رحلة في أسرار الزمن وأصل الكون المجهول
هل كان الانفجار العظيم بداية الزمن حقاً؟ تعرف على النماذج العلمية الأربعة التي تعيد رسم فهمنا للكون والزمن وكيف يمكن أن يكون هناك كون مرآتي أو دورات كونية لا نهائية في رحلة البحث عن أصل الزمن في وورلد برس عربي.

قبل أن يكون هناك شيء، هل كان هناك شيء؟ السؤال ليس فلسفياً بالمعنى الكلاسيكي، بل باتَ اليوم في صميم النقاش الكوزمولوجي الجاد. ما يُدهش الباحثين في الفيزياء النظرية ليس الإجابة فهي لم تأتِ بعد بل أنّ عدداً متزايداً من النماذج العلمية باتت تُشير إلى أنّ الانفجار العظيم لم يكن نقطة البداية المطلقة للزمن، بل ربّما كان حدثاً في سياقٍ أوسع وأقدم بكثير.
هذا هو المحور الذي يدور حوله كتاب «On Time: The Physics That Makes the Universe Tick» الصادر عن Princeton University Press عام 2026، للفيزيائي النظري Jim Al-Khalili. لا يكتفي الكتاب بمراجعة ما نعرفه عن الزمن، بل يطرح أسئلةً تُزعزع ما اعتقدنا أنّه مُستقرّ.
الزمن بين الفيزياء والإدراك
قبل الخوض في كوزمولوجيا ما قبل الانفجار العظيم، ثمّة تمييزٌ ضروري بين مستويين: الزمن كما نعيشه، والزمن كما تصفه المعادلات. على المستوى الإدراكي، يتفاوت إحساسنا بمرور الوقت تفاوتاً ملحوظاً تبعاً لحالة الدماغ يتمدّد حين نكون مُتعَبين ويتقلّص حين ننشغل. أمّا في الفيزياء، فالصورة أكثر تعقيداً: نظرية النسبية تربط الزمن بإطار مرجعية المراقِب، والإنتروبيا (Entropy) تمنح الزمن اتجاهاً أحادياً من الماضي نحو المستقبل، في حين تسمح ميكانيكا الكمّ بأن يسير الزمن داخل الأنظمة الكمّية في الاتجاهين معاً وهو ما تُعزّزه أبحاث حديثة حول اتجاه الزمن الكمّي.
هذا التناقض بين مستوى الكمّ ومستوى الكون الكبير هو بالضبط ما يجعل السؤال عن أصل الزمن بالغ الدقّة.
أربعة نماذج تُعيد رسم خريطة الكون
أوّلاً: التضخّم الأبدي والكون الفقّاعي
النموذج الأوّل يُعرف بـ «التضخّم الأبدي» (Eternal Inflation)، ويقوم على فكرة أنّ كوننا ليس سوى فقّاعة واحدة في فضاءٍ لانهائي يتمدّد باستمرار. وفق هذا النموذج، لم يكن الانفجار العظيم بداية الزمن، بل كان نهاية مرحلة التضخّم داخل فقّاعتنا تحديداً. والأهمّ أنّ هذا التضخّم يُنتج انفجاراتٍ عظيمة متعدّدة، كلٌّ منها يُولِّد كوناً مستقلاً، وهو ما يُعرف بـ «الكون المتعدّد» (Multiverse). غير أنّ بعض الفيزيائيين يرفضون هذا النموذج من أساسه، بحجّة أنّه غير قابل للاختبار التجريبي، وبالتالي يخرج عن نطاق العلم المنهجي.
ثانياً: الكوزمولوجيا الدورية التوافقية لـ Roger Penrose
