هل يراقبك الراوتر الصيني في منزلك حقاً
أربع ولايات أمريكية ترفع دعاوى ضد TP-Link بتهمة تضليل المستهلكين حول أمان أجهزة الراوتر وعلاقتها بالصين وسط مخاوف من تجسس محتمل. هل جهازك يهدد خصوصيتك؟ اكتشف التفاصيل على وورلد برس عربي.

هل جهاز التوجيه (الراوتر) الذي يوصلك بالإنترنت في بيتك يتجسّس عليك لصالح حكومة أجنبية؟ هذا هو السؤال الذي تطرحه أربع ولايات أمريكية بشكل رسمي الآن، بعدما رفعت فلوريدا ومونتانا وآيوا ونبراسكا دعاوى قضائية ضدّ شركة TP-Link، إحدى أكبر الشركات المصنّعة لأجهزة الراوتر المنزلية في العالم، بتهمة تضليل المستهلكين بشأن علاقتها بالصين وأمان منتجاتها. الدعاوى، التي قُدّمت أمس، تأتي في توقيت حسّاس: الشركة تسعى حالياً للحصول على موافقة الهيئة الفيدرالية للاتصالات (FCC) لبيع أجيال جديدة من أجهزتها في السوق الأمريكية، في ظلّ حظرٍ يشمل كثيراً من أجهزة الراوتر الاستهلاكية المصنّعة خارج الولايات المتحدة.
المدّعون العامّون الأربعة جمهوريون، وتتّهم دعاواهم TP-Link بممارسات تجارية خدّاعة وانتهاك قوانين حماية المستهلك في ولاياتهم، عبر طمأنة المستهلكين الأمريكيين كذباً بأنّ أجهزتهم آمنة. فلوريدا، التي رفعت قضيتها أمام محكمة مقاطعة محلية، تطالب بأمرٍ قضائي يُلزم الشركة بالتوقّف عن هذه الممارسات، إضافةً إلى تعويض المستهلكين وفرض عقوبات مالية.
ما الذي يربط TP-Link بالصين فعلياً؟
تأسّست TP-Link في الصين، لكنّها نقلت مقرّها الرئيسي إلى ولاية كاليفورنيا في أكتوبر 2024، في خطوةٍ جاءت وسط تحقيقاتٍ أمريكية في هجمات إلكترونية بارزة نُسبت إلى جهات مرتبطة بالحكومة الصينية؛ إحدى شبكات الروبوتات (Botnet) التي خضعت للتحقيق كانت مكوّنة في معظمها من أجهزة TP-Link. تقول الشركة اليوم إنّ أجهزتها المخصّصة للسوق الأمريكية، والتي تحمل اسم TP-Link Systems، تُصنَّع في فيتنام، وإنّها شركة أمريكية مستقلّة لا تملكها أو تتحكّم بها أيّ حكومة أجنبية، وإنّها زوّدت الجهات التنظيمية في الولايات بالوثائق اللازمة خلال الأشهر القليلة الماضية.
لكنّ المدّعي العام لفلوريدا، جيمس أوتماير، يصف هذه الرواية بأنّها "fiction"، قائلاً إنّ "البحث والتصنيع لا يزالان متجذّرين في الصين". وتذهب دعوى فلوريدا إلى أنّ "التجميع النهائي للمكوّنات المصدَّرة من الصين أو عبرها في فيتنام لا يُصلح تصريحات الشركة المضلِّلة وإغفالاتها الجوهرية بشأن اعتمادها وارتباطاتها الصينية". وتستند الدعوى إلى مقالٍ نشرته Bloomberg في أبريل 2025، ذكر أنّ المكوّنات المصدر من فيتنام لا تتجاوز نسبتها 0.5 بالمئة من قيمة مدخلات المصنع هناك، بينما تُستورَد بقية المكوّنات كلّها من الصين. وتضيف Bloomberg في مقالٍ لاحق، استشهدت به نبراسكا، تقريراً عن مقاولٍ صينيٍّ للبناء يعمل على توسعة مصنع TP-Link في فيتنام.
