young إن المنطقة تضم أكثر من 150 انزلاقاً. والأخرى أصغر حجماً، لكنها تحرّك عادةً أكثر من مليون متر مكعب (35 مليون قدم مكعبة) من الأرض لكل منها.
كيف تتحوّل حرائق الغابات إلى انهيار؟
لفهم الآلية استخدم الفريق مزيجاً من العمل الميداني وصور الأقمار الاصطناعية وقياسات بالتيار الكهربائي لتحديد عمق التربة المتجمدة على المنحدرات. ثم بنى نموذجاً من البيانات المجمّعة.
يربط النموذج بين الذوبان المرتبط بالحرائق وارتفاع درجات الحرارة من جهة، وظهور تشققات قرب قمم المنحدرات من جهة أخرى. وتتيح هذه التشققات للذوبان التغلغل أعمق حتى يذيب قاع طبقة التربة المتجمدة نفسها. وقد يستغرق تقدّم الذوبان 20 عاماً لاختراق 20 متراً (66 قدماً)، وهي العملية التي مرّ بها واديا نهري جونسون وريدستون.
أما خلفية الاحترار فمرصودة منذ عام 1980، حين بدأت مراقبة حرارة التربة المتجمدة. ومنذ ذلك التاريخ ترتفع حرارتها في المنطقة بنحو 0.3 درجة مئوية (0.54 درجة فهرنهايت) لكل عقد. ثم جاءت حرائق شديدة قرب موقع الدراسة عام 1995. وقال Young: «شهدنا حريقاً عام 1995، وبعد 20 عاماً بدأنا نرى الكثير من هذه الاضطرابات الواسعة». أي أن أثر الحريق لم يظهر فوراً، وإنما بعد فجوة زمنية تتسق مع بطء تقدّم الذوبان.
أين قد تتكرر الظاهرة؟
لم تُلحق هذه الانزلاقات حتى الآن ضرراً بأي بنية تحتية، لأن الإقليم نائٍ. لكن هذا لا يجيب عن سؤال المكان التالي. فهناك مناطق في كندا وألاسكا يبلغ عمق التربة المتجمدة فيها بين 20 و40 متراً (66 إلى 130 قدماً)، ويرى Young أنها قد تكون عرضة لانزلاقات مماثلة. وربط هذا الخطر بتزايد شدة حرائق الغابات في خطوط العرض الشمالية.
وفي هذا السياق قال Young: «هذا بمثابة لمحة محتملة عمّا قد نتوقعه في هذه المناطق مع تغيّر ديناميكيات حرائق الغابات».
نُشرت الدراسة في 23 سبتمبر في دورية Geophysical Research Letters، المجلد 53، العدد 18، تحت عنوان «Permafrost detachment slides: a distinct High‐Magnitude Permafrost mass wasting process». ويشارك Young في تأليفها J. Van Der Sluijs وS. V. Kokelj وS. Gruber وT. Herring وA. C. A. Rudy وA. Alvarez وD. Froese. ويمكن الاطلاع على المعرّف الرقمي للدراسة وطريقة الاستشهاد بها، كما نشرت الجامعة الصفحة التعريفية لـ Joseph Young.
الإشارة الأضعف في هذه البيانات هي الفاصل الزمني. فإذا كان الذوبان يحتاج نحو عقدين ليخترق 20 متراً، فقد لا تظهر آثار الحرائق الحالية في مناطق أخرى إلا بعد سنوات. والدراسة لا تقول إن هذه الانزلاقات ستقع في المواقع الأعمق في كندا وألاسكا، وإنما تشير إلى أنها قد تكون معرّضة لها. والسؤال المفتوح هو ما إذا كانت الأقاليم الشمالية الغربية حالة محلية فريدة أم نموذجاً مبكراً لما ينتظر مناطق أخرى.
أخبار ذات صلة

تراجع المياه الجوفية في حوض كولورادو: إشارة محتملة لنقطة تحوّل

تغيّر المناخ يُعيد تشكيل جغرافيا الأرض حرفياً

الأقمار الصناعية تكشف موجات الحرّ القياسية في أوروبا: رسالةٌ من الفضاء
