انجراف الأرض القطبي الحقيقي وتأثيره على المناخ والحياة
كشف جديد من وورلد برس عربي يوضح كيف تحركت أقطاب الأرض الحقيقية مرات عدة عبر ملايين السنين، مؤثرة في المناخ والحياة. دراسة تكشف أسرار الانجراف القطبي الحقيقي وتفرق بينه وبين ميل المحور لتغيير مفهومنا عن تاريخ كوكبنا.

لو عاشت الأرض قبل 190 مليون سنة ما عاشته في العقود الأخيرة من استقرار ظاهري، لوجدت مناطق كاملة تنتقل من خطوط عرض دنيا إلى مناطق قطبية أو العكس، من دون أن تتحرك قارة واحدة بالمعنى المعتاد. هذا ما تقترحه دراسة جديدة رصدت أربع حلقات من «الانجراف القطبي الحقيقي» (True Polar Wander) خلال 320 مليون سنة. وتُظهر أن سطح الأرض انزاح في دفعات نسبةً إلى محور دورانها، وأن للأمر أثراً محتملاً في المناخ والحياة.
الدراسة قادها ماثيو دومييه (Mathew Domeier) من مركز الصلاحية الكوكبية للحياة (Centre for Planetary Habitability) في جامعة أوسلو بالنرويج، ونُشرت في 1 أكتوبر في مجلة «Science». وهي تتحدى تصوراً ساد طويلاً مفاده أن هذه الظاهرة كانت ضئيلة أو بطيئة في الماضي البعيد. وقد وردت الورقة في الدراسة المنشورة في Science.
ما الانجراف القطبي الحقيقي، وكيف يختلف عن ميل المحور؟
يخلط كثيرون بين هذه الظاهرة وتغيّر ميل محور الأرض. في الانجراف القطبي الحقيقي تنزلح القشرة والوشاح (Mantle) معاً نسبةً إلى محور الدوران، بينما تبقى زاوية المحور مع مستوى المدار على حالها. ويبلغ ميل المحور حالياً 23.4 درجة نسبةً إلى مستوى المدار.
أما ميل المحور فيتغير دورياً على مدى عشرات آلاف السنين فيما يُعرف بدورات ميلانكوفيتش (Milankovitch cycles)، وسببها جاذبية الشمس والكواكب. فالأولى تحرّك سطح الكوكب فوق محوره، والثانية تغيّر اتجاه المحور نفسه.
وللتفسير الفيزيائي جانب هندسي. الأرض مفلطحة، فدورانها يجعل خط الاستواء منتفخاً والقطبين مفلطحين قليلاً. ولها عدة محاور للقصور الذاتي (Inertia)، ينطبق أكبرها على محور الدوران. وحين تُعاد توزيع الكتل، ومنها القشرة القارية بين نصفي الكرة، بفعل حركة الصفائح أو غيرها، يمكن أن يختل هذا التوازن. وفي الآلية المقترحة تنفصل القشرة والوشاح عن النواة، وتبقى النواة محاذية لمحور الدوران.
أربع حلقات في 320 مليون سنة: متى وقعت وبأي سرعة؟
اعتمد الباحثون على نمذجة إحصائية لخرائط تغيّر مستوى سطح البحر، وقيّموا هذه التغيرات على فواصل زمنية مدة كل منها 10 ملايين سنة. وخلصوا إلى أن الأقطاب الجغرافية تحركت عدة مرات، وحدّدوا أربع حلقات:
العصر الجوراسي المبكر، قبل 190–200 مليون سنة.
أواخر الجوراسي وبدايات الطباشيري، قبل 140–150 مليون سنة.
منتصف العصر الطباشيري، قبل 90–100 مليون سنة.
من الأوليغوسين إلى الميوسين، قبل 30 إلى 20 مليون سنة.
وخلال هذه الحلقات انزاح سطح الأرض بما يصل إلى 0.6 درجة لكل مليون سنة نسبةً إلى محور الدوران. أما المعدل الحالي للانجراف القطبي الحقيقي فيبلغ 10 سنتيمترات (4 بوصات) سنوياً. ومن المفيد وضع هذه الأرقام في سياقها: فالظاهرة أسرع من حركة الصفائح التكتونية على المقاييس الجيولوجية، لكنها بطيئة بالمقياس البشري.
وتُميّز الدراسة بين الانجراف القطبي وحركة الصفائح. فقد استبعد الباحثون وقوع انجراف قطبي حقيقي قبل نحو 300 مليون سنة، حين تحركت بانجيا (Pangea) شمالاً. ورأوا أن تلك الحركة نتجت بالكامل عن تكتونية الصفائح. وهذا التمييز ليس شكلياً، لأن حركة الصفائح قد تُخفي إشارات الانجراف القطبي أو تحاكيها. وللتمييز بينهما دلالة في خرائط البحر: فأنماط مستوى سطح البحر المرتبطة بالانجراف القطبي جاءت متساوية ومتعاكسة بين نصفي الكرة.
لماذا اختلفت الاستنتاجات السابقة؟
اعتمدت الدراسات السابقة على المغناطيسية القديمة (Paleomagnetism)، وهي قياس الآثار المغناطيسية المتبقية في الصخور القديمة. لكن هذه القراءات تتفاوت بحسب موقع الصخرة من المجال المغناطيسي للأرض. ورأى باحثون أن الطريقة لا تكفي دقةً، إذ توصل علماء باستخدامها إلى استنتاجات مختلفة اختلافاً كبيراً. وانتهت تلك الأعمال إلى أن الانجراف القطبي الحقيقي كان ضئيلاً أو بطيئاً في الماضي السحيق. أما النهج الجديد فيقوم على سجل مستوى سطح البحر بدل الاعتماد على الإشارة المغناطيسية وحدها.
ماذا يعني ذلك للمناخ والحياة؟
يمكن للانجراف القطبي أن يغيّر المناخ محلياً وعالمياً، لأنه ينقل مناطق بين العروض القطبية والعروض الدنيا. كما أن التغيرات التي تطرأ على الدوران الجوي نتيجة انتقال الأقطاب قد تؤثر في مناخ العالم كله. وتشير الدراسة إلى أن هذه الانزياحات أثّرت في البيئات التي تطورت فيها الحياة، من الديناصورات إلى بعض أقدم أسلاف الرئيسيات.
الصياغة هنا حذرة عن قصد: الدراسة تتحدث عن تأثير محتمل، ولا تقدّم قياساً مباشراً لحجم أثر كل حلقة في المناخ أو في الأنواع. وهذا ما يترك السؤال المفتوح أمام الأبحاث اللاحقة: كيف انعكست كل حلقة من الحلقات الأربع على أنماط الدوران الجوي وعلى البيئات التي عاشت فيها الكائنات في زمنها؟
أخبار ذات صلة

توهج خافت من الكون البدائي قد يفك لغز الطاقة المظلمة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم
