رائد الفضاء الوحيد الذي شهد كارثة الحادي عشر من سبتمبر
شهادة رائد الفضاء الأمريكي فرانك كولبرتسون من محطة الفضاء الدولية وهو يشاهد أعمدة الدخان فوق نيويورك بعد هجمات سبتمبر تعكس مأساة لا تُنسى وتذكرنا بقوة الأمل والتضامن من أعلى نقطة في الفضاء وورلد برس عربي

في الحادي عشر من سبتمبر 2001، حين كانت الأرض تحترق أسفله، كان رائد الفضاء Frank Culbertson الأمريكي الوحيد في الكون كلّه الذي لم يكن على وجه الكرة الأرضية يحدّق من نافذة محطة الفضاء الدولية (ISS) في عمودٍ من الدخان يتصاعد فوق نيويورك، وهو يعلم أنّ ما يراه ليس حريقاً عادياً.
كان Culbertson قد وصل إلى المحطة في 12 أغسطس 2001، برفقة رائدَي الفضاء الروسيَّين Vladimir Dezhurov وMikhail Tyurin، ضمن بعثة Expedition 3، وهي المهمة المأهولة الثالثة إلى المحطة التي انطلقت عملياتها المستمرة منذ نوفمبر 2000. لم يكن أحدٌ يتوقّع أن تتحوّل هذه المهمة الروتينية إلى شهادةٍ فريدة على أكبر هجومٍ إرهابي تشهده الأراضي الأمريكية.
حين مرّت المحطة فوق مدينة نيويورك بُعيد الهجمات، رأى Culbertson بعينيه الدخان المتصاعد من الجروح التي خلّفها الاصطدام بمركز التجارة العالمي. أربع طائراتٍ مدنية اختُطفت في ذلك الصباح: اثنتان اصطدمتا ببرجَي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وواحدة استهدفت مبنى البنتاغون، وواحدة سقطت في ولاية بنسلفانيا بعد أن تصدّى لها ركّابها ومنعوا ما كان يُرجَّح أن يكون هجوماً على مبنى الكابيتول أو البيت الأبيض. راح ضحية الهجمات على مركز التجارة العالمي وحده أكثر من 2,700 شخص.
سجّل Culbertson مشاعره في رسالةٍ مفتوحة نشرتها NASA، قال فيها: "كان بإمكاننا رؤية مدينة نيويورك والدخان المتصاعد من الحرائق. تذهب صلواتنا وأفكارنا إلى جميع الناس هناك وفي كلّ مكانٍ آخر أنا أنظر شمالاً وجنوباً على طول الساحل الشرقي لأرى إن كنت أستطيع رؤية أيّ شيءٍ آخر وإلى الناس في واشنطن."
لكنّ ما كتبه لاحقاً كان أكثر إيلاماً وعمقاً في آنٍ واحد. "العالم تغيّر اليوم. ما أقوله أو أفعله ضئيلٌ جداً مقارنةً بأهمية ما حدث لبلدنا حين تعرّضت للهجوم"، كتب Culbertson. ثم أضاف في مقطعٍ آخر يصف ثقل المفارقة التي عاشها: "إنّه لأمرٌ مروّع أن ترى الدخان يتصاعد من جراحٍ في بلدك من هذه النقطة الاستثنائية الرائعة. التناقض بين كوني على متن مركبةٍ فضائية مكرّسة لتحسين الحياة على الأرض ومشاهدة الحياة تُدمَّر بأفعالٍ متعمّدة وفظيعة هذا التناقض يهزّ الروح، مهما كنت."
وفي رسالته إلى أهل نيويورك، حرص Culbertson على أن يُوصل رسالةً إنسانية وسط الهول: "أتمنّى أن يُلقى القبض على المسؤولين وأن يُقدَّموا إلى العدالة في أقرب وقتٍ ممكن. لكن أوّلاً، صلواتنا وتعازينا لجميع المتضرّرين. وأردت فقط أن يعلم الناس أنّ مدينتهم لا تزال تبدو جميلةً جداً من الفضاء. أعلم أنّ الأمر صعبٌ جداً على كلّ أمريكي الآن، وأعلم أنّ الناس يكافحون بشدّة للتعامل مع هذا والتعافي منه. لكنّ البلاد لا تزال تبدو رائعة، وبالنسبة لأهل نيويورك مدينتكم لا تزال تبدو عظيمةً من هنا فوق."
كيف ردّت NASA على المأساة من الفضاء؟
لم تكتفِ وكالة الفضاء الأمريكية بتوثيق شهادة Culbertson، بل سعت إلى تكريم ضحايا الهجمات بطريقةٍ لم تسبق إليها: ففي 5 ديسمبر 2001، أطلقت NASA مهمة مكوك الفضاء STS-108 Endeavour، وعلى متنها ما يقارب 6,000 علمٍ أمريكي صغير. عادت المركبة إلى الأرض بعد 12 يوماً في 17 ديسمبر 2001.
جمع طلابٌ يعملون في مركز Johnson Space Center في هيوستن هذه الأعلام في حزمٍ تذكارية، وفق ما أعلنته NASA، ثم وُزِّعت على ذوي الضحايا. بدأ التوزيع في 14 يونيو 2002 الذي يصادف يوم العلم الوطني الأمريكي (National Flag Day) خلال حفلٍ أُقيم في مركز Rose Center for Earth and Space التابع للمتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي في نيويورك.
بعد المحطة: مسيرةٌ لم تنتهِ عند الغلاف الجوي
أتمّ Culbertson مهمة Expedition 3 حتى نهايتها في ديسمبر 2001، ثم تقاعد من NASA في أغسطس 2002. لم يبتعد عن عالم الفضاء؛ إذ انضمّ إلى شركة Orbital Sciences Corp.، حيث قاد جهود رحلات الفضاء المأهولة، بما فيها تطوير المركبة Cygnus لإمداد محطة الفضاء الدولية. وحين استحوذت عملاق الفضاء والدفاع Northrop Grumman على Orbital Sciences عام 2018، تقاعد Culbertson من الشركة في العام ذاته، وانتقل للعمل عضواً في مجلس إدارة مؤسسة Space Foundation.
تبقى شهادة Culbertson وثّقتها NASA في صفحة تذكارية خاصة وفي رسالته المفتوحة من أندر الوثائق الإنسانية المرتبطة بأحداث الحادي عشر من سبتمبر: شاهدٌ واحد، لا يشاركه موقعه أحدٌ من أبناء بلده، يرى كارثةً بعيون من يعلم أنّه لا يستطيع أن يفعل شيئاً سوى أن يشاهد ويتذكّر. ومحطة الفضاء الدولية التي احتضنت تلك اللحظة لا تزال تدور في مدارها حتى اليوم، في مهمتها الخامسة والسبعين (Expedition 75)، دليلاً على أنّ ما بُني للإنسانية يستمرّ حتى حين تُحاول أعمالٌ أخرى تدميرها.
أخبار ذات صلة

ضابط الهجرة الأمريكية ينفي الكذب عن إطلاق الرصاص ويُفرج عنه

احتيالات أمريكا تحطّم أرقاماً قياسية.. والضحايا يواجهون إهمالاً وخسائر إضافية

القاضي يقرّر: هل سيمثل Tyler Robinson أمام المحكمة في قضية مقتل Charlie Kirk؟