مكتب المدّعي العام لنبراسكا يذهب أبعد من ذلك، إذ يقول إنّ "TP-Link لا تُفصح للمستهلكين عن ارتباطاتها المستمرّة بمقاول عسكري صيني، وأنّ منتجاتها عرضةٌ للاستغلال من قِبل الاستخبارات الروسية وقراصنة مرتبطين بالدولة الصينية". وتستشهد الدعاوى الأربع بتصريحاتٍ حكومية أمريكية سابقة حول استغلال وحدة الاستخبارات العسكرية الروسية GRU ثغراتٍ في أجهزة TP-Link، وبتقييماتٍ سابقة اعتبرت حظر بيع الشركة في السوق الأمريكية "unacceptable risk" على الأمن القومي.
لغة واحدة، أربع دعاوى
اللافت أنّ الدعاوى الأربع تتضمّن صياغةً شبه متطابقة لوصف وظيفة جهاز الراوتر والمخاطر في حال اختراقه: "جهاز الراوتر يعمل بمثابة فم المستهلك وأذنيه الافتراضيين على الإنترنت. ما يقوله المستهلك للإنترنت يخرج من فم الراوتر، وما يردّه الإنترنت يمرّ عبر أذنيه. وإذا تعرّض للاختراق، يمكنه أن يهمس بالأكاذيب في الاتجاهين، منتحلاً شخصية المستهلك ومُنشئاً موطئ قدمٍ داخل منزل المستهلك نفسه لهجماتٍ إلكترونية ترعاها دول". هذه الصياغة المشتركة تشير إلى تنسيقٍ مسبق بين الولايات الأربع، وليس مجرّد صدفة في التوقيت.
ويقول أوتماير بشكلٍ مباشر: "قراصنة ترعاهم الدولة الصينية استغلّوا أجهزة TP-Link الجالسة في غرف معيشة الأمريكيين"، مضيفاً أنّ فلوريدا "لن تسمح بتضليل العائلات لتسليم بياناتها الشخصية للحزب الشيوعي الصيني. نحن نسعى للحصول على أمرٍ قضائي، وتعويضٍ لمستهلكي فلوريدا، وعقوباتٍ مالية بموجب قانون فلوريدا"، متّهماً الشركة بـ"الكذب بشأن أمان أجهزتها وعلاقاتها بالحزب الشيوعي الصيني".
من جهتها، ردّت الشركة عبر مسؤول الشؤون المؤسسية ستيف كوفسكي بالقول إنّ "الدعاوى المنسّقة مبنيّة على فرضياتٍ خاطئة"، وإنّها "لا تخدم الأمن القومي بشيء بينما تعاقب ظلماً شركة أمريكية رائدة في مجالها". وأضافت الشركة في بيانٍ أنّها "تمتثل لقوانين الخصوصية وحماية البيانات الأمريكية. نُجري اختبارات أمنية شاملة ونعتمد على مختبراتٍ أمنية مستقلّة موثوقة لمزيدٍ من الفحص لضمان توافق منتجاتنا مع أعلى معايير الأمان، وتُصنَّف من بين الأكثر أماناً في السوق... نحن لا، ولن، نشارك بيانات شبكة العملاء مع حكوماتٍ أجنبية أو أطرافٍ ثالثة غير مصرَّح لها".
الحظر الفيدرالي الذي يُعقّد المسألة
قبل نحو ستة أشهر من هذه الدعاوى، أعلنت الهيئة الفيدرالية للاتصالات (FCC) حظراً واسعاً يشمل أجهزة الراوتر الاستهلاكية المصنّعة كلياً أو جزئياً خارج الولايات المتحدة. ونتيجةً لذلك، لا يمكن حالياً بيع أحدث أجهزة TP-Link التي تعمل بمعيار Wi-Fi 8 في السوق الأمريكية، في حين تبقى الطرازات المعتمَدة قبل الحظر مؤهّلةً للبيع. وقد مُنحت استثناءاتٌ من الحظر لشركاتٍ أخرى من بينها Netgear وAsus وAdtran وAmazon وEero (التابعة لـAmazon) وCalix وNokia وقسم Starlink التابع لشركة SpaceX. أمّا إدارة ترامب فلم تمنح TP-Link أيّ استثناء حتى الآن.
للحصول على موافقة الهيئة، يتطلّب الأمر تحديداً من وزارة الدفاع أو وزارة الأمن الداخلي بأنّ الأجهزة لا تشكّل خطراً على الأمن القومي. وتفرض توجيهات الهيئة على مقدّمي الطلبات تقديم تبرير سبب عدم تصنيع أي جهاز توجيه أجنبي الصنع حاليًا في الولايات المتحدة، بما في ذلك سبب اختيار هذه المصادر الأجنبية وما إذا كانت البدائل موجودة، إضافةً إلى تقديم "خطة مفصّلة ومحدّدة زمنياً لإنشاء أو توسيع التصنيع داخل الولايات المتحدة".
