وقود المريخ من الهواء حلم يتحقق بخطوات علمية
باحثون يطورون تقنية لتحويل ثاني أكسيد الكربون في غلاف المريخ إلى ميثان نقي يستخدم وقوداً للصواريخ دون الحاجة لتنقية معقدة مما يفتح آفاقاً جديدة لاستكشاف الفضاء ويقدم حلولاً محتملة لأزمة المناخ على الأرض وورلد برس عربي

وقود الصاروخ من هواء المريخ هل بات الحلم ممكناً؟
تخيّل أنّك وصلت إلى المريخ بعد رحلةٍ استغرقت أشهراً، ثم اكتشفت أنّ الوقود اللازم للعودة إلى الأرض يمكن تصنيعه من الهواء المحيط بك. هذا بالضبط ما يسعى إليه فريقٌ من الباحثين في جامعتَي Texas A&M وUniversity of Mississippi، الذين نشروا في أبريل 2024 دراسةً في مجلة ACS Catalysis تصف طريقةً كيميائية كهربائية لتحويل ثاني أكسيد الكربون الموجود في غلاف المريخ الجوي إلى ميثان نقي صالح للاستخدام وقوداً للصواريخ.
لماذا المريخ تحديداً؟
الإجابة في الأرقام: غلاف المريخ الجوي مؤلّفٌ بنسبة 96% من ثاني أكسيد الكربون. هذا ليس عائقاً بيئياً فحسب، بل مادةٌ خام وفيرة في انتظار من يُحسن استخدامها. المشكلة التقليدية كانت دائماً في النقل: كيف تحمل معك إلى المريخ كلّ ما تحتاجه؟
يُجيب Ahmed Badreldin، المهندس الكيميائي في University of Mississippi وقائد الدراسة، بصراحةٍ تامة: "لا يمكنك أن تحمل معك كلّ ما تحتاجه من الأرض، لأنّ كلّ كيلوغرام إضافي يُضاعف التكلفة والتعقيد في الإطلاق والإفلات من جاذبية الأرض." ثم يطرح السؤال الجوهري: "إذن تصبح المسألة: كيف نصنع الوقود والمواد الكيميائية اللازمة لاستكشاف الفضاء من الموارد المتاحة أصلاً في الوجهة؟"
الجواب الذي يقترحه الفريق هو الاختزال الكهروكيميائي (Electrochemical Reduction)، وهي عملية تستخدم تياراً كهربائياً ومحفّزات كيميائية لتحويل ثاني أكسيد الكربون إلى وقود. تقنياً، تعتمد العملية على التحليل الكهربائي (Electrolysis): يجري تأكسد الماء عند القطب الموجب (الأنود)، بينما يتحوّل ثاني أكسيد الكربون عند القطب السالب (الكاثود) إلى مركّبات كربونية مفيدة.
المحفّز الذي غيّر المعادلة
المشكلة التاريخية مع هذه العملية لم تكن في المبدأ، بل في النتائج. المحفّزات القائمة على الذهب تُنتج أول أكسيد الكربون، أمّا المحفّزات النحاسية فتُنتج خليطاً من الكحولات والإيثانول والميثان وهو خليطٌ يستلزم عمليات فصل معقّدة قبل أن يصبح صالحاً للاستخدام. حمل معدّات التكرير الثقيلة إلى المريخ أمرٌ غير عملي بالمرة، وهذا ما جعل الأبحاث السابقة تصطدم بجدارٍ لوجستي.
ما الذي قدّمه الفريق الجديد؟ محفّزٌ من النحاس مدعوم بالنيتروجين على مقياس النانومتر أي بأبعادٍ أصغر بكثير من خلية الدم الحمراء يُنتج ميثاناً نقياً شبه خالٍ من المنتجات الثانوية. هذا يعني أنّ الوقود الناتج جاهزٌ للاستخدام مباشرةً دون الحاجة إلى مراحل تنقية إضافية.
والميثان ليس وقوداً اعتباطياً؛ إنّه الوقود السائل المستخدم في محرّكات Raptor التابعة لصاروخ Starship الذي تطوّره SpaceX. بمعنى آخر، ما يُنتجه هذا المحفّز هو بالضبط ما تحتاجه الصاروخات التجارية الأكثر تطوراً اليوم.
يصف Carter Racine، طالب الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية بجامعة Texas A&M، جوهر العمل بوضوح: "ما نفعله في الأساس هو أخذ ثاني أكسيد الكربون واستخدام الكهرباء لتحويله إلى وقود ومواد كيميائية تحتوي على الكربون."
وعلى الأرض أيضاً
لكنّ القصة لا تنتهي عند حدود الفضاء. الفريق يرى في هذه التقنية أداةً محتملة لمعالجة أزمة المناخ على الأرض. إذا استُخدم ثاني أكسيد الكربون المُلتقط من الغلاف الجوي وطاقةٌ كهربائية متجدّدة لإنتاج الميثان، فإنّ ذلك يُقلّل الاعتماد على استخراج الوقود الأحفوري الأصيل.
يوضح Racine الدافع وراء ذلك: "نريد هذا لأنّ كثيراً من هذه المنتجات الكربونية تأتي حالياً من موارد أحفورية أصيلة."
هنا يجدر الوقوف عند تمييزٍ دقيق لكنّه جوهري: تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى ميثان ثم حرقه يُعيد ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي، وهو ما يجعل العملية "محايدة كربونياً" (Net-Zero Carbon) لا "سالبة كربونياً" (Net-Negative Carbon). الفرق كبير: المحايدة تعني عدم إضافة كربون جديد، أمّا السلبية فتعني إزالة كربون من الغلاف الجوي وتخزينه على المدى الطويل.
يُقرّ Badreldin بهذا التمييز ويُعلن طموحاً أبعد: "ما يستهوينا في نهاية المطاف هو أن نرى ما إذا كان بإمكاننا تجاوز مجرّد إعادة تدوير ثاني أكسيد الكربون نحو مسارات سالبة كربونياً." ويُفصّل: "هذا يعني استخدام ثاني أكسيد الكربون مصدراً للكربون مع تحويله إلى منتجات يُخزَّن فيها الكربون أو يُستخدم لفترةٍ كافية بحيث لا يُطلَق على الفور إلى الغلاف الجوي."
وللأمانة الكاملة، تُشير الدراسة إلى أنّ الحلّ الأمثل لأزمة المناخ يبقى التوقّف عن حرق الوقود الأحفوري بجميع أشكاله، بما في ذلك الميثان. هذه التقنية ليست بديلاً عن ذلك، بل خطوةٌ في اتجاه تقليل الاعتماد على الاستخراج من باطن الأرض.
السؤال الذي تتركه هذه الدراسة مفتوحاً هو سؤال التوسّع: هل يمكن لهذا المحفّز النانومتري أن يعمل بكفاءةٍ كافية على نطاقٍ صناعي، سواء في مفاعل مدمج على متن مركبةٍ فضائية أو في محطة أرضية تعمل بالطاقة الشمسية؟ الإجابة ستحدّد ما إذا كانت هذه الكيمياء الأنيقة ستبقى في المختبر، أم أنّها ستُعيد رسم خرائط الطاقة والاستكشاف معاً.
أخبار ذات صلة

استعد ذكريات أول رحلة مدارية لمركبة ستارشيب (Starship)

هل GPT-6 Astra فعلاً ذكاء عام؟ OpenAI تؤكد دخولنا العصر الجديد

إطلاق ستارشيب من فلوريدا: SpaceX تستعدّ للمحاولة الأولى من منصّة 39A
