علاج مبتكر يخفف ألم الانتباذ البطاني الرحمي بجرعة واحدة
حقنة واحدة من دواء معدل لعلاج الديدان الشريطية خففت ألم الانتباذ البطاني الرحمي عند الفئران وأبطأت نمو الآفات. علاج موجّه يركز على الخلايا المريضة فقط وقد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج هذا المرض المزمن المعقد وورلد برس عربي يشرح التفاصيل.

حقنة واحدة خفّفت الألم لدى فئران مصابة بالانتباذ البطاني الرحمي، وأبطأت نمو الآفات الجديدة وأوقفته أحياناً. هذه نتيجة مشجّعة لحالة مزمنة لا شفاء منها، لكنها نتيجة مخبرية على حيوانات، ولم تدخل التجارب البشرية بعد. الدواء المستخدم عقار قديم لعلاج الديدان الشريطية جرى تعديله كيميائياً ليصل إلى الخلايا المريضة وحدها.
نُشرت النتائج في أغسطس في مجلة Advanced Healthcare Materials، وتحمل المرجعية المذكورة للدراسة تاريخ 2026. يمكن الاطلاع على الدراسة المنشورة في المجلة، كما أوردها أيضاً موقع Live Science. أما نتائجها فتخص نموذجاً من الفئران، وهذا قيد جوهري سنعود إليه.
ما حجم المشكلة التي يستهدفها هذا البحث؟
يصيب الانتباذ البطاني الرحمي نحو 10% من الإناث في سنّ الإنجاب، أي ما يقدَّر بـ190 مليون شخص حول العالم، وفق مرجع منشور في مجلة NEJM. في هذه الحالة ينمو نسيج يشبه بطانة الرحم خارج الرحم. وقد تسبّب هذه الآفات التهاباً مؤلماً ونزفاً غزيراً أثناء الحيض. والمرض مزمن تحرّكه الهرمونات.
يلخّص إيونيس سيميتسيديليس، الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه في مراكز أبحاث الصحة الإنجابية والالتهاب بجامعة إدنبرة، الصورة السريرية بقوله: «الأعراض الرئيسية هي ألم الحوض المزمن والعقم».
العلاجات المتاحة اليوم تخفّف الأعراض ولا تشفي. تعمد الأدوية الهرمونية إلى إيقاف الدورة الشهرية مؤقتاً للحدّ من نمو الآفات والالتهاب، وقد تسبّب آثاراً جانبية منها الغثيان وتقلّب المزاج. أما الجراحة فتزيل الآفات، لكنها كثيراً ما تعود إلى النمو بعدها. من هنا تأتي أهمية أي مقاربة تستهدف آلية المرض نفسها.
كيف حُوّل دواء للديدان إلى علاج موجَّه؟
النيكلوزاميد (Niclosamide) دواء معتمد من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) لعلاج الإصابة بالديدان الشريطية. واستكشف الأطباء استخدامه في حالات أخرى، منها السرطان ومرض باركنسون. لكنه يذوب بصعوبة في الماء، ولا يمكث طويلاً في الجسم، ولا يملك قدرة على استهداف خلايا بعينها، وهي عيوب تحدّ من استخدامه خارج دواعيه الأصلية.
عالج الباحثون هذه العيوب بدمج النيكلوزاميد مع الدندريمر (Dendrimer)، وهو جزيء يحمل الدواء، ومع مجموعة من الفولات. استُخدمت كيمياء النقر (Click Chemistry) لربط الدواء بالدندريمر، فتحسّنت قدرته على الذوبان في الدم. وتؤدي مستقبلات الفولات الموجودة على الخلايا المناعية «المارقة» دور آلية الاستهداف.
وتشرح أنجالي شارما، المتخصصة في الطب النانوي بجامعة ميشيغان، الفكرة بتشبيه مبسّط: «في الأساس، الدندريمر أشبه بـ Uber، والفولات أشبه بنظام GPS، والدواء أشبه بالراكب». فالفولات يوجّه الدواء إلى الخلايا التي تحمل المستقبلات المكمّلة له. ويتحرر الدواء ببطء داخل الخلايا المستهدفة على مدى أسبوعين.
