وفاة الحصبة في بنسلفانيا تثير جدلاً صحياً وسياسياً
وسط تصاعد حالات الحصبة في Pennsylvania ووفاة شخصين غير مُلقَّحين، يشتد الجدل السياسي حول سبب الوفيات وأهمية التطعيم وسط تراجع معدلاته وخطر فقدان الولايات المتحدة وضع الخلو من الحصبة في تحدٍ صحي خطير على وورلد برس عربي.


وسط موجة تصاعد في حالات الحصبة تُعدّ الأسوأ منذ أكثر من ثلاثة عقود، أشعل الإعلان عن أول وفيات مرتبطة بالحصبة في ولاية Pennsylvania منذ عقود طويلة جدلاً سياسياً حاداً، بعيداً عن النقاش العلمي الذي كان يجب أن يتصدّر المشهد.
أعلنت السلطات الصحية في Pennsylvania هذا الأسبوع وفاة شخصين غير مُلقَّحَين إثر إصابتهما بالحصبة، وشدّد حاكم الولاية Josh Shapiro على أن التطعيم كان كفيلاً بمنع هاتين الوفاتين. غير أن الإعلان لم يمرّ دون ردود فعل عنيفة؛ إذ سارع وزير الصحة الأمريكي Robert F. Kennedy Jr.، المعروف بتشكيكه في اللقاحات الثابتة علمياً، إلى الردّ عبر منصات التواصل الاجتماعي، مدّعياً أن الوفاتين "ربما كانتا مختلقتَين كلياً". وهذا ليس موقفاً جديداً من Kennedy؛ فقد أثار شكوكاً مماثلة العام الماضي حين سُجِّلت ثلاث وفيات مرتبطة بالحصبة، وتساءل علناً عمّا إذا كانت الحصبة هي الفعل القاتل في إحدى تلك الحالات.
يقول الخبراء المستقلون إن هذا الصراع ليس مجرد خلاف شخصي، بل هو عَرَضٌ لنقاش اجتماعي وسياسي أعمق حول كيفية تأطير ظاهرة صحية آخذة في الاتساع. وقد عبّر الدكتور Amesh Adalja، طبيب الأمراض المعدية في منطقة Pittsburgh وباحث أول في مركز Johns Hopkins للأمن الصحي، عن قلقه بوضوح قائلاً: "باتت القضية سياسية. لم نعد نبحث عن إجابات ونحاول فهم ما يجري."
تحدّيات إحصاء وفيات الحصبة
ثمة سياق لا يمكن تجاهله: أعلنت الولايات المتحدة القضاء على انتشار الحصبة محلياً عام 2000، وذلك بفضل الحفاظ على معدلات تطعيم مرتفعة. لكن هذه المعدلات تراجعت في السنوات الأخيرة إلى ما دون عتبة 95% اللازمة للوقاية من تفشّي الوباء. والأمر بالغ الخطورة لدرجة أن مسؤولين دوليين سيجتمعون في نوفمبر لبحث ما إذا كانت الولايات المتحدة والمكسيك قد فقدتا وضع "الخلوّ من الحصبة".
ويزيد الوضع تعقيداً غياب تعريف موحّد وصارم للوفاة بسبب الحصبة في السياق الأمريكي. منظمة الصحة العالمية تعتمد معياراً واضحاً: تُحتسب الوفاة إذا ثبتت الإصابة بالحصبة، وجاءت الوفاة في غضون شهر من ظهور الطفح الجلدي، ولم يكن ثمة سبب آخر واضح كالصدمة الجسدية. أما على المستوى الأمريكي، فإن مسؤولي الصحة في كل ولاية هم من يُبلّغون عن الحالات والوفيات المرتبطة بالحصبة، وهو نظام لم يُختبر كثيراً في العقود الماضية حين كانت الوفيات نادرة بفضل التغطية التطعيمية العالية.
وفي هذا السياق، قالت Janet Hamilton، المديرة التنفيذية لمجلس وبائيّي الولايات والأقاليم، في بيان رسمي: "مع تصاعد إصابات الحصبة، نحتاج إلى الاستعداد لمزيد من المضاعفات المأساوية التي تجنّبناها إلى حدٍّ بعيد في هذا البلد لعقود"، مشيرةً إلى أن ذلك يشمل ليس الوفيات فحسب، بل أيضاً حالات الاستشفاء وإصابات الدماغ.
