تفشي حمى الضنك في تامبا يثير القلق الصحي
مقاطعة هيلزبره في فلوريدا تتحول إلى بؤرة جديدة لحمى الضنك مع تسجيل وفاة نادرة وانتشار واسع للبعوض الحامل للفيروس وسط موجة جفاف وأمطار مرتقبة قد تزيد من تفشي المرض تابع التفاصيل على وورلد برس عربي.

تُظهر الأرقام الصادرة عن إدارة الصحة فلوريدا هذا الخريف مشهداً غير مألوف: مقاطعة هيلزبره، التي تضمّ مدينة تامبا وتقع أبعد شمالاً بكثير من بؤر تفشّي حمى الضنك التقليدية في الولاية، باتت مركز الثقل في عدوى محلية غير متوقّعة. المقاطعة نفسها، إلى جانب جارتيها باسكو وبينيلاس، أعلنت حالة طوارئ محلية، في وقتٍ سجّلت فيه فلوريدا أول وفاة موثّقة بحمى الضنك منذ ما يقارب قرناً من الزمن. هذا التزامن بين تحوّل جغرافي في مسار العدوى ووفاةٍ نادرة يستدعي قراءةً أكثر من مجرّد تصريحٍ إعلامي عابر.
وفق بيانات وزارة الصحة في فلوريدا، سجّلت الولاية حتى الآن 497 حالة إصابة بحمى الضنك هذا العام، منها 252 حالة اكتُسبت محلياً، أي ما يقارب 51% من إجمالي الحالات، مقابل 245 حالة مرتبطة بالسفر. اللافت هنا ليس العدد الإجمالي بقدر ما هو التحوّل في طبيعة الانتقال؛ فعدد الحالات المحلية هذا العام يفوق بأكثر من 5 أضعاف مستواه في الفترة ذاتها من أيٍّ من السنوات الأربع الماضية. ومقاطعة هيلزبره وحدها استأثرت بـ223 حالة من أصل 252 حالة محلية على مستوى الولاية، وهي المقاطعة التي شهدت أيضاً حادثة الوفاة، امرأةٌ تأكدت إصابتها ووفاتها في أوائل سبتمبر، بحسب ما أعلنته إدارة الصحة في فلوريدا.
لماذا تحوّلت تامبا إلى بؤرة؟
تاريخياً، كانت بؤر تفشّي حمى الضنك في فلوريدا تتمركز في أقصى الجنوب، في ميامي وجزر فلوريدا كيز، حيث ارتبطت موجات العدوى بأنماطٍ موسمية شبه متوقّعة تتزامن مع ذروة حركة السفر الدولي. دراسة نُشرت عام 2022 وثّقت هذا النمط التاريخي، إذ تراوحت حصيلة تفشّيات ميامي بين عامي 2022 و2024 ما بين 500 و675 حالة تقريباً، في حين كانت الحصيلة التاريخية لا تتجاوز غالباً 50 حالة أو أقل. أما هيلزبره فكانت تسجّل عادةً حالات متفرّقة قليلة لا تستدعي حالة طوارئ.
المؤشر الأكثر دلالةً على ما يجري اليوم يأتي من رصد البعوض لا من عدّ المرضى فقط. عثرت إدارة الصحة على 20 مجمّعة بعوض إيجابية لحمى الضنك موزّعة على 7 مقاطعات هذا العام، منها 19 مجمّعة في منطقة تامبا الكبرى وحدها. وللمقارنة، لم تُسجَّل فلوريدا بأكملها سوى 4 مجمّعات إيجابية في 2025، ومجمّعة واحدة فقط في 2023. هذا القفز في عدد المجمّعات الإيجابية ليس تفصيلاً إحصائياً هامشياً، بل مؤشر وبائي بالغ الأهمية، لأن اكتشاف مجمّعات بعوض حاملة للفيروس يعني -بحسب الأدبيات الوبائية- أن انتقالاً واسعاً للعدوى قد يكون جارياً فعلاً قبل أن تظهر الحالات البشرية بكثافة.
