لغز عمر أقراص سديم الجبار وحل اندماج النجوم الجديد
لغز عمر أقراص الغبار في سديم الجبار وحجم غلافه الأصغر من نجومه يُفسر باحتمال اندماج نجمين في النجم الضخم 1 Ori C1 مما زاد إشعاعه فجأة وأسرع تبخر الأقراص وتمدّد الغلاف. اكتشف تفاصيل هذا السيناريو الجديد على وورلد برس عربي.

كيف لأقراص الغبار والغاز التي يُفترض أن تتحوّل إلى كواكب أن تبدو أصغر سنّاً من النجوم التي تدور حولها؟ هذا هو اللغز الذي يشغل فلكيين منذ سنوات في سديم الجبار (Orion Nebula)، أقرب مناطق ولادة النجوم الضخمة إلى الأرض. اقتراح جديد يرى أن الجواب قد يكون اندماجاً بين نجمين، وقع قبل زمنٍ قصير نسبياً، وغيّر مصير الأقراص المحيطة به ومصير غلاف السديم معاً.
لماذا تبدو الأقراص والغلاف أصغر من نجومهما؟
يُرى سديم الجبار (M42) بالعين المجرّدة، ويبعد نحو 1400 سنة ضوئية عن الأرض. كان من الأهداف التي عُلّقت عليها الآمال حين أُطلق تلسكوب Hubble الفضائي عام 1990. غير أن مرآة التلسكوب المعيبة عطّلت عمله في سنواته الأولى. وبعد إصلاحها وجّه Hubble عدسته إلى الجبار، فكشفت صوره عن أجسام داكنة ذات ذيول، وبتفصيلٍ لم يتوافر من قبل.
في عام 1993 حدّدت ورقة بحثية طبيعة هذه الأجسام: أقراص كوكبية أولية، أي أقراص من المادة تحيط بنجوم فتية وتُعدّ مهد الكواكب. وصاغ الباحثون حينها مصطلح «proplyd» لوصفها. وتتميّز أقراص الجبار عن نظيراتها في مناطق أخرى بذيولها هذه.
تتشكّل الذيول لأن نجماً بعينه يجرّد الأقراص القريبة منه من مادتها بإشعاعه. إنه النجم 1 Ori C1 (Theta-1 Orionis C1)، الأضخم في عنقود Trapezium، وهو مجموعة من أربعة نجوم في قلب الجبار. وتنساب المادة المنزوعة من الأقراص مع الإشعاع على هيئة تيارات تشبه الذيول.
هنا تبدأ المشكلة. فنجوم الجبار عمرها مليون سنة، ومادة الأقراص الباقية لا تنسجم مع هذا العمر. وجاء في الدراسة: «يوجد توتّر قديم بين أعمار النجوم في عنقود سديم الجبار (ONC) والتبخّر الضوئي الخارجي السريع لأقراصه الكوكبية الأولية».
المشكلة لا تقف عند الأقراص. يقول الباحثون: «في الآونة الأخيرة، تبيّن أيضاً أن غلاف سديم الجبار أصغر ديناميكياً من نجومه». وقيست سرعة تمدّد الغلاف فبلغت نحو 13 كيلومتراً في الثانية، وهي سرعة قيست حديثاً كما يوضح الباحثون: «في الآونة الأخيرة، قيست سرعة تمدّد مكوّن الغلاف في سديم الجبار فبلغت نحو 13 كم/ث». ونصف قطر الغلاف نحو 2.5 فرسخ فلكي (pc)، وهذا التمدّد يعني عمراً يقارب 0.3 مليون سنة فقط، أي أقل بكثير من عمر النجوم. وتتولّى رياح النجوم في عنقود سديم الجبار معظم دفع هذا التمدّد.
ويلخّص الباحثون المفارقة بقولهم: «من اللافت أن عمليتين تُحرّكهما نجوم العنقود الضخمة تبدوان معاً أصغر في عمرهما الديناميكي من عمر النجوم المستنتَج».
لم تكن هذه أول محاولة لتفسير الفارق. فقد نُسبت الاختلافات سابقاً إلى وجود مجموعات نجمية متمايزة وحلقات متعاقبة من تكوّن النجوم، لكن هذا التفسير لم يلقَ قبولاً.
ما الذي يقترحه الباحثون؟
الدراسة بعنوان «اندماج مستحثّ بنظام ثلاثي في θ 1 Ori C يحلّ مشكلة عمر الـproplyd والغلاف الفتيّ على نحوٍ غريب في M42»، وتصدر عن مجلة Astronomy and Astrophysics. ويقودها Maite Wilhelm، الفلكية في Leiden University بهولندا. وتتناول النجم 1 Ori C1، الأضخم في الجبار. يقول الباحثون: «نقترح سيناريو جديداً يهدف إلى حلّ مشكلتَي العمر كلتيهما».
