رحلة مركبة كريوسيتي نحو زعانف المريخ الغامضة
شاهد بانوراما مذهلة لشروق الشمس على جبل شارب بالمريخ والتشابه اللافت مع صحراء وادي رم جنوب الأردن. مركبة Curiosity تقترب من تشكيلات صخرية نادرة قد تكشف أسرار النشاط البركاني القديم على الكوكب الأحمر في رحلة استكشافية فريدة عبر الزمن. وورلد برس عربي

-إذا وقفتَ على سفوح جبل شارب (Mount Sharp) عند الفجر، فهذا ما قد تراه: قمم لامعة على شكل زعانف تلوح خلف طبقات صخرية غارقة في الظل. التقطت المركبة Curiosity التابعة لـ NASA هذا المشهد في فوهة غيل (Gale) على المريخ، وهي في طريقها نحو تلك التشكيلات نفسها. ومن المتوقع أن تبلغها في الفترة 2027-2028، وقد تأخذ منها عيّنات عن قرب. ولمن عرف صحراء وادي رم جنوب الأردن، سيبدو المشهد مألوفاً على نحوٍ لافت.
ما الذي يُظهره البانوراما بالضبط؟
جُمعت الصورة بتقنية الخياطة الرقمية من لقطات التقطتها كاميرا MastCam الرئيسية في المركبة. ولم تُجرَ على البانوراما أي معالجة لتعديل توازن اللون الأبيض. وقُدّمت الصورة بوصفها تمثيلاً لما قد يراه المرء لو شهد شروق الشمس على الكوكب الأحمر. ويمكن الاطلاع على تقرير البانوراما وعلى الصورة عالية الدقة.
يشرح أشوين فاساڤادا من NASA/JPL ما يظهر في الإطار: «الطبقات في المقدمة هي الطبقات الممتدة المكوِّنة لجبل شارب، وهي في الظل». ويضيف: «القمم اللامعة في الخلفية هي وحدة الياردانغ، وتبدو مختلفة تماماً عن المقدمة. وسيكون الأمر مثيراً للاهتمام بوجه خاص لو تبيّن أن وحدة الياردانغ مكوّنة من رماد بركاني، إذ سيمنح ذلك فريق Curiosity العلمي فرصة لمعرفة النشاط البركاني في المريخ القديم».
أما جبل شارب نفسه فيُوصف بأنه سجلّ للتاريخ الجيولوجي للمريخ. فمشهده يعكس عمليات التعرية والارتفاع. وهو يحفظ آثار جريان المياه وتآكل المجاري المائية في المريخ القديم، تلتها رواسب ملحية.
لماذا يستحضر المشهد وادي رم؟
التشابه البصري ليس مجرد انطباع شخصي. فقد قارن كاتب التقرير الأصلي هذه التضاريس بوادي رم في جنوب الأردن، الصحراء التي صُوّرت فيها المشاهد الرئيسية من فيلم The Martian. وبذلك يرى القارئ العربي في الصحراء القريبة منه صورة تقريبية لتضاريس كوكب آخر. والتشابه مفهوم من الناحية العلمية، فالرياح الدائمة والرمال المتطايرة هي نفسها ما ينحت الصخر على الكوكبين.
كيف نُحتت «زعانف القرش» المريخية؟
الياردانغ (Yardangs) نتوءات طويلة تشبه زعانف القرش، تنحتها الرياح. ويقول فاساڤادا: «الياردانغ طبقات صخرية تنحتها الرياح إلى حروف طويلة. وتوجد على الأرض وعلى المريخ في البيئات الصحراوية التي تهبّ فيها رياح دائمة وتتطاير فيها الرمال». غير أن النسخة المريخية تظهر بحجم هائل مقارنةً بنظيرتها الأرضية. فطبقة الياردانغ التي تراها Curiosity تمتد 16 كيلومتراً عبر المشهد البعيد. ويمكن الاطلاع على خلفية إضافية عن تشكيلات الياردانغ على المريخ لدى وكالة الفضاء الأوروبية.
أما أصل هذه الطبقات فما زال فرضية قيد البحث. فقد يكون النشاط البركاني المبكر على المريخ هو ما رسّبها بزاوية غير معتادة. ويقول فاساڤادا: «نعتقد أن طبقة الياردانغ تكوّنت من رمال، أو ربما من رماد، حملته الرياح إلى الفوهة من براكين قريبة. وعمرها على الأرجح نحو 3 مليارات سنة، أي ما يقارب عمر بقية جبل شارب في فوهة غيل».
متى تصل Curiosity إلى الياردانغ؟
تتجه المركبة الآن نحو حقل الياردانغ، وقد تأخذ عيّنات من التشكيلات عن قرب. ويُتوقّع وصولها في الفترة 2027-2028. وهذا الجدول الزمني يتسق مع مسار طويل من التسلّق. فمنذ عام 2014 تواصل المركبة صعودها بمعدل 2.7 كيلومتر في السنة. وقد حققت ارتفاعاً بلغ كيلومتراً كاملاً، وهو رقم قياسي لمركبة جوالة على المريخ، ويوصف بأنه أكبر مكسب في الارتفاع تحققه مركبة جوالة على المريخ أو على أي عالم آخر. وتوثّق هذه الرحلة الصعبة في مادة مصوّرة من JPL.
لم يكن الطريق سهلاً. فقد واجهت Curiosity تضاريس وعرة ورمالاً زلقة، وتضررت عجلاتها بفعل أرض المريخ. وكانت قد أُطلقت في 26 نوفمبر 2011، وهبطت في 6 أغسطس 2012 بأول هبوط من نوعه على المريخ بأسلوب الرافعة السماوية (Sky Crane). وهي اليوم في السنة الثانية من التمديد الخامس لمهمتها. ويمكن لمصدر طاقتها العامل بالبلوتونيوم أن يتيح لها مواصلة العمل حتى ثلاثينيات هذا القرن.
ماذا بعد؟
لم تعد Curiosity وحدها على سطح المريخ. فقد هبطت Perseverance في فوهة جيزيرو عام 2021 وانضمت إليها (نبذة عن المركبة). وتفتح نافذة الإطلاق إلى المريخ هذا الشهر. ومن المقرر أن تطلق وكالة الفضاء اليابانية مهمة Mars Moons eXplorer (MMX) في 19 أكتوبر، بهدف استكشاف فوبوس وديموس عن قرب (موقع المهمة).
وللمركبات الجوالة دور في هذا الملف أيضاً، إذ ترصد كسوفات غير منتظمة الشكل يسببها القمران، وتساعد هذه الأرصاد في تحديد موقعيهما ومداريهما. وبين قمم الياردانغ التي ستقترب منها Curiosity بعد سنوات وقمري المريخ اللذين ستزورهما MMX، يبقى السؤال المفتوح: هل سيتبيّن أن تلك الزعانف الصخرية مصنوعة من رماد بركاني قديم؟ الجواب لن يأتي قبل أن تصل المركبة وتفحص الصخر بنفسها.
أخبار ذات صلة

العلماء يكتشفون "مجموعة المواد الكيميائية الأولى" للحياة في أرحام الكواكب

حدّ تشاندراسيخار للأقزام البيضاء: دراسة جديدة تطعن في إطلاقيته

المسبار Perseverance يحقق إنجازاً جديداً
