أمازون وخداع مزادات الإعلانات يكشف أسرار الأرباح الخفية
كشف تحقيق FTC عن تلاعب Amazon بنظام مزادات الإعلانات لزيادة التكاليف على ملايين المعلنين مما رفع الأسعار على المستهلكين. هل كان نمو إعلانات Amazon مبنياً على خداع ممنهج؟ التفاصيل حصرياً في وورلد برس عربي.

منذ عام 2019، كان ملايين المعلنين على منصة Amazon يدفعون أكثر مما يعتقدون — وأكثر مما تعده به قواعد المزاد التي تروّج لها الشركة. هذا ما تقوله لجنة التجارة الفدرالية الأمريكية (FTC) في دعوى قضائية مشتركة رفعتها مع 22 ولاية أمريكية في أغسطس 2026، متهمةً Amazon بانتزاع ما يزيد على 20 مليار دولار من نحو 1.2 مليون معلن عبر نظام مزادات مُلاعَب سراً على مدى سبع سنوات.
الدعوى المقدَّمة أمام المحكمة الفدرالية للمنطقة الغربية من ولاية واشنطن ليست مجرد نزاع تقني حول آليات الإعلانات الرقمية. إنها في جوهرها سؤال عن من يتحمّل الفاتورة الحقيقية لنمو Amazon الإعلاني — وهل كان ذلك النمو مبنياً على خداع ممنهج؟
كيف يعمل المزاد — وكيف تقول FTC إن Amazon كسرت قواعده؟
اعتمدت Amazon منذ عام 2012 نظام مزاد "السعر الثاني المعمَّم" (Generalized Second-Price أو GSP)، وهو معيار صناعي شائع في الإعلانات الرقمية. المبدأ بسيط: الفائز بالمزاد لا يدفع سعر عرضه الكامل، بل يدفع سنتاً واحداً فوق عرض المنافس الثاني. هذا يعني أن السعر تحدّده المنافسة الفعلية بين المعلنين، لا قرار أحادي من المنصة.
لكن FTC تقول إن Amazon أضافت منذ 2019 طبقةً خفية فوق هذا النظام: "سعر احتياطي ناعم" (soft reserve price) غير معلَن، يرفع السعر النهائي فوق ما أسفر عنه المزاد الفعلي. وبحسب نص الدعوى القضائية، فإن هذا السعر لم يكن يعكس عروض المنافسين، بل كان يُحدَّد من قِبَل Amazon نفسها.
والأخطر من ذلك ما وثّقته FTC من رسائل داخلية. كتب كبير علماء البيانات في Amazon أن المشارك الثاني في المزاد كان في الواقع "مشاركاً وهمياً اخترعته Amazon لتمثيل ما تعتقد أن تلك المساحة الإعلانية تستحقه". وفي وثيقة أخرى، أقرّ نائب الرئيس الأول المسؤول عن الإعلانات بأن "السعر الثاني لا يحدّده مزايد حقيقي، بل تحسبه Amazon نفسها بما تسمّيه بديلاً للسعر الثاني". وفي عام 2024، كتب موظف داخلياً بصراحة مثيرة: "نحن لا نخبرهم بالرسوم الإضافية، بل ندعهم يفترضون أنها قائمة على نظام GSP".
لم تُفصح Amazon عن نظام الأسعار الاحتياطية علناً إلا في 30 أكتوبر 2025 — أي قرابة عام بعد أن بدأت FTC تحقيقها في 2024، وبعد ست سنوات من تطبيق النظام.
الفاتورة تنتهي عند المستهلك
ما يجعل هذه القضية أوسع من نزاع بين شركة كبرى وجهة تنظيمية هو سلسلة التأثير التي تصفها FTC. المعلنون على Amazon ليسوا في الغالب شركات متعددة الجنسيات تستطيع استيعاب التكاليف المتصاعدة — كثيرٌ منهم بائعون صغار ومتوسطون يعتمدون على المنصة للوصول إلى المستهلكين.
تقول الدعوى القضائية صراحةً: "هذه الرسوم الإعلانية المتضخّمة تتيح لـ Amazon انتزاع إيرادات إضافية من البائعين على منصّتها، فوق رسوم الحسابات ورسوم الإحالة ورسوم التخزين والشحن التي تقلّص هوامش أرباحهم وتؤدي إلى رفع الأسعار التي يتحمّلها المتسوّقون على Amazon".
بمعنى آخر: المعلن يدفع أكثر، فيرفع سعر منتجه، فيدفع المستهلك الفارق. والحلقة تبدأ من مزاد إعلاني لا يعلم المعلن أنه مُلاعَب.
تجدر الإشارة إلى أن Amazon أعلنت في الربع الثاني من 2026 عن مبيعات صافية بلغت 200.6 مليار دولار وصافي دخل بلغ 62.6 مليار دولار. الإعلانات باتت من أسرع قطاعاتها نمواً — وهو سياق لا يمكن فصله عن الأسئلة التي تطرحها هذه الدعوى.
Amazon: "الـ FTC انتقت ما يناسبها"
لم تقبل Amazon الاتهامات، ورفضتها بشكل قاطع. قالت الشركة في ردّها الرسمي: "بعد مراجعة ما يقارب 1.5 مليون صفحة تمتد على ستّ سنوات، تستند FTC إلى حفنة من الاتصالات المبسَّطة لادّعاء وجود مسعى شركةٍ بأكملها للتضليل. هذا ادّعاء باطل من أساسه".
وأضافت: "انتقت FTC عدداً محدوداً من المواد، كبعض مقاطع الفيديو التعليمية ومحتوى التدريب الذي يحتوي على أمثلة قديمة أو مبسَّطة حول كيفية تشغيل مزاداتنا".
تؤكد Amazon أن نظام السعر الاحتياطي الناعم يعكس "القيمة السوقية الحقيقية" للمساحة الإعلانية، وأن المعلنين لا يدفعون أبداً أكثر من عروضهم. وتستشهد الشركة بأرقام تصبّ في صالحها: فمن 2019 إلى 2024، ظلّ متوسط تكلفة النقرة ثابتاً بعد تعديل التضخّم، وأن 92% من إعلانات Sponsored Products لا تُمنح لصاحب أعلى عرض، بل تُختار وفق معادلة تجمع السعر والملاءمة. وتزعم الشركة أن المعلنين وفّروا أكثر من 8 مليارات دولار بين 2021 و 2025 بفضل نظام الملاءمة هذا.
غير أن FTC ترى أن هذه الأرقام لا تنفي جوهر الاتهام: أن المعلنين لم يكونوا يعلمون أن ثمة سعراً احتياطياً يتدخّل في نتائج المزاد، وأن Amazon أخفت هذا عن قصد لسنوات.
ما الذي تعنيه هذه الدعوى لمستقبل الإعلانات الرقمية؟
الدعوى تطرح تساؤلات بنيوية تتجاوز Amazon. سوق الإعلانات الرقمية بأكمله مبني على ثقة المعلن في شفافية المزاد — وهي ثقة يصعب إعادة بنائها بمجرد الإفصاح المتأخر. إذا ثبتت الاتهامات، فإن ذلك سيضع ضغطاً تنظيمياً متزايداً على منصات الإعلانات الكبرى الأخرى لإثبات شفافية مزاداتها.
أما على صعيد الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على Amazon للوصول إلى المستهلكين، فالسؤال الذي يبقى معلّقاً هو: كم دفعوا زيادةً لا يعلمون عنها شيئاً؟ وهل يمكن استرداد شيء من تلك المليارات؟
المحكمة ستحسم هذا في نهاية المطاف. لكن الوثائق الداخلية التي استندت إليها FTC — والتي يمكن الاطلاع على نص الدعوى كاملاً هنا — ستبقى محلّ تدقيق، سواء انتهت القضية بتسوية أم بحكم قضائي. وفي كلا الحالين، فإن مرحلة "ثق بالمزاد" في الإعلانات الرقمية لن تعود كما كانت.
أخبار ذات صلة

مبيعات XPeng ترتفع 4% في أغسطس

بيسنت يقول إن 19 وزيراً للمالية وافقوا على أن 'الصادرات الرخيصة' غير مستدامة، ولكن الصين عارضت ذلك

أسعار النفط ترتفع والأسهم تنخفض بعد ضربات أمريكية إيرانية في هرمز
