ممرضة تنقذ حياة طفل في حريق مستشفى باكستاني
في حادثة مأساوية بحضانة مستشفى في إسلام آباد أنقذت ممرضة مسيحية رضيعاً واحداً من حريق أودى بحياة 14 طفلاً تكريمها يسلط الضوء على إخفاقات السلامة في المستشفيات ويطرح تساؤلات عن حماية الأرواح وورلد برس عربي

في الـ 26 من أغسطس، اندلع حريقٌ في حضانة المواليد بمستشفى Pakistan Institute of Medical Sciences في إسلام آباد، فأودى بحياة 14 رضيعاً كانوا في أشدّ مراحل حياتهم هشاشةً. لكنّ ما أنقذ طفلاً واحداً من الموت لم يكن نظاماً للإنذار المبكّر، ولا بروتوكول طوارئ مُحكماً — بل كانت ممرّضةٌ تصرّفت بغريزة الأمومة قبل أن تفكّر في سلامتها.
راضية نورين، ممرّضةٌ في الثامنة والثلاثين من عمرها، دخلت الحضانة المشتعلة وخرجت منها حاملةً رضيعاً في أقلّ من دقيقة. كاميرات المراقبة وثّقت المشهد بدقّة: 51 ثانية بين دخولها وخروجها. أمّا الأوضاع داخل الحضانة فقد تدهورت تدهوراً كارثياً في غضون دقيقتين تقريباً، وكان فيها 15 رضيعاً.
ثوانٍ فصلت بين النجاة والموت
لم تتردّد نورين. تقول في حديثها للإعلام: "قرّرت بسرعة أن أؤدّي عملي. الأمهات أودعن أطفالهن في رعايتنا". وتضيف بصوتٍ يحمل ثقل ما عاشته: "كان لديّ مهمّةٌ واحدة فقط: هذا هو وقت إنقاذ الأرواح. كان هدفي إنقاذ جميع الأطفال. لم أفكّر في سلامتي لثانيةٍ واحدة".
أنقذت طفلاً واحداً، وفقدت أربعة عشر. وهي لا تُسمّي ما فعلته بطولةً. "هل تستطيع أيّ أمٍّ أن تشاهد طفلاً يحترق في النار؟ لا. الأمهات لا يقدّمن معروفاً لأطفالهن. هذا واجبهن". وتُكمل بعبارةٍ تختصر فلسفتها كلّها: "تصرّفتُ كأمٍّ. لم أكترث بحياتي".
لكنّ الواجب لم يُخفّف من الجرح. نورين تعاني الآن من حمّى بلغت 39.4 درجة مئوية، وتُقرّ بأنّ النوم بات صعباً عليها منذ تلك الليلة. وفي رسالةٍ موجّهة إلى أهالي الرضّع الذين لم تستطع إنقاذهم، قالت: "أرجوكم سامحوني لأنّني لم أستطع إنقاذ أطفالكم".
ما الذي أشعل الحريق؟
الرواية الرسمية تغيّرت مرّتين. في البداية، أُشير إلى انفجار في وحدة تكييف الهواء، ثم خلص التحقيق إلى أنّ المسبّب كان انفجار جهاز البخّاخ (nebulizer). والأهمّ من السبب المباشر هو ما كشفه التحقيق الحكومي من إخفاقاتٍ جسيمة في منظومة السلامة من الحرائق وبروتوكولات الاستجابة للطوارئ داخل المستشفى.
أسفر التحقيق عن تعليق ثمانية مسؤولين في المستشفى عن مهامّهم، ويواجهون حالياً إجراءاتٍ تأديبية. وهو إجراءٌ يعكس حجم الإخفاق، لكنّه يطرح في الوقت ذاته سؤالاً أوسع: كيف تكون حضانة مواليد في مستشفى مرجعي في العاصمة خاليةً من أدنى متطلّبات الحماية؟
تكريمٌ وطني لممرّضة مسيحية
أعلنت الحكومة الباكستانية منح نورين وسام Sitara-i-Khidmat، وهو أحد أرفع الأوسمة المدنية في البلاد، إلى جانب مكافأةٍ مالية. ونورين مسيحيةٌ في مجتمعٍ مسلم بأغلبيته الساحقة، وهو ما أضاف لقصّتها بُعداً إنسانياً تجاوز الحدود الطائفية، وجعل التكريم الشعبي لها يتخطّى الانتماءات.
غير أنّ نورين نفسها تتبرّأ من أيّ دوافع مادّية أو رمزية: "لم أفعل شيئاً من أجل مكافأةٍ أو مال". وتُصرّ على أنّها أرادت إنقاذ الجميع: "أردتُ إنقاذ الآخرين. لم أفقد الأمل".
ما جرى في إسلام آباد ليس مجرّد حادثة فردية تستحقّ التوثيق. هو كاشفٌ عن هشاشة بنية السلامة في المستشفيات العامة، وعن الثمن الذي يدفعه المرضى الأكثر ضعفاً حين تغيب الأنظمة ويحضر الأفراد. نورين أنقذت طفلاً لأنّها كانت هناك وتصرّفت. لكنّ السؤال الذي يبقى مفتوحاً — ويجب ألّا يُغلق بوسامٍ أو مكافأة — هو: ما الذي ستفعله الحكومة الباكستانية لضمان ألّا تحتاج حضاناتها في المستقبل إلى بطولةٍ فردية لتعويض غياب الأنظمة؟
أخبار ذات صلة

تجميد إدارة ترامب أبحاث السيكلوسبورا رغم تفشٍّ قياسي

دراسة الخرف الرياضي: لماذا قد لا تكون النتائج مرعبة كما تبدو

تفشي الحصبة في بنسلفانيا يشعل خلافاً بين المسؤولين الصحيين والسياسيين
