انطلاق ستارشيب من فلوريدا بداية حقبة جديدة للفضاء
هل سيُطلق صاروخ Starship من منصة كينيدي التاريخية في فلوريدا؟ تعرف على جاهزية المنصة وتحديات الإطلاق المرتقبة ودور Starship في رحلة العودة إلى القمر ضمن برنامج أرتميس في تقرير حصري من وورلد برس عربي.

هل سيُطلق صاروخ Starship فعلاً من فلوريدا قبل نهاية العام، أم أنّ الأمر مجرّد تصريحات تسويقية جديدة من SpaceX؟ السؤال مشروع، فالشركة اعتادت الإعلان عن مواعيد طموحة لا تلتزم بها لاحقاً. لكن هذه المرّة هناك ما يستحق المتابعة بجدّية: منصّة الإطلاق 39A في مركز كينيدي الفضائي التابع لناسا باتت، بحسب SpaceX نفسها، قريبة من الجاهزية لاستقبال أول رحلة لصاروخ Starship انطلاقاً من فلوريدا، بعد أن أُطلقت جميع رحلاته الاختبارية الـ14 حتى الآن من موقع Starbase في جنوب تكساس.
جاء هذا الإعلان على لسان جوليانا شيمان، مديرة برامج العلوم والمهمات الخاصة بكبسولة Dragon في SpaceX، خلال إحاطة صحفية في 1 أكتوبر خُصّصت أساساً للحديث عن إطلاق بعثة Crew-13 إلى محطة الفضاء الدولية. وقالت شيمان بوضوح: "الأمور تسير بشكل جيد جداً في 39A"، مضيفةً أن الشركة "أنجزت أساساً جزءاً كبيراً من البناء الأولي للهياكل والأنظمة اللازمة لإطلاق Starship، وبدأت الانتقال إلى اختبارات القبول والاختبارات التشغيلية قبل التفعيل". وبعبارة أخرى، على حدّ قولها: "نحن تقريباً أنهينا مرحلة البناء الرئيسية وننتقل إلى اختبار الإثبات والتشغيل".
ما الذي تغيّر فعلياً في منصّة بُنيت للإنسان على القمر؟
منصّة 39A ليست موقعاً عادياً؛ بُنيت في ستينيات القرن الماضي لإطلاق صاروخ Saturn V الذي حمل بعثات أبولو القمرية، وشهدت انطلاق أبولو 8 في ديسمبر 1968 وأبولو 11 في يوليو 1969 أول هبوط بشري على القمر. منذ عام 2014، تستأجر SpaceX المنصّة من ناسا، واستُخدمت حصرياً لإطلاق صاروخَي Falcon 9 وFalcon Heavy. بدأ تحويلها لاستقبال Starship في أواخر 2021، وما يجري الآن هو اكتمال برج الإطلاق ومعظم أعمال البناء الأساسية، مع دخول المشروع مرحلة اختبارات القبول قبل التفعيل الكامل.
الفارق بين المنصّة القديمة والجديدة ليس شكلياً فقط. يبلغ طول Starship نحو 408 أقدام (124 متراً)، أي ما يقارب ضعف ارتفاع Falcon 9 وFalcon Heavy اللذين يبلغ طول كل منهما نحو 230 قدماً (70 متراً). والأهم تقنياً: بينما تهبط المرحلة الأولى من صاروخَي Falcon على سفن في البحر أو منصّات مخصصة قريبة من موقع الإطلاق، صُمم كلّ من معزّز Super Heavy ومركبة Ship العائدة للعودة مباشرة إلى برج الإطلاق نفسه، حيث ستلتقطهما أذرع يُطلق عليها اسم "chopsticks" (عيدان الطعام). هذا يعني أن المنصّة تحتاج بنية تحتية مختلفة جذرياً، بما في ذلك مزرعة خزانات جديدة لوقود Starship. فمحركات Raptor التي يستخدمها Starship تحرق الميثان السائل مع الأكسجين السائل، في حين تعمل محركات Merlin في صاروخَي Falcon بالكيروسين عالي الجودة مع الأكسجين السائل مزيجان مختلفان تماماً يفرضان بنية تخزين ونقل مختلفة بالكامل.
متى موعد الإطلاق الفعلي، ولماذا لا يجب التعويل على التواريخ المعلنة؟