وتضيف شارما: «الدواء مرتبط بطريقة تجعله، وهو في الدورة الدموية الجهازية، لا يفعل شيئاً إلى أن يدخل الخلايا المريضة».
وتستند هذه الخلايا المناعية إلى عمل سابق لكاناكو هاياشي، أستاذة كلية العلوم الحيوية الجزيئية بجامعة ولاية واشنطن. فقد حدّدت في أبحاث على الفئران خلايا مناعية «مارقة» خاصة بنسيج الآفات، ترتبط بالالتهاب ونمو الآفات. وقد تزيد هذه الخلايا الالتهاب حدّة وتدفع إلى نمو مزيد من النسيج الإشكالي. وأفادت مجموعتها لاحقاً بأن النيكلوزاميد يثبّط تقدّم المرض. تقول هاياشي: «أفدنا بأن النيكلوزاميد يثبّط تقدّم الانتباذ البطاني الرحمي، إذ يكبح الآليات الالتهابية وإفراز السيتوكينات». وهذا البحث السابق هو الأساس الذي بُنيت عليه الدراسة الجديدة.
ماذا أظهرت التجارب على الفئران فعلاً؟
اختبر الباحثون العلاج المعدَّل في نموذج فأري للمرض. وأفادوا بأن حقنة واحدة خفّضت أعراض الألم مقارنة بفئران لم تتلقَّ العلاج. وأبطأ العلاج نمو الآفات الجديدة أو أوقفه أحياناً. كما سجّل الباحثون انخفاضاً في الالتهاب، وإبطاءً أو منعاً لمزيد من انتشار الآفات.
وأظهرت الفحوص التصويرية أن العلاج استهدف النسيج البطاني المصاب دون أن يتراكم في أعضاء مثل الكبد. وهذه نقطة مهمة في تقييم السلامة، لأن تراكم الدواء في الأعضاء السليمة من أبرز ما يقلق عند تطوير أي عقار موجَّه.
لكن للنتائج حدوداً واضحة. فالفئران لا تحيض بصورة طبيعية ولا تُصاب بالانتباذ البطاني الرحمي تلقائياً، ما يعني أن النموذج المخبري يحاكي المرض ولا يطابقه. وعبّر المؤلفون عن حاجة النتائج إلى مزيد من العمل قبل تكرارها لدى البشر. وليست لدينا في المعلومات المتاحة عن الدراسة تفاصيل عن مصدر تمويلها.
يرى سيميتسيديليس أن الاتجاه نفسه واعد: «هناك إمكانات كبيرة في إعادة توظيف أدوية خضعت لتجارب سريرية لمعرفة ما إذا كانت فعّالة في الانتباذ البطاني الرحمي، مثل استهداف الالتهاب أو خلل الخلايا المناعية».
متى قد تبدأ التجارب على البشر؟
لا موعد محدداً حتى الآن. يعمل الفريق على الوصول إلى تجارب سريرية. وتبدأ التجربة البشرية من المرحلة الأولى التي تختبر السلامة أولاً، ثم تأتي مراحل لاحقة لتقييم الفعالية. ويوضّح سيميتسيديليس: «الخطوات التالية هي التكرار على عيّنات أكبر، وإذا كانت النتائج واعدة، إجراء تجربة سريرية من المرحلة الأولى على البشر».
وتشير هاياشي وشارما إلى أن الاهتمام تجاوز المختبر. فقد تلقّت كلتاهما مئات الرسائل الإلكترونية من أشخاص يرغبون في المشاركة في أي تجربة مستقبلية. تقول هاياشي: «إنهن يعانين فعلاً».
وبين فأر في مختبر ومريضة في عيادة مسافة طويلة، قد تُفشل نتيجة واعدة أولية في أي نقطة منها. لكن هاياشي تضع الأمل في سياقه: «الانتباذ البطاني الرحمي مرض قليل الدراسة وقليل الاعتراف وقليل التمويل، لكننا نأمل أن نجعل من هذا العمل حلاً في المستقبل القريب».
أخبار ذات صلة

العلماء يكتشفون "بصمة بروتينية" في الدم تنبئ بالشيخوخة الصحية

حمّى الضنك في فلوريدا: لماذا ارتفعت الإصابات هذا العام؟

تفشّي الحصبة في بنسلفانيا يتجاوز الألف إصابة، الأكبر منذ القضاء على المرض
