وورلد برس عربي logo

رحلة الفضاء العميق وتأثير الإشعاع على صحة القلب والمناعة

رحلة فضائية طويلة قد تسبب تندّب في القلب وضعف المناعة وطفرات جينية خطيرة كما أظهرت تجربة على الجرذان تحاكي ظروف الفضاء العميق. تعرف على المخاطر المحتملة لرواد الفضاء في رحلات المريخ مع وورلد برس عربي.

توضيح تأثير الأشعة الكونية على القلب والأوعية الدموية خلال رحلة فضائية من الأرض إلى المريخ، مع محاكاة لتلف الأنسجة القلبية.
تصوير فني لتأثيرات الإشعاع الكوني المجري على الجهاز القلبي الوعائي. الحقوق محفوظة - ديف كيل
التصنيف:صحة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

-ثلاث سنوات في الفضاء العميق قد تترك أثراً في القلب لا يزول. هذا ما تُلمّح إليه تجربة على الجرذان، إذ أصيب 83% منها بتندّب في القلب بعد عام من التعرّض لجرعة إشعاعية تحاكي مجموع ما قد يتلقّاه روّاد الفضاء في رحلة مأهولة إلى المريخ مدتها ثلاث سنوات. ولم يتوقف الأمر عند القلب، فقد رصد الباحثون أيضاً تراجعاً في خلايا مناعية وطفراتٍ دائمة في جينات خلايا الدم البيضاء.

نشر باحثون من كلية ويسكونسن الطبية (Medical College of Wisconsin) الدراسة في مجلة «PLoS One». وهي دراسة تجريبية على حيوانات، وليست على بشر. وهذا فارق جوهري سنعود إليه، لأن حدودها لا تقلّ أهمية عن نتائجها.

كيف تُحاكى بيئة الفضاء العميق على الأرض؟

يحمينا سطح الأرض من خطرين يميّزان الفضاء العميق: الإشعاع والانعدام الظاهري للوزن. ولم تبنِ البشرية بعدُ مختبراً في الفضاء العميق تُجرى فيه تجارب في ظروفه الفعلية. أما دراسة التعرّض البشري الطويل فيصفها الباحثون بأنها غير عملية وغير أخلاقية. لذلك لجأ الفريق إلى المحاكاة، بهدف قياس المشكلات المتوقعة في الرحلات الفضائية الطويلة.

واستخدم الباحثون جرذاناً من نوع «Rattus norvegicus» في منتصف العمر، اختيرت لتقارب متوسط أعمار روّاد الفضاء المحترفين. ولمحاكاة انعدام الوزن اعتمدوا بروتوكول «تفريغ الأطراف الخلفية» (HLU) الذي طوّرته وكالة ناسا (NASA) لنمذجة هذه الحالة لدى الجرذان. وفيه تُعلَّق الأطراف الخلفية للحيوان بزاوية 30 درجة بواسطة أحزمة مثبتة بالذيل. فتنتقل سوائل الجسم نحو الرأس، ويُرفع الحمل عن النصف السفلي من الجسم.

أما الإشعاع فجاء من مختبر ناسا للإشعاع الفضائي (NASA Space Radiation Laboratory) في مختبر بروكهافن الوطني (Brookhaven National Laboratory). وهناك استُخدم محاكي الأشعة الكونية «simGCRsim» الذي يعتمد 5 أيونات و6 حزم. ويطلق المحاكي بروتونات وأيونات ثقيلة عالية السرعة، منها السيليكون والحديد، وهي جسيمات يمكن أن تخترق الدروع الواقية في مركبة متجهة إلى المريخ.

وكان تسلسل التجربة كالتالي:

  • خضعت الجرذان أولاً لـ5 أيام من تفريغ الأطراف الخلفية.

  • ثم تلقّت الإشعاع خلال دقائق معدودة، بمستويات يُقصد بها تمثيل أشهر من التعرّض.