Roger Penrose يقترح نموذجاً مختلفاً جذرياً: الكوزمولوجيا الدورية التوافقية (Conformal Cyclic Cosmology)، التي ترى الكون في حالة تناسخٍ لا نهاية له كلّ دورة تبدأ بانفجارٍ عظيم وتنتهي بحالة توازنٍ حراري، ثم تُولد دورةٌ جديدة من رحم تلك النهاية. الكون، في هذا التصوّر، لا يبدأ ولا ينتهي، بل يتحوّل. لكنّ النموذج يواجه إشكاليّتين علميّتين صعبتين: التوفيق بين حفظ المعلومات وتراكم الإنتروبيا عبر الدورات المتعاقبة.
ثالثاً: نموذج الأغشية الكونية لـ Paul Steinhardt
Paul Steinhardt يُقدّم نموذج «الكون الإكبيروتي» (Ekpyrotic Universe)، الذي يُصوّر كوننا ثلاثي الأبعاد باعتباره غشاءً (Brane) يتصادم مع غشاءٍ آخر في فضاءٍ ذي أبعاد أعلى. هذا التصادم هو ما أحدث الانفجار العظيم. والنتيجة المنطقية لهذا النموذج أنّه لا يوجد بداية للزمن عند لحظة الانفجار، لأنّ الغشاءين كانا موجودَين قبله.
رابعاً: نظرية الكون المرآتي لـ Neil Turok
ربّما الأكثر جرأةً من بين هذه النماذج هو ما يقترحه Neil Turok في نظرية «الكون المرآتي» (Mirror Universe). يتساءل Al-Khalili في كتابه بصوتٍ يحمل دهشة الفيزيائي: «ماذا لو كان ثمّة كونٌ مرآتي على الجانب الزمني الآخر من الانفجار العظيم، يتطوّر في اتجاهٍ نعتبره نحن توجّهاً نحو الماضي؟»
هذا الكون المرآتي لا يُلغي الانفجار العظيم، بل يجعله نقطةً وسطى بين كونَين يتطوّران في اتجاهين زمنيّين متعاكسين. والنموذج يحمل قيمةً تفسيرية مزدوجة: فهو يُعالج مفارقة Loschmidt المتعلّقة بتماثل الزمن وتزايد الإنتروبيا، ويُقدّم تفسيراً لمسألة عدم التماثل بين المادة والمادة المضادة إذ يُشير إلى أنّ كوننا يحتوي على مادةٍ أكثر، في حين يحتوي الكون المرآتي على مادةٍ مضادة أكثر.
حدود ما يمكن اختباره
ما يجمع هذه النماذج الأربعة هو أنّها تظلّ في دائرة النظرية ما لم تُدعَم بأدلّة رصدية. والمرشّح الأبرز لتوفير هذه الأدلّة هو إشعاع الخلفية الكونية الميكروي (Cosmic Microwave Background)، الذي قد يحمل في بنيته الدقيقة بصماتٍ من مرحلة ما قبل الانفجار العظيم إن وُجدت.
المشكلة أنّ الوصول إلى هذه البصمات يستلزم دقّةً رصديّة لم تبلغها أدواتنا بعد، وبعض هذه النماذج كالتضخّم الأبدي يرى بعض الفيزيائيين أنّها قد لا تكون قابلةً للاختبار أصلاً بأيّ وسيلة تجريبية ممكنة، وهو ما يُعيد طرح السؤال الكلاسيكي: متى تنتهي الفيزياء وتبدأ الميتافيزيقا؟
السؤال مفتوح، والأدوات تتطوّر. ما يمكن قوله الآن هو أنّ الانفجار العظيم لم يعد على الأقلّ في أوساط الفيزياء النظرية — يحتلّ مكانة «اللحظة الصفر» المطلقة التي كانت عليها قبل عقود. وهذا التحوّل في ذاته يستحقّ المتابعة.
أخبار ذات صلة

تأثير العواصف الشمسية على السكك الحديدية: اكتشاف تاريخي من عام 1848

خلايا دماغية بشرية تحلّ محلّ قشرة الفأر في تجربة علمية
