اكتشاف ميزرات الميثانول وديوتيريوم في أقراص النجوم الفتية
رصد فلكيون جزيئات ميثانول تحمل الديوتيريوم في قرص نجم شاب واحد من 11 وميزرات ميثانول في أكثر من نصف النجوم، مما يفتح آفاقاً جديدة لفهم تكوين الكواكب وظروف نشأة الحياة في الفضاء عبر مشروع COMPASS في وورلد برس عربي.

في قرص الغاز المحيط بنجمٍ وليد واحد من بين 11 نجماً، رصد فلكيون شكلاً نادراً من الميثانول تدخل في تركيبه ذرات الديوتيريوم، وفي أقراص أكثر من نصف هذه النجوم التقطوا إشعاع «ميزر» ميثانولي لم يكن معروفاً حول هذا النوع من النجوم. الرصد جاء بمقراب «ألما» (ALMA) في صحراء أتاكاما بتشيلي. وهو يضيف قطعةً إلى الصورة التي نحاول بها فهم الظروف الكيميائية التي تتشكل فيها الكواكب، وربما تنشأ فيها الحياة.
ما هو مشروع COMPASS ولماذا يتتبّع الجزيئات العضوية؟
يقود المشروع، واسمه COMPASS اختصاراً لعبارة «المسوح الطيفية بمقراب ألما للجزيئات العضوية المعقدة في النجوم الأولية»، عالمة الفيزياء الفلكية Maria Drozdovskaya من جامعة برن (University of Bern). ويضم فريقها متعدد الجنسيات أكثر من 30 فلكياً. موضوع الدراسة هو الجزيئات العضوية المعقدة، أي الجزيئات الكبيرة التي تحتوي على ذرات كربون، حول 11 نجماً فتياً قريباً منخفض الكتلة. وتسهم هذه الجزيئات في تكوّن الكواكب، وقد تسهم كذلك في نشأة الحياة على تلك الكواكب.
ظهرت النتائج الأولى في سبع أوراق بحثية نُشرت في عدد أكتوبر 2026 من مجلة «أسترونومي آند أستروفيزيكس» (Astronomy & Astrophysics). ومن أراد الرجوع إلى التفاصيل الفنية فهذه هي الأوراق: الأولى، الثانية، الثالثة، الرابعة، الخامسة، السادسة، السابعة. كما نشرت الجامعة بياناً حول النتائج.
لماذا الميثانول؟ وماذا يعني وجود الديوتيريوم فيه؟
الميثانول، وصيغته CH3OH، هو الجزيء العضوي المعقد الأكثر وفرةً في الفضاء بين النجمي، ويكثر في المناطق التي تتكوّن فيها النجوم والكواكب، وكثيراً ما يوجد في الأقراص المولِّدة للكواكب. هذه الوفرة تسهّل رصد أشكاله المختلفة حول النجوم الفتية.
بعض هذه الأشكال تحلّ فيه ذرات الديوتيريوم الأثقل محل ذرات الهيدروجين العادية. والديوتيريوم نظير ثقيل للهيدروجين، ويعتمد عدد الجزيئات الحاملة له بقوة على ظروف القرص المولِّد للكواكب. لذلك بحث المشروع في الغاز داخل أقراص 11 نجماً أولياً قريباً منخفض الكتلة عن هذه الأشكال من الميثانول، وقيّم كذلك التنوع الكيميائي في هذه الأقراص.
كانت النتيجة أن الميثانول الحامل للديوتيريوم ظهر في قرص نجم واحد فقط من الأحد عشر، هو IRAS 4A2. يقع هذا النجم على بعد نحو ألف سنة ضوئية في سحابة برشاوش الجزيئية (Perseus Molecular Cloud). وقد رُصد أول مرة مصدراً للأشعة تحت الحمراء عبر غاز السحابة الكثيف وغبارها. ويرمز IRAS إلى «القمر الاصطناعي الفلكي للأشعة تحت الحمراء» (Infrared Astronomical Satellite)، وهو مهمة مشتركة بين ناسا والمملكة المتحدة وهولندا أُطلقت عام 1983.