  • بعد ذلك بقيت معلّقة 25 يوماً.

  • وراقبها الباحثون نحو عام، وهو ما يعادل قرابة 25 سنة بشرية.

ما الذي وجدته الدراسة؟

أورد البحث، الذي يحمل عنوان «الضغوط المتعددة المحاكية للرحلات الفضائية تؤثر في التليّف القلبي وديناميكيات الكالسيوم والوظيفة المناعية والسيتوكينات والمتغيرات الجينية لدى الجرذ»، ثلاث نتائج رئيسية.

القلب. عند جرعة 1.5 غراي (Gray) ظهر تليّف حول الأوعية التاجية. وبحلول 270 يوماً بعد التعرّض، كان النسيج المتندّب في قلوب الجرذان قد تضاعف حجمه. وهذا النسيج المتضخّم يضغط على الأوعية ويزيد احتمال الإصابة بنوبة قلبية. والملاحظ أن تفريغ الأطراف الخلفية لم يُحدث أي تأثير يُذكر في نتيجة التندّب، ما يعني أن الإشعاع هو الفاعل الأبرز هنا. أما عند الجرعة الأقل، التي تمثّل مجموع تعرّض روّاد الفضاء في مهمة مريخية مدتها ثلاث سنوات، فقد ظهر التندّب القلبي لدى 83% من الجرذان بعد عام.

المناعة. بعد أشهر من التعرّض، فقدت طحالات الجرذان ثلثي خلاياها القاتلة الطبيعية (Natural Killer)، وهي الخلايا التي تدمّر الخلايا المصابة بالفيروسات والخلايا السرطانية. وقد تضافر الإشعاع مع الجاذبية الصغرى فأضعف الاستجابة المناعية. في المقابل، عادت الجرذان المعرّضة للجاذبية الصغرى وحدها إلى مستويات خلوية طبيعية في نهاية المطاف. ويبدو أن الإشعاع عطّل استجابة نخاع العظم للإجهاد الفسيولوجي.

الدم. بعد 235 يوماً من الإشعاع، رصد الباحثون طفرات دائمة في جينات خلايا الدم البيضاء لدى الجرذان. ارتبط بعض هذه الجينات بحالة تُعرف بـ«تكاثر الخلايا الدموية المستنسخة غير محدد الإمكانات» (CHIP). وفيها تتفوّق خلية دموية واحدة متحوّرة على جاراتها مع التقدّم في العمر. وترتبط هذه الحالة بزيادة خطر الإصابة بابيضاض الدم، وبخطر أعلى بأربعة أضعاف للنوبات القلبية والسكتات الدماغية. كما قد تزيد الخلايا المرتبطة بها الالتهاب في جدران الشرايين. ويرى الباحثون أن الإشعاع بدا وكأنه يُسرّع هذه التغيّرات لدى الجرذان.

وتجدر الإشارة إلى أن الخيط الجامع بين النتائج الثلاث هو القلب والأوعية: تندّب يضغط على الشرايين، وطفرات دموية مرتبطة بالتهاب جدرانها. لكن هذا استنتاجي أنا، وليس ادعاءً صريحاً في ملخص الدراسة.

ما حدود هذه النتائج؟

لا ينبغي القفز من الجرذ إلى رائد الفضاء. وقد أقرّ الباحثون بعدة قيود:

  • طريقة إيصال الإشعاع. أُعطيت الجرعة دفعة واحدة، لا بشكل متواصل على مدى أشهر أو سنوات كما يحدث في رحلة حقيقية. ولهذا يظلّ أثر آليات الإصلاح الخلوي غير واضح.

  • جنس الحيوانات. اقتصرت التجربة على ذكور الجرذان، وقال الباحثون إن روّاد فضاء آخرين قد يستجيبون بشكل مختلف.

  • طبيعة النموذج. هي محاكاة على الأرض بجرذان معلّقة، وليست قياساً في الفضاء العميق نفسه.

