مدارس كوبا تواجه أزمات التعليم والحرارة والجوع
في ظل أزمات الوقود والكهرباء ونقص المعلمين، تواجه كوبا تحديات كبيرة مع بداية العام الدراسي الجديد. مدارس بدون زي موحد وطعام محدود لكن الأطفال يصرون على الحضور. قصة صمود التعليم في أصعب الظروف على وورلد برس عربي.





في الساعات الأولى من صباح يومٍ تجاوزت فيه الحرارة 32 درجة مئوية، وقف نحو 1.4 مليون طفل كوبي أمام مدارسهم، يرفعون أيديهم في التحية للعلم ويرتلون النشيد الوطني. المشهد مألوف، لكنّ ما خلفه مختلف تماماً هذا العام: لا حافلات مدرسية، ولا زيّ موحّد لمعظمهم، ولا يقين بأنّ الطعام سيكفي حتى نهاية الشهر.
أعادت كوبا فتح أكثر من 10,000 مدرسة في أول أيام العام الدراسي الجديد، وسط أزمات متشابكة تضرب الجزيرة من كل اتجاه: شحّ الوقود، وانقطاع الكهرباء لأكثر من 20 ساعة يومياً، وهجرة المعلمين بحثاً عن رواتب أفضل في الخارج. وكان العام الدراسي الماضي قد أُنهي قبل موعده بشهر كامل في يونيو 2023، ما يجعل هذا الافتتاح محاولةً للتعافي قبل أن يكون احتفالاً بالعودة.
حين لا يكفي المعلمون
الفجوة في الكوادر التعليمية هي ربما الجرح الأعمق. لم تتجاوز نسبة تغطية المعلمين على مستوى الجزيرة 73%، ما اضطرّ الحكومة إلى نقل أكثر من 3,000 معلم من المحافظات الشرقية إلى العاصمة هافانا لسدّ الفراغ. وهو إجراء يكشف حجم الاختلال: حين تسدّ عاصمة البلاد عجزها باستنزاف أطرافها، فالأزمة أعمق مما تُقرّ به الأرقام الرسمية.
وزيرة التعليم Naima Trujillo Barreto لجأت إلى نداءٍ علني غير مسبوق، إذ دعت الجامعيين والمهنيين والمتقاعدين إلى العودة للتدريس. وقالت في خطابها: "الجميع مدعوون كلّ من لديه ما يقدّمه. ربما تكون في البيت، متقاعداً، وتتوق إلى لقاء مجموعة من الأطفال الذين يحتاجون دروساً في المادة التي تتقنها أكثر من أي شخص آخر."
استجاب بعضهم لهذا النداء. Sura Victorero Llerena، أمينة مكتبة تقاعدت بعد 39 عاماً من العمل، عادت إلى الفصل الدراسي. قالت ببساطة: "عدت لأنني أريد المساعدة... نحن كالعائلة. نتكاتف جميعاً لنضمن أن تسير الأمور على ما يرام." في هذه الجملة القصيرة، صورةٌ كاملة عن مجتمع يحاول أن يصمد بما تبقّى له.
الزيّ والطعام والحرارة
لكنّ الصمود له ثمن يومي يدفعه الأهل قبل غيرهم. الزيّ المدرسي لم يُلبَّ منه سوى 12% من الطلب على مستوى المرحلة الابتدائية، فسُمح للطلاب بارتداء ملابس مريحة، مع الإبقاء على الكوفية الحمراء أو الزرقاء التقليدية الرمز الذي لا تزال الدولة تتمسك به حين يتعذّر عليها توفير ما هو أكثر مادية.
وزيرة التعليم شرحت المعضلة بصراحة نادرة: "لا يمكن لأي ورشة أن تعمل بلا كهرباء. بلا وقود، لا يمكننا نقل الأقمشة من منطقة إلى أخرى. وبلا مال أو قدرة على الاستيراد، لا تصل الأقمشة أصلاً."
أما الطعام، فبعض المدارس لا تملك مؤونة تتجاوز 15 يوماً. Yurima Izaguirre، أمّ لثلاثة أطفال وزوجها يعمل منقذاً على الشاطئ، تخطّط لإطعام أطفالها معكرونة وتونة ومايونيز في وجبات الغداء المدرسية. وحين سُئلت عن هذه الحصة الشحيحة، أجابت: "يجب أن تكفي." وفي سياق آخر، قالت بصوت يختلط فيه الإرهاق بالتصميم: "في رأسي أفكّر في فعل ألف شيء، لكن يجب أن أستمر من أجلهم."
وأضافت تعليقاً على حرارة الفصول في ظل انقطاع الكهرباء: "ستختنق بعد فترة داخل الفصل الدراسي." ليست مبالغة، بل وصف حرفي لفصول بلا مراوح في يومٍ تتخطى حرارته 32 درجة.
بين الرواية الرسمية والواقع اليومي
على منصة X، كتب الرئيس الكوبي Miguel Díaz-Canel أن إعادة فتح المدارس هي شيء "سعى الإمبراطور إلى منعه بخطة خنقه"، فيما أعلن وزير الخارجية Bruno Rodríguez أن "لا حصار طاقوي، ولا تهديدات، ولا تشديد للحصار، ولا عقوبات ثانوية ستمنعنا من مواصلة الحفاظ على مكتسبات الثورة وتطويرها."
لكنّ عائلة Barroso تروي قصة مختلفة في تفاصيلها: حصانهم سُرق وذُبح للطعام، فباتوا يستعيرون حصاناً للتنقل. وتقول الأم Leanete Barroso، التي تصف هذا العام الدراسي بأنه "الأكثر كارثية"، ما يكفي وحده لرسم المسافة بين الخطاب الرسمي والحياة الفعلية.
ابنتها Sheila Ramírez Barroso، 15 عاماً، ذهبت إلى مدرستها صباح ذلك اليوم مثل بقية أقرانها. ربما حملت كوفيتها الزرقاء، وربما لم تحمل زيّها المدرسي. لكنّها ذهبت.
التعليم المجاني والشامل في كوبا كان دائماً من أبرز مكتسبات ثورة 1959، ومصدر فخر وطني حقيقي. لكن حين تنتهي سنة دراسية قبل أوانها، وحين لا يغطّي الزيّ المدرسي سوى 12% من الطلب، وحين تُستدعى المتقاعدات للتدريس لأن الرواتب لم تعد تُغري أحداً بالبقاء فإن السؤال الذي يطرحه هذا الافتتاح ليس: هل ستُفتح المدارس؟ بل: إلى متى يمكن لمنظومة تعليمية أن تصمد على الإرادة وحدها؟
أخبار ذات صلة

السعودية تحذف عبارة "لن يتنازل المسلمون عن القدس أبداً" من مناهجها الدراسية

تأثير صراع إيران المتسلسل على تعليم ملايين الأطفال عالمياً

روبوت معلّم ذكي: مدرسة نيويوركية توقف خطتها بعد احتجاجات