وفق السيناريو، لم يولد 1 Ori C1 نجماً ضخماً كما نراه اليوم. يقول الباحثون: «في سيناريونا، تشكّل النجم الأضخم في العنقود، θ 1 Ori C1، من اندماج نجمين ثنائيين...». وبحسب الباحثين، فإن رفيقه الثنائي الحالي 1 Ori C2 هو الذي حفّز الاندماج بين 1 Ori C1 ونجم شريك آخر. ويربط المؤلفون ذلك بما يُعرف بتذبذبات vZLK التي يستحثّها هذا الرفيق. ويصوغون الفكرة هكذا: «نقترح سيناريو جديداً يمكن أن يساعد في تفسير مشكلة عمر الـproplyd في العنقود ومشكلة عمر غلاف سديم الجبار معاً. ويتضمّن سيناريونا اندماج نجم ثنائي في النجم الضخم الحالي θ 1 Ori C1، بوساطة تذبذبات vZLK التي يستحثّها الرفيق الثنائي الحالي θ 1 Ori C2».
النجم الناتج عملاق حارّ من النوع O، وهو أضخم أنواع نجوم المتتالية الرئيسية، وتزيد كتلته على 33 كتلة شمسية. ويوفّر إشعاعه فوق البنفسجي معظم إضاءة الجبار.
كيف يفسّر الاندماج لغز الأعمار؟
قبل الاندماج، كان إشعاع النجوم أضعف، فصمدت الأقراص أمام التآكل وبقيت معظم عمر نجومها. ثم وقع الاندماج بين آخر حلقة لتكوّن النجوم واليوم، فارتفعت اللمعان. وهذا ما يصفه الباحثون بقولهم: «أدّى هذا الاندماج، الذي جرى بين آخر حلقة لتكوّن النجوم واليوم، إلى زيادة في اللمعان، ما أفضى إلى تبخّر ضوئي خارجي أقوى وتمدّد متسارع للغلاف». وهكذا يبدو للراصد أن الأقراص شاخت قبل أوانها، وأن الغلاف أصغر مما ينبغي.
غير أن الاندماج وحده لا يغطّي الصورة كاملة. يعترف الباحثون: «غير أن الزيادة المطلوبة في لمعان الرياح النجمية ستكون أكبر مما يستطيع اندماج بسيط تفسيره». أي أن لمعان الرياح الناتج عن الاندماج لا يكفي لتفسير التمدّد السريع للغلاف. ويرجّح الفريق أن الغاز الأبرد المتبخّر من الأقراص قد يختلط بالغاز الساخن في الغلاف، فيضيف قوة إلى تمدّده.
واختبر Wilhelm وزملاؤها السيناريو بمحاكاة حاسوبية ووجدوه معقولاً. ويفسّر الاندماج أيضاً ظاهرتين أخريين في النجم: ميل مجاله المغناطيسي وفرط النيتروجين فيه.
ينبغي هنا ضبط الدلالة. محاكاة تُظهر أن السيناريو «معقول» لا تعني أن الواقعة ثبتت. نحن أمام فرضية تفسيرية تقدّم إجابة واحدة لمشكلتين، لا أمام إجماع علمي، ولا يتضمّن ما بين أيدينا من معطيات أي رصد مباشر للاندماج نفسه.
ماذا يعني ذلك للكواكب قيد التشكّل؟
يقول Simon Portegies Zwart، المشارك في الدراسة: «هذه أول مرة نشهد فيها عواقب تصادم نجمي كبير في جوارنا الكوني». ويضيف: «وهو يُظهر أيضاً أن التصادمات النجمية قد تكون أكثر شيوعاً مما كنا نظن، وأن لها عواقب بعيدة المدى».
أما Wilhelm فتقول: «تُظهر فكرتنا أن التأثيرات الدقيقة في أنظمة النجوم الثلاثية قد يكون لها أثر كبير في البيئات التي تتكوّن فيها النجوم، وربما حتى في الكواكب التي لا تزال تتشكّل».
والمعنى العملي أن عمر قرص كوكبي أولي لا يتحدّد بعمر نجمه وحده، بل بتاريخ جواره أيضاً: هل جاورَ نجماً ضخماً، وهل مرّ هذا الجار بحدث عنيف بدّل إشعاعه فجأة؟ فإذا صحّ أن الاصطدامات النجمية أكثر شيوعاً، وجب إعادة النظر في المدة التي تملكها الأقراص لتكوين كواكبها في العناقيد الكثيفة.
والسؤال المفتوح هو: هل يمكن رصد آثار مماثلة في عناقيد أخرى، وهل يقدّم النموذج تنبؤات تُختبر بالقياس المباشر؟ الإجابة تتطلب أن يتجاوز السيناريو شاشة المحاكاة إلى اختبار الرصد، وقد قدّمت الدراسة المنشورة لذلك أساساً يُبنى عليه.
أخبار ذات صلة

تموجات الفضاء غير المتماثلة تكشف الضغط على الدرع المغناطيسي للأرض

نهاية مهمة مرصد Swift بعد 22 عاماً من رصد أقوى الانفجارات الكونية

ناسا تُنهي مهمة تلسكوب Swift بعد فشل محاولة الإنقاذ