وفي هذا الإطار، التقت TP-Link في أبريل بمسؤولين في مكتب رئيس الهيئة بريندان كار، وأبلغتهم أنّها تستثمر مئات الملايين من الدولارات في تصنيع أجهزة الراوتر والبحث والتطوير داخل الولايات المتحدة، وأنّها توظّف أكثر من 550 شخصاً في البلاد، من بينهم مئات المهندسين في كاليفورنيا.
وقالت الشركة الأسبوع الماضي لموقع PCMag إنّها تعمل مع الجهات التنظيمية بشأن إتاحة منتجات Wi-Fi 8 عالمياً، مضيفةً: "متحمّسون بشكلٍ خاص لجلب مجموعة Wi-Fi 8 من الجيل الجديد للمستهلكين الأمريكيين"، وأنّها "تعمل مع الجهات التنظيمية لجلب هذه المنتجات للمستخدمين حول العالم، فتابِعوا موقعنا لمزيدٍ من التحديثات". أمّا بالنسبة للمنتجات الحالية، فتؤكّد الشركة أنّها "لا تزال متاحة للبيع في الولايات المتحدة"، وأنّ "المنتجات الجديدة تمرّ بعملية الموافقة المعتادة لدى الهيئة الفيدرالية، تماماً كبقية مصنّعي أجهزة الراوتر".
يُضاف إلى هذا المشهد ضغطٌ من جهةٍ أخرى: جماعة الضغط الخاصة بصناعة الكابلات (NCTA) قدّمت طلباً للهيئة الفيدرالية للحصول على استثناءٍ يسمح لمزوّدي خدمة الإنترنت باستبدال مكوّنات مختلفة داخل الأجهزة، مستندةً إلى نقصٍ في سلاسل التوريد قد يُعطّل توفّر خدمة الإنترنت لعملاء أعضائها، وذلك "لمنع حدوث اضطراباتٍ في توافر النطاق العريض لعملاء أعضاء NCTA".
ماذا يعني هذا لمن يملك جهاز TP-Link في بيته؟
إذا كنت قد اشتريت جهاز راوتر من TP-Link قبل دخول الحظر حيّز التنفيذ، فهو لا يزال قانونياً للاستخدام والبيع، والدعاوى القضائية لن تُسحبه من السوق بين ليلةٍ وضحاها فهذه معركة قضائية قد تستغرق أشهراً أو سنوات. لكن ما يستحقّ الانتباه هو حجم الخلاف حول من يملك فعلياً حقّ الوصول إلى بياناتك عبر هذا الجهاز الصغير الذي يمرّ عبره كلّ اتصالك بالإنترنت تقريباً. القضية هنا ليست تقنية بحتة، بل سياسية أيضاً: الأجهزة نفسها لم تتغيّر فجأةً، لكنّ البيئة الجيوسياسية التي تُصنَّع وتُباع فيها تغيّرت، وهذا وحده كافٍ لتبرير قدرٍ من الحذر.
لمن يفضّل عدم الانتظار حتى تُحسم هذه النزاعات القضائية، يبقى الخيار الأبسط هو التحقّق من البدائل مفتوحة المصدر لبرمجيات أجهزة الراوتر، مثل OpenWrt، التي تتيح للمستخدم تثبيت نظامٍ تشغيلي بديل على أجهزةٍ مدعومة من شركاتٍ متعددة، بما يمنحه قدراً أكبر من الشفافية والتحكّم في ما يُرسَل من بياناتٍ وإلى أين. هذا لا يحلّ مسألة من يصنّع الشريحة الإلكترونية نفسها، لكنّه خطوةٌ عملية لمن يريد تقليل اعتماده على وعودٍ تسويقية لم تعد كافية وحدها لطمأنة المستهلك — ولا، كما يبدو، لطمأنة أربع ولايات أمريكية.
أخبار ذات صلة

استعد ذكريات أول رحلة مدارية لمركبة ستارشيب (Starship)

هل GPT-6 Astra فعلاً ذكاء عام؟ OpenAI تؤكد دخولنا العصر الجديد

إطلاق ستارشيب من فلوريدا: SpaceX تستعدّ للمحاولة الأولى من منصّة 39A