ما قصة الميزر الذي ظهر حول نجوم هادئة؟
الاكتشاف الثاني ربما يكون الأكثر إثارةً للنقاش. فقد رصد COMPASS إشعاع ميزر ميثانولي من أكثر من نصف النجوم الأحد عشر، وكان أميل إلى الظهور حول أصغرها عمراً. والميزر هو النظير الميكروي لليزر، أي إشعاع مستحث ومضخَّم. وتنشأ الميزرات الفلكية طبيعياً، وغالباً في جبهات الصدمات حيث تتصادم جزيئات الميثانول فتُثار.
كانت ميزرات الميثانول قد رُصدت سابقاً في أقراص تحيط بنجوم أولية مضطربة عالية الكتلة. أما ما حققه COMPASS فهو أول رصد لها حول نجوم أولية أهدأ وأقل كتلة. وتشير النتائج إلى أن ظروفاً فيزيائية شديدة قد تتوافر محلياً حول هذه النجوم، وإلى أن ميزرات الميثانول منتَج شائع في الأقراص المولِّدة للكواكب.
يقترح الفريق أن الميزرات تنتج عن عمليات عامة في ولادة النجوم والكواكب، أياً كانت كتلة النجم الأولي. وأحد التفسيرات المطروحة أن النجوم النامية تمتص الغاز المحيط بها، فتنتج عن ذلك انفجارات حرارية قد تولّد صدمات في القرص وتحفّز ميزرات الميثانول.
تقول Drozdovskaya: «إن العثور عليه الآن في نجم أولي منخفض الكتلة أيضاً يبيّن أن ظروفاً فيزيائية شديدة محلياً يمكن أن تسود هناك على نحو مماثل لما يحدث في النجوم الضخمة، ويتحدّى فهمنا السابق لتكوّن النجوم الشبيهة بالشمس».
وعن النتيجتين معاً تقول: «تؤكد النتيجتان مدى أهمية القياسات الطيفية عالية الأداء، مثل قياسات COMPASS بمقراب ALMA، في رصد ظواهر كيميائية نادرة وغير معروفة سابقاً». وتضيف: «إنها تُظهر كم لا يزال أمامنا لنتعلمه عن العمليات الكيميائية في المنظومات النجمية الأولية الفتية».
ما الذي لم يُحسم بعد؟
رصد «ألما» اختلافات في وفرة الجزيئات الحاملة للأكسجين والنيتروجين بين النجوم الأحد عشر. وما زالت أسئلة مفتوحة حول كيفية نشوء كيمياء المنظومات النجمية الفتية وتأثيرها في تطور هذه المنظومات. وتقول Drozdovskaya: «يقدّم عملنا نظرة معمّقة إلى الكيمياء المعقدة للمنظومات النجمية الفتية، وهو في نهاية المطاف قطعة مهمة في أحجية فهم أصل الحياة».
يحلل المشروع بشكل منهجي كل أنواع الجزيئات التي رصدتها ملاحظات «ألما»، ويُعدّ الفريق دراسات متابعة بمرافق أخرى، منها تلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST). لكن الجواب لن يكون قريباً، إذ تقول Drozdovskaya: «تحليل كل البيانات التي جُمعت سيستغرق عدة سنوات أخرى». وما بين ميثانول ظهر عند نجم واحد من أحد عشر وميزر ظهر عند أكثر من نصفها، تبقى المسألة المطروحة أمام الفريق هي مدى شيوع هذه الظواهر في الأقراص المولِّدة للكواكب وما تعنيه لنشأة الحياة.
أخبار ذات صلة

الفضول يحيي فجر السماء على المريخ المذهل

حدّ تشاندراسيخار للأقزام البيضاء: دراسة جديدة تطعن في إطلاقيته

المسبار Perseverance يحقق إنجازاً جديداً