ما هو ثابت وما هو محلّ جدل في وفيات Pennsylvania
في Pennsylvania، لا خلاف على حقيقتَين: كلا المتوفَّيَين كانا مصابَين بالحصبة، وكلاهما لم يتلقَّ اللقاح. أما السؤال الذي لا يزال مفتوحاً فهو: هل كانت الحصبة السبب الرئيسي للوفاة، أم مجرد عامل مُساهِم؟
في إحدى الحالتَين، توصّل المحقّقون إلى استنتاج. أفاد طبيب التشريح في مقاطعة Lancaster، الدكتور Stephen Diamantoni، بأنه على علم بحالة وفاة واحدة تتوفّر فيها أدلة على الإصابة بالحصبة، وهي حالة طفل رضيع ذكر توفّي في 14 أغسطس وهو في سنٍّ أصغر من أن يتلقّى اللقاح الموصى به. وقد أجرى المحقّقون فحصاً على أنسجة رئة الطفل بعد أن تبيّن أن أحد أفراد عائلته مصاب بالحصبة، وأثبت الفحص وجود الفيروس.
بيد أن المحقّقين لم يعثروا على علامات تورّم الطحال أو غيرها من الآثار التي تُخلّفها عادةً عدوى الحصبة الحادة. وقد نُسب سبب الوفاة إلى تمزّق في الطحال، لكن مكتب طبيب التشريح أكد أن الفيروس لم يؤدِّ دوراً في ذلك. وخلص Diamantoni إلى القول صراحةً: "الطفل لم يمت بسبب الحصبة."
في المقابل، رفضت وزارة الصحة في Pennsylvania في البداية الإفصاح عن أي تفاصيل تتعلق بالمتوفَّيَين. ثم نشرت مساء الأربعاء على منصات التواصل الاجتماعي أن إحدى الحالتَين لا تزال قيد التحقيق من قِبَل مكتب طبيب التشريح، في حين لم تُفصح عن أي معلومات بشأن الحالة الثانية. وأكدت الوزارة تمسّكها بإعلانها، مستندةً إلى معيارَين لتحديد ما إذا كانت الوفاة مرتبطة بالحصبة: هل كان الشخص مصاباً بالحصبة؟ وهل توفّي؟
أما على المستوى الفيدرالي، فلم تُحدِّث المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) حتى الجمعة إحصاءها الوطني الأخير لحالات الحصبة والوفيات، مكتفيةً بالإشارة إلى أن التحديث المجدوَل تأخّر دون الإفصاح عن السبب.
وفي هذا الإطار، أبدى الدكتور Paul Offit، الباحث في اللقاحات بمستشفى Children's Hospital of Philadelphia، قلقاً من طبيعة وبائية مختلفة: فوجود وفاتَين مرتبطتَين بالحصبة في مقاطعة تُرصد فيها نحو 400 حالة يبدو مرتفعاً بشكل لافت، إذ إن معدل الوفيات المتوقّع للحصبة هو حالة واحدة لكل 1000 إصابة. ويرى Offit أن ذلك يُشير إلى وجود عدد كبير من الإصابات غير المُبلَّغ عنها في منطقة مقاطعة Lancaster، وهو ما يُقلقه بشدة مع اقتراب موسم العودة إلى المدارس الذي قد يُسرّع انتشار مرض شديد العدوى. ودعا إلى تكثيف جهود التطعيم "لمنع ما أراه كارثة قادمة."
وفي المحصّلة، انتقد الدكتور Adalja الطريقة التي أعلن بها مسؤولو Pennsylvania عن الوفيات، مؤكداً أن مثل هذه الإعلانات يجب أن تقتصر على المسؤولين الصحيين والطبيين، مع توضيح ما هو معروف وما هو لا يزال مجهولاً. وختم بعبارة لافتة: "عليهم أن يتعلّموا إبعاد السياسيين عن هذا الملف."
أخبار ذات صلة

تفشّي إيبولا في شرق الكونغو يتسع إلى منطقتي صحيتين جديدتين ليشمل 60 منطقة

مستشفى نيولينز الأيقونية تستعيد عافيتها بعد دمار إعصار كاترينا

استندات جديدة تفند تصريحات كينيدي حول زيارته لساموا