وتوضح كيرا لوكاس، نائبة المدير التنفيذي لمقاطعة كولييه لمكافحة البعوض، أن «العثور على مجمّعات بعوض إيجابية أمرٌ نادر في فلوريدا لأن حمى الضنك ليست متوطّنة في الولاية»، مضيفةً أن تتبّع الفيروس ميدانياً «يشبه إلى حدٍّ بعيد البحث عن إبرة في كومة قش». وتعزو لوكاس جزءاً من صعوبة الرصد إلى الطبيعة الصامتة للعدوى: «نظراً إلى أن نحو 75% من إصابات حمى الضنك لا تُظهر أعراضاً، يمكن للفيروس أن ينتشر داخل المجتمع دون أن يُكتشف بسهولة لفترة من الزمن». وهذا يعني عملياً أن الحالات الموثّقة رسمياً -وهي فقط من توجّهوا للفحص الطبي- قد لا تمثّل سوى جزءٍ من حجم الانتقال الفعلي، وهي فجوة تتكرر في معظم تقارير الترصّد الوبائي حول العالم.
من جهتها، تصف بانبيم ثونغسريبونغ، عالمة البيئة المرضية في جامعة فلوريدا، ما يجري بأنه تقاطع ظروف نادر: «الأمر أشبه بتوليفة سيئة الحظ؛ كل شيء يجتمع في الوقت والمكان المناسبين، وفجأة تتوفّر الظروف الملائمة لحدوث تفشٍّ». لكنها تتحفّظ على الجزم بعوامل محدّدة، موضحةً أنه من المبكر تحديد العوامل التي دفعت الحالات إلى الارتفاع هذا العام بدقة، وتشير في الوقت ذاته إلى أن البنية الصحية والسكنية في الولايات المتحدة قد تحدّ من تحوّل حمى الضنك إلى تهديدٍ أكثر خطورة مقارنةً ببيئاتٍ أقل تجهيزاً.
الجفاف، الأمطار المرتقبة، وسلوك البعوض
يضيف العامل المناخي بُعداً آخر للصورة. تمرّ فلوريدا هذا العام بأشد موجة جفاف تشهدها منذ أكثر من عقد، وهي مفارقة ظاهرية لأن الجفاف لا يُفترض أن يشجّع تكاثر البعوض. غير أن الأبحاث تشير إلى أن الجفاف قد يدفع إناث البعوض المصابة بالجفاف إلى اللسع بوتيرة أعلى بحثاً عن وجبات دم إضافية، كما أن تشغيل أنظمة الرشّ الزراعي والمنزلي في فترات الجفاف يخلق برِكاً وحاويات مياه راكدة تتحوّل إلى مواقع تفريخ مثالية، لا سيما أن بعوضة Aedes aegypti، الناقل الرئيسي لحمى الضنك، تفضّل التكاثر في الحاويات التي من صنع الإنسان أكثر من المسطّحات الطبيعية. وفي الوقت ذاته، تتوقّع فلوريدا شتاءً أكثر مطراً من المعتاد بفعل ظاهرة النينيو القوية هذا العام، ما قد يضيف طبقة جديدة من مواقع التكاثر إذا لم تُدَر مياه الأمطار بعناية.
هذا التراكب بين الجفاف الحالي والأمطار المرتقبة يجعل من مكافحة البعوض مسألة توقيت دقيقة، وتوصي السلطات الصحية باستخدام طارد الحشرات عند التواجد في الهواء الطلق، وتفريغ أي أواني تحتفظ بالمياه بانتظام، مثل أوعية مياه الحيوانات الأليفة، وصحون النباتات، والدِلاء، والإطارات المهملة. وتعمل مناطق مكافحة البعوض بالتنسيق مع إدارات الصحة على استهداف الرشّ باليرقات القاتلة (اللارفيسايد) التي تقتل صغار البعوض قبل أن تصل إلى مرحلة قادرة على اللسع ونقل العدوى.
وتؤكد كارولين وادِل، الباحثة في الصحة العامة بجامعة فلوريدا، أن الموجة لم تنتهِ بعد: «لا تزال تُسجَّل حالات بدأت أعراضها في سبتمبر»، مضيفةً أن ذلك يعني أننا «لسنا قد تجاوزنا الخطر بعد». وتلفت وادِل إلى أن عدد الحالات المرتبطة بالسفر هذا العام لم يكن مرتفعاً بشكل استثنائي، وهو ما يعزّز فرضية أن مصدر التصاعد هذه المرة هو الانتقال المحلي عبر بعوض مقيم، لا الحالات الوافدة من الخارج كما كان الحال في معظم السنوات السابقة.
حمى الضنك في سياقها العالمي
لا يمكن قراءة ما يجري في فلوريدا بمعزل عن الاتجاه العالمي. فبين عامي 2000 و2019، تضاعفت حالات حمى الضنك المسجّلة عالمياً عشر مرات، وفق منظمة الصحة العالمية، فيما تضاعف عدد الوفيات المرتبطة بالمرض بين عامي 1990 و2021. وتُقدَّر الإصابات السنوية عالمياً بما بين 100 و400 مليون حالة. تاريخياً، لم تكن الولايات المتحدة تسجّل أكثر من نحو 800 حالة سنوياً في المتوسط، لكن هذا الرقم ارتفع بشكل حاد في السنوات الأخيرة: في عام 2024 وحده، سجّلت الولايات المتحدة ما يقارب 3,800 حالة، أي أكثر من 300% فوق المتوسط السنوي للعقد الماضي، وهو ارتفاع عزاه مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) جزئياً إلى الحالات المرتبطة بالسفر وجزئياً إلى ارتفاع درجات الحرارة الذي بات يوسّع نطاق انتشار بعوضة Aedes aegypti إلى مناطق جديدة. كذلك، ربطت منظمة الصحة العالمية ارتفاع الحالات عالمياً في 2023 بعودة حركة السفر الدولي بعد جائحة كوفيد-19.
العلماء يضعون تغيّر المناخ في صدارة التفسيرات المحتملة لهذا التوسّع، إذ تسرّع الحرارة المرتفعة دورة حياة البعوض وتُسرّع تكاثر الفيروس داخله، إضافة إلى توسيع النطاق الجغرافي الذي تستطيع فيه بعوضتا Aedes aegypti وAedes albopictus البقاء والتكاثر، وهما نفس النوعين القادرين أيضاً على نقل الحمى الصفراء وفيروس زيكا وحمى تشيكونغونيا. من الناحية السريرية، تجدر الإشارة إلى أن حمى الضنك لا تنتقل من شخص لآخر مباشرة، بل عبر لسعة البعوض فقط، وأن نحو شخص من كل أربعة أشخاص معرّضين للفيروس يُظهر أعراضاً فعلية، تشمل الحمى والصداع وآلام الجسم والغثيان والطفح الجلدي. وتتطوّر حالة واحدة من كل عشرين حالة إلى شكل حاد، قد يتضمن ألماً في البطن وقيئاً وصعوبة في التنفس ونزيفاً في اللثة أو الأنف، وقد يصل في أسوأ الحالات إلى تسرّب الأوعية الدموية والصدمة وفشل الأعضاء والوفاة. والفئات الأكثر عرضة للمضاعفات هي ضعاف المناعة والأطفال وكبار السن والحوامل. ولا يوجد حتى الآن علاج نوعي لحمى الضنك، وتقتصر الرعاية على معالجة الأعراض والحفاظ على العلامات الحيوية للمريض.
ما يجعل موجة هيلزبره لافتة من منظور صحة عامة هو أنها قد تمثّل تحوّلاً في النمط لا مجرّد زيادة عددية: فبدلاً من تفشٍّ موسمي متوقّع مرتبط بالسفر الدولي ومركّز جنوباً، تشير الحالات المكتسبة محلياً إلى احتمال نشوء دورة انتقال محلية يقودها بعوض مقيم في مناطق لم تكن معتادة على استضافة الفيروس. وإذا صحّت فرضية أن تغيّر أنماط المناخ يجعل أجزاءً أوسع من فلوريدا بيئة مضيافة لهذا النوع من البعوض، فإن السؤال المطروح أمام السلطات الصحية لن يكون فقط كيفية احتواء الموجة الحالية، بل كيفية إعادة رسم خريطة المناطق المعرّضة للخطر قبل أن يتكرّر السيناريو في مواسم مقبلة، خصوصاً مع الشتاء الماطر الذي تستعدّ له الولاية هذا العام.
أخبار ذات صلة

تفشّي الحصبة في بنسلفانيا يتجاوز الألف إصابة، الأكبر منذ القضاء على المرض

ChatGPT للمراهقين يبقيهم متصلين حتى في أزمات الصحة النفسية

الخلايا الميتة حياً قد تسرّع الشيخوخة.. وعلماء يبتكرون طرقاً للقضاء عليها