قالت شيمان إن أول إطلاق لصاروخ Starship من فلوريدا قد يكون في الرحلة رقم 16. لكن قبل ذلك، تخطّط SpaceX لإجراء رحلة اختبارية إضافية واحدة على الأقل من Starbase في تكساس. وتشير وثائق تخطيط أولية إلى أن 19 أكتوبر قد يكون التاريخ "الأقرب المحتمل" للرحلة 15، و30 أكتوبر للرحلة 16 لكن هذه المواعيد، بحسب الوثائق نفسها، قد تكون "تطلّعية" أكثر منها واقعية، وهو ما يتماشى مع سجلّ SpaceX في تأجيل مواعيدها المعلنة مراراً. حتى الآن، طار Starship ثلاث مرات هذا العام فقط: في 22 مايو، و24 يوليو، ثم في 28 سبتمبر حين وصل للمرة الأولى إلى المدار في رحلته الاختبارية الـ14.
ما علاقة كل هذا بالعودة إلى القمر؟
هنا يكمن الجزء الأكثر أهمية لبرنامج الفضاء الأمريكي: اختارت ناسا المرحلة العلوية Ship من Starship لتكون أول مركبة هبوط قمري مأهولة ضمن برنامج أرتميس، الذي يهدف إلى بناء قاعدة قرب القطب الجنوبي للقمر خلال نحو خمس سنوات. ومن المقرر أن تجري بعثة أرتميس 3 عام 2027 كاختبار التحام في مدار الأرض بين مركبة Ship وكبسولة Orion التابعة لناسا. وقالت شيمان إن انطلاق Ship في مهمة أرتميس سينطلق من منصّة 39A نفسها أي المنصّة التي حملت أبولو إلى القمر قبل أكثر من نصف قرن ستحمل، إذا سارت الأمور كما هو مخطط، الجيل التالي من رحلات الإنسان إلى هناك.
لكن 39A ليست الموقع الوحيد الذي تراهن عليه SpaceX في فلوريدا؛ تُحضّر الشركة ثلاث منصّات إطلاق على الساحل الفضائي للولاية. ففي أواخر العام الماضي، رخّص سلاح الجو الأمريكي لإطلاقات Starship من منصّتين إضافيتين في محطة كيب كانافيرال للقوات الفضائية، المجاورة لمركز كينيدي: SLC-37A وSLC-37B، واللتان يمكن أن تستضيفا معاً ما يصل إلى 76 عملية إطلاق سنوياً. وقالت شيمان إن SpaceX أحرزت تقدّماً معتبراً في كلتا المنصّتين، مضيفة: "إذا نظرت باتجاه المجمّع 37، يمكنك أن ترى بدايات برج Starship هناك".
طموح بلا حدود ظاهرة، لكن هل يستحق التصديق الكامل؟
الصورة الأوسع التي ترسمها SpaceX لنفسها طموحة إلى حدّ يستدعي الحذر المعتاد. تخطّط الشركة لبدء أعمال البناء العام المقبل في مجمّع "ستاربيس لويزيانا"، وهو مشروع مقدّر بـ100 مليار دولار يضمّ 12 منصّة إطلاق. وتهدف SpaceX إلى تنفيذ أكثر من 10,000 رحلة لصاروخ Starship سنوياً بحلول عام 2030 رقم ضخم يستحق أن يُقرأ بحذر بالنظر إلى أن الشركة لم تُنجز بعد سوى 14 رحلة اختبارية ووصلت للمدار مرّة واحدة فقط. وبحسب ما نقله إيلون ماسك، فإن هذه الرحلات مرتبطة بخطط أكبر: شبكة Starlink من الجيل التالي المقرر أن تضمّ نحو 100,000 قمر صناعي، ومشروع "Starmind" وهو تجمّع يضمّ مليون مركبة فضائية مخصصة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في المدار.
بين الأرقام الفلكية والمواعيد "التطلّعية"، يبقى السؤال العملي الوحيد ذا القيمة الفعلية: هل ستنجح SpaceX في تحويل منصّة بُنيت لحمل الإنسان إلى القمر قبل 56 عاماً إلى بوابة لعودته إليه؟ الإجابة الحقيقية لن تأتي من إحاطة صحفية أو تغريدة، بل من لحظة الإقلاع الفعلية من 39A وهي لحظة لا تزال، بحسب الجدول الزمني المعلن نفسه، تنتظر رحلة اختبارية واحدة على الأقل من تكساس قبل أن تتحقق.
أخبار ذات صلة

استعد ذكريات أول رحلة مدارية لمركبة ستارشيب (Starship)

هل GPT-6 Astra فعلاً ذكاء عام؟ OpenAI تؤكد دخولنا العصر الجديد

أبراج نباتات ذكية لتنقية الهواء في مكتبك