كما لا تذكر المعلومات المتاحة لي مصدر تمويل الدراسة، ولذلك لا أستطيع الحكم على هذه النقطة. ويمكن للقارئ الاطلاع على نص الدراسة المنشورة في «PLoS One»، وأحد المشاركين في تأليفها M. Lenarczyk وآخرون.

ماذا يعني ذلك لرحلات المريخ؟

لا تقدّم الدراسة جواباً نهائياً عن سلامة روّاد الفضاء، لكنها ترسم خريطة للأسئلة. فهي تشير إلى أن أخطر ما في رحلة طويلة قد لا يظهر خلالها، بل بعدها بأشهر أو سنوات، في صورة تليّف قلبي وضعف مناعي وطفرات دموية. وبما أن التجارب البشرية الطويلة غير ممكنة، ستبقى النماذج الحيوانية المحاكية الأداة الأساسية لقياس هذه المخاطر إلى أن تتوفر بيانات من الفضاء نفسه.

والسؤال المفتوح الذي يحدّد قيمة هذه النتائج هو: ماذا يحدث حين تتوزّع الجرعة على سنوات بدل دقائق، وتتاح للخلايا فرصة إصلاح نفسها؟ الجواب عن هذا السؤال هو ما سيقرّر إن كانت هذه التقديرات مبالغاً فيها أم أنها أقرب إلى الواقع.

أخبار ذات صلة

Loading...
امرأة تمسك بيدها منطقة الحوض تعبيراً عن ألم الانتباذ البطاني الرحمي، مع خلفية مكتب عمل وجهاز كمبيوتر محمول.

علاج الديدان الشريطية قد يخفّف الانتباذ البطاني الرحمي.. دراسة على الفئران

حقنة واحدة من دواء معدل مستهدف خففت ألم الانتباذ البطاني الرحمي وأبطأت نمو الآفات في الفئران، تفتح آفاقًا لعلاج جديد فعال. اكتشف المزيد الآن!
صحة
Loading...
أنبوب اختبار يحتوي على عينة دم محمولة بقفاز طبي أزرق، تعبير عن دراسة تحليل خلايا الدم المناعية المرتبطة بتقييم مسار الشيخوخة.

العلماء يكتشفون "بصمة بروتينية" في الدم تنبئ بالشيخوخة الصحية

اكتشاف جديد يكشف ارتباطاً بين توازن خلايا غرانزيم B وK في الدم وصحة الشيخوخة، ما يفتح آفاقاً لاختبارات مبكرة لمخاطر الأمراض المزمنة. اكتشف المزيد عن هذا التقدم الواعد الآن!
صحة
Loading...
دورة انتقال فيروس حمى الضنك بين البعوض والإنسان توضح كيفية انتشار العدوى في المجتمع وفقًا لمراكز السيطرة على الأمراض.

حمّى الضنك في فلوريدا: لماذا ارتفعت الإصابات هذا العام؟

شهدت مقاطعة هيلزبره في فلوريدا تفشياً غير مسبوق لحمى الضنك مع تسجيل أول وفاة منذ قرن، وسط تحولات مناخية وسلوكية تزيد من خطر انتشار البعوض. اكتشف الأسباب وكيف تحمي نفسك الآن.
صحة
Loading...
أمصال لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية في عبوات صغيرة لتعزيز الوقاية خلال تفشي الحصبة في بنسلفانيا.

تفشّي الحصبة في بنسلفانيا يتجاوز الألف إصابة، الأكبر منذ القضاء على المرض

تسجل بنسلفانيا أكبر تفشٍ للحصبة في أمريكا منذ القضاء على المرض مع أكثر من ألف إصابة وخمس وفيات بسبب ضعف التطعيم. اكتشف أسباب التفشي وكيف تحمي نفسك باللقاح الآن. اقرأ المزيد.
صحة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية